الإعدامات الجماعية في مصر من منظور القانون الدولي

نيويورك ـ «القدس العربي»: أثارت أحكام الإعدام الجماعية لأكثر من مئة شخص يوم السبت الفائت 16 ايار/مايو والتي أطلقها القاضي المصري شعبان الشامي من محكمة جنايات شمال القاهرة موجة غضب واستهجان وإدانة من كافة المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان. وقد طالت أحكام الإعدام في قضية ما سمي بإقتحام السجون والتخابر مع «حماس» الرئيس المصري السابق محمد مرسي والمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين محمد بديع والشيخ يوسف القرضاوي وعددا من قيادات الجماعة والفلسطينيين. وكان من بين الذين صدرت بحقهم إعدامات ثلاثة شهداء فلسطينيين وإثنين توفيا منذ زمن والأسير حسن سلامة المحكوم بالسجن المؤبد لدى الكيان الصهيوني منذ عام 1996 وجميعهم لم يطأوا أرض مصر. وعندما سئل القاضي عن أحكام الإعدام الصادرة بحق الشهداء والأسير قال «وأنا مالي… إحنا ما عندناش أدلة رسمية تثبت كدة».
بشكل عام كانت ردود الفعل الرسمية باردة ولا تليق بمثل هذا الانتهاك الفاضح لكل معايير القضاء في أي مكان في العالم. ولولا موقف ألماني متقدم من رئيس البرلمان برفضه اللقاء مع الرئيس السيسي وبيان رجب طيب أردوغان الذي إعتبر أحكام الإعدام بمثابة عودة مصر إلى «مصر القديمة» واتهم الدول الغربية بالنفاق. حركة حماس، كما هو متوقع، أدانت الإحكام واعتبرتها جريمة ضد الشعب الفلسطيني.
الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، أصدر بيانا غامضا يخلو من كلمة الإدانة لكن عبرعن القلق العميق لمثل هذه الأحكام وقال «إنه سيواصل مراقبة الموضوع عن كثب، آخذا بعين الاعتبار أن هناك فرصة للإستئناف». كما أصدرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان بيانا شبيها. أما المتحدث باسم البيت الأبيض فعبر عن الإنزعاج الشديد وأصدرت كل من بريطانيا وألمانيا بيانات تعبر عن القلق أيضا وطالب الاتحاد الأوربي بمراجعة الأحكام عند الإستئناف. لكن الأهم من هذه الإدانات الباردة كان هناك عديد من الفعاليات الشعبية والنقابية التي إنطلقت تندد بقرارات الإعدام في المغرب والجزائر والسودان وموريتانيا وأندونيسيا وماليزيا وألمانيا والنمسا وباكستان وتركيا وغيرها.
المدير التنفيذي لـ «هيومان رايتس ووتش» كينيث روث علق قائلا «أحكام الإعدام في مصر إستثنائية من حيث العدد وطبيعية في ظل غياب محاكمات عادلة للمتهمين». وأضاف أن هذه الإعدامات تشكل وصمة عار في جبين القضاء المصري. أما منظمة «العفو الدولية» فوصفت الحكم على الرئيس المصري السابق محمد مرسي بالإعدام بعد محاكمة غير عادلة تظهر مدى إزدراء القضاء المصري لحقوق الإنسان وكانت محاكمته باطلة حتى قبل أن يضع قدما واحدة داخل صالة المحكمة.

الإعدام في القانون الدولي

ليس هناك نص صريح في القوانين الدولية يدعو إلى تحريم عقوبة الإعدام. وعندما تم تحضير مسودة «العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية» عام 1947 لم يكن هناك إلا 6 دول ألغت حكم الإعدام.
ينص البند السادس في العهد على أن لكل شخص الحق الطبيعي في الحياة وهذا الحق يجب أن يكون محميا بالقانون ويجب ألا يحرم أحد من هذا الحق بطريقة تعسفية. كما يدعو الدول التي لم تلغ حكم الإعدام فعليها حصره في حالة إرتكاب جرائم كبرى. ويضيف الفصل أن كل من يحكم عليه بالإعدام يتمتع بحق طلب الصفح أو التخفيف أو العفو. ولا يجوز تنفيذ حكم الإعدام في من هو دون الثامنة عشرة.
كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1948 شدد على الحق في الحياة ونص بشكل حازم على أنه «لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو المحطة بالكرامة» (مادة 5).
تبنى بعدها المجتمع الدولي أربع معاهدات دولية وثلاث معاهدات إقليمية تطالب نصا بإلغاء عقوبة الإعدام. وعلى مر السنين، ناقشت عدة هيئات تابعة للأمم المتحدة واعتمدت مجموعة من التدابير لدعم الإلغاء العالمي لعقوبة الإعدام.
وقد اعتمد البروتوكول الثاني المتعلق بإنهاء عقوبة الإعدام بشكل طوعي عام 1991 وألحق هذا البروتوكول بالعقد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي أقر عام 1966. وفي كانون الاول/ديسمبر من عام 2007 وعام 2008، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرارين 62/149 و63/168، اللذين دعيا إلى فرض حظر على استخدام عقوبة الإعدام. ومنذ ذلك الحين، تبنت هيئات إقليمية ومنظمات أهلية عديدة قرارات وإعلانات تدعو إلى فرض حظر على تنفيذ حكم الإعدام كخطوة أولى نحو الإلغاء الشامل لهذه العقوبة.

البروتوكول الاختياري الثاني

اعتمد هذا البروتوكول الهام القائم على الوقف الطوعي لعقوبة الإعدام بعد التصويت عليه بتاريخ 15 كانون الاول/ديسمبر 1989 واعتمد بـ 59 صوتا مع، و26 ضد، و48 إمتناع. وقد صوت ضد القرار مجموعة من الدول الإسلامية بالإضافة إلى الصين والولايات المتحدة. وقد دخل القرار حيز الإلزام بعد توفر العدد اللازم للمصادقة عليه بتاريخ 11 تموز/يوليو 1991. ويصل عدد الدول التي انضمت إلى البروتوكول في نهاية عام 2014 إلى 75 دولة.
وبسبب هذا الزخم في رفض المجتمع الدولي لعقوبة الإعدام تكاد تختفي من معظم دول العالم. لقد أثبتت دراسات عديدة أن حكم الإعدام لا يردع أحدا وأن الدول التي لا تمارس العقوبة أكثر استقرارا وأقل ارتكابا للجرائم من التي تطبقه. وللتأكد من هذه الحقيقة قارن بين دول أوروبا الغربية واليابان وبعض دول أمريكا اللاتينية مع الدول الإسلامية كباكستان وبنغلاديش واليمن.
والخارطة العالمية لتنفيذ حكم الإعدام الآن تبدو كالتالي:
• هناك 100 دولة لا تمارس الإعدام بالمطلق. وكانت فنزويلا أول دولة تلغي حكم الإعدام سنة 1854 وآخر دولة غابون 2010
• هناك 7 دول أبقت على حق تنفيذ الإعدام في حالات الضرورة القصوى وفي حالات الحرب فقط.
• هناك 42 دولة تجيز حكم الإعدام قانونا لكنها لم تطبقه على الإطلاق في آخر 10 سنوات.
• وهناك 42 ما زالت تطبق حكم الإعدام وتجيزه من الناحية القانونية.
المعايير الدولية
إذا كان لا بد من الإعدام فينبغي اتباع معايير دقيقة جدا كي لا يظلم المتهم. فقد كشفت تحقيقات متأخرة عن عقوبات إعدام نفذت دون وجه حق وتبين أن المتهم كان بريئا ولكن بعد فوات الأوان، من بينها أربع حالات مشهورة في الولايات المتحدة. لذلك وضعت معايير دقيقة تتعلق باستنفاد آليات العدالة جميعها أثناء المحاكمة، كتوفير المحامي المجرب والطعن في الحكم والاستئناف واستخدام هيئة محلفين عادلة تأخذ قرارها بالإجماع. كما تركز مجموعة المعايير تلك على وضعية المجرم وعمره وحالته النفسية وإذا ما كان سويا تماما واتخذ قراره عن وعي وسبق إصرار أو أنه نفذ جريمته تحت التهديد أو الابتزاز أو تأثير المخدرات أو الكحول. والنقطة الأخيرة في تلك المعايير تتعلق بالسلطة التنفيذية، حيث يأتي الإجراء الأخير قبل التنفيذ بالتصديق عليه من قبل رأس الدولة أو الولاية. إن الدول الراقية التي ما زالت تنفذ هذا الحكم القاسي، تمارسه بطريقة تعكس حضارة البلد ومنظومة القيم التي تحترم حتى إنسانية المجرم وتقوم بتنفيذ الحكم بطريقة رحيمة دون جمهور ودون تعذيب أو إطالة أو تشفٍ أو عرض علني أو تشهير. وتقف الصين (2000 + حالة) تليها إيران (360 تقريبا) فالسعودية (82) فالعراق ( 68) فالولايات المتحدة (43) فاليمن (41) على رأس قائمة الدول الأكثر استخداما لعقوبة الإعدام حسب إحصائيات 2011. وتنفرد إيران والسعودية في تنفيذ حكم الإعدام في القاصرين دون الثامنة عشرة.
نظرة موضوعية لما يجري في مصرالآن نرى أنها في حالة إنتهاك قائم ومتعمد بحق قانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. لكن يبدو أن مصر تريد أن تسابق الآخرين لتحتل المرتبة الأولى في عدد أحكام الإعدام، وفي سرعة إجراء المحاكمة وفي عدد المشمولين بالحكم في تهمة واحدة.

عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية