سبقٌ مدوٍ للقناة الاولى للتلفزيون الرسمي في تونس، يوم الاعلان غير النهائي عن نتائج انتخابات الرئاسة.
السبق هو حوار حصري ومباشر مع الباجي قائد السبسي، الرجل الذي سينتقل في غضون أيام قليلة من مرتبة المرشح الفائز إلى مصاف الرئيس المنتخب. أما المذيع الذي اختارته القناة لمحاورة الضيف فهو واحد من جيل شاب من الإعلاميين الذين ظهروا مثل الفقاع بعد هروب الرئيس المخلوع بن علي، وتحولوا بقدرة قادر إلى نجوم لامعين، يتسابق السياسيون للظهور في برامجهم واسعة الشهرة والانتشار. لم يكن هناك جديد في أسئلة المحاور، لكنه وقبل انتهاء المقابلة بوقت قصير نقل إلى الباجي ما وصفها برسالة من الإعلاميين، وقال له بشيء من الثقة الزائدة والحدة «لقد صبر السيد المنصف المرزوقي الرئيس المؤقت السابق وصبرت حكومة الترويكا كثيرا على الإعلام، وتحملوا كل التجاوزات وكنا صارمين معهم وسنكون صارمين معكم أنتم أيضا في الحكم.
لن يتغير أي شيء ولن يجعلنا أي انسان، لا رئيس الدولة ولا غيره، نتراجع أو نفرط مطلقا في هذا المكسب المهم، أي حرية الإعلام، ولن نسمع من عندكم لا تعليمات ولا توصيات». النبرة الإنذارية للسؤال لم تجعل العجوز المخضرم يبدي قلقا أو تبرما، بل قد تكون على العكس منحته فرصة ذهبية لتبديد مخاوف بدأ البعض في إطلاقها عن الحريات في عهده. ولاجل ذلك فقد التقط الرسالة بهدوء وبرود، ليردد امام المذيع ما ظل يقوله الجميع بلا استثناء من «أن حرية الصحافة مكسب من مكاسب الثورة ولا تراجع عنها»، قبل أن يذكره بعد ذلك بأنه تعرض شخصيا للتهديد من صحافية كتبت على موقع للتواصل الاجتماعي بأنه في حال فوزه بانتخابات الرئاسة، فإن ذلك سوف يعني بداية لحمام دم في تونس، وإنه رفض تتبعها قضائيا، رغم مساءلتها من طرف النيابة العمومية، لانه يرفض من ناحية المبدأ تتبع الصحافيين. غير انه لم يغفل في النهاية عن توجيه ما اعتبرها «توصية للصحافين بأن يكونوا حرفيين، فالصحافة حرة لكن لديها ضوابط ونحن نحترم الصحافة التي تحترم نفسها».
لن يضيق أحد على الاعلام إذن، أو يمس حرية التعبير، ولكن لصبر السلطة حدودا تسمى الحرفية واحترام النفس. هل نحن هنا بصدد اختراع جديد لم يكتشف في عهد المرزوقي وعهد الترويكا.. أم أننا نعيش اللحظة الرسمية لاعلان نوايا الحكام الجدد، الذين اوصلتهم صناديق الانتخاب إلى سدة الحكم حول طبيعة علاقتهم في المستقبل القريب بالإعلام والإعلاميين؟
مضت الآن خمسة أشهر على الانتخابات، وعلى سبق التلفزيون الرسمي ورسالة المذيع وتوصية الباجي، وظل المشهد في تونس شديد التعقيد والالتباس، رغم أن أقنعة كثيرة بدأت بالسقوط المفاجئ، إما بفعل تقادمها أو لانها لم تعد ببساطة تصلح لمقتضيات الادوار المناط بها في المرحلة الجديدة. وقد اختار واحد من بين أولئك الرجال المقنعين الذين حامت حولهم شكوك كثيرة في السابق، أن يظهر قبل أيام على قناته التلفزيونية الخاصة ليكشف بعضا مما ظل يقال داخل الجلسات الضيقة، ويعلمه معظم الماسكين بخيوط السلطة أو الدائرين في فلكها. وها هو يعلنها على الملأ بالفم المليان، أن قناته التلفزيونية لم تكن ابدا حيادية أو مهنية، ولا بالطبع مستقلة، إنها كانت بكل وضوح واختصار ذراعا إعلامية في الحرب التي أعلنت لأجل الإطاحة بحكم الإسلاميين، أدت مهمتها القتالية بكفاءة عالية ولعبت دورها بكل اقتدار، وهي الآن تستعد على ما يبدو لمهمة أخرى، أو هكذا يبدو الامر، بعد أن اكتشف مالك القناة اخيرا انه «لم يكن يعرف مدى وطنية رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي إلا بعد احتكاكه به»، كما قال قبل أن يضيف في المقابلة نفسها بأن هذا الرجل، أي الشيخ الغنوشي، الذي ظل يقدم هو وحزبه طوال السنوات القليلة الماضية كأعداء متربصين بالديمقراطية والحداثة، «لا مصلحة له الا خدمة تونس من خلال عمله السياسي». صحوة ضمير أم مجرد اكتشاف متأخر أم تلاعب جديد بقيم مهنية ضائعة ومفقودة؟
ليس جديدا على التونسيين تغيير الجلود، فالحربائية صارت تقليدا شعبيا راسخ الجذور، ولأجل مصالح السلطة والمال والنفوذ يصبح المستحيل ممكنا والثابت متحولا، ولا يهم في ذلك لا الاسلوب ولا المبررات، مادامت النتيجة في كل الاحوال واحدة وهي أن التعددية الاعلامية التي يطبل لها الجميع تبقى كذبة أو اسطورة من بين اساطير كثيرة تعشش في البلد. هل يتحمل الاعلاميون وحدهم ذنب التقصير والمسؤولية المباشرة عن ذلك، أم أن اصحاب النفوذ داخل المؤسسات الاعلامية هم المتهمون اولا واخيرا؟
قبل البحث عن حرية لم يعد لها معنى او وجود عملي وفعلي، أمام سلطان حاجة تدفع الكثير من الصحافيين في تونس وغيرها إلى رمي مبادئ المهنية والحياد جانبا، والانصياع فقط لإرادة دافع المال ورغباته، هناك إشكال آخر لا يرغب الماسكون بدفة الاعلام في مواجهته بشجاعة، وهو ان هناك نضوبا وشحا شديدين في الصحافيين، وان معظم الطبقة التي تعمل بالقطاع هي من الدخلاء الذين تسلقوا في ظروف مريبة وبسرعة قياسية واجهة المشهد، من دون أن تكون لهم لا المعرفة باخلاق المهنة ولا حتى الموهبة وبعض الحس الصحافي الادنى. لقد اعتقدوا ببساطة انهم يؤدون عملا يدر عليهم اموالا ويجلب لهم شهرة وحظوة ويسمح لهم بالتقرب من اصحاب النفوذ ومواقع القرار. ولم يدر بخلدهم مطلقا أنهم مطالبون بانارة الرأي العام وكشف الحقائق امامه، بل ظلوا يرددون طوال سنوات على مسامع الجمهور بانه من واجب الاعلام النظر فقط إلى نصف الكأس الفارغ لا نصفه الملآن، وان الصحافة تهتم لوصول القطار متاخرأ لا وصوله في الوقت، أو أن ما قد يشغلها او يجلب اهتمامها هو ان تعض سيدة كلبا لا أن تتعرض هي لعضة كلب، وغير ذلك من الامثلة والنماذج التي لم يكن لها من غاية سوى الايهام بان ما يقومون به هو عين الصواب وقمة المهنية. لقد انشغلوا بالبحث بكل السبل عن تحقيق اعلى نسب المشاهدة والاستماع، وكان كل همهم هو الإثارة الرخيصة حتى إن لزم الامر اختلاق الروايات او توجيه الاتهامات واطلاق احكام الادانة والبراءة قبل أن يصدرها القضاء. ولعل التونسيين يذكرون ما فعله مقدم برنامج تلفزيوني على قناة خاصة، بجلبه شخصا وتقديمه للجمهور على انه مقاتل عائد من الشام ثم فسح المجال امامه لاستعراض رواية بوليسية خيالية عما شاهده وعاناه من اهوال هناك، والحال أن الشخص المذكور لم يسبق له أن غادر تونس مطلقا في حياته، او عمليات اجتزاء واقتطاع بعض المشاهد والتصريحات لاجل الايهام بمواقف ونسبتها لطرف أو شخص، وآخر ضحاياها الدكتور المرزوقي.
ضعف المهنية لا يحجب أيضا صنفا اخر من الاعلاميين الذين تحركهم فقط نوازع الايديولوجيا وتجعلهم يصمون اذانهم ويغلقون عيونهم امام الحقيقة، ارضاء لشهوة الانتقام من خصم سياسي وفكري يناصبونه العداء المزمن. هؤلاء لا يمثلون اغلبية في تونس لكن اصواتهم هي الاقوى والاعلى وتأثيرهم على الاعلاميين الشباب الذين لم يعرفوا معنى الخصومات الايديولوجية الدفينة بالغ الاهمية. يبقى بعد كل ذلك الاعلاميون الحرفيون الذين لديهم الايمان بخطورة واهمية واجبهم في تحمل المشاق والتضحيات لأجل ايصال الحقيقة للناس ومعظم هؤلاء لا يجدون للاسف الشديد مكانا، أو موقعا تحت شمس الاعلام في تونس، فيظلون معزولين ومنبوذين يغردون باستمرار خارج السرب ولا يستطيعون النفاذ إلى الجمهور بيسر وسهولة.
لا تكتمل الصورة قطعا من دون الملاك الذين يسيطرون باموالهم وثرواتهم على الصحف والاذاعات والتلفزيونات الخاصة، وهؤلاء لا يفهمون حرية الاعلام الا في سياق واحد لا غير، وهو مقدار ما تدره عليهم من مصالح واموال، وقد لا يقل دورهم في تحطيم الديمقراطية وتشويهها عن دور الاستبداد في قتل كل حس أو نفس نقدي. تحضر السلطة قبل وبعد ذلك بجهازها العتيق لتستمع بالمشهد المضحك المبكي وهو مشهد اعلام تونسي صار اخر من يعلم ولم يعد تنفع معه لا عنتيريات المتمسكين بحرية الصحافة ولا تطمينات السبسي، او غيره بالحفاظ عليها بعد أن أفسده اهله وامعنوا في تشويهه وإذلاله.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية