الإعلام الأمريكي يمنح تفويضا مطلقا للدعاية الإسرائيلية المضللة لتقول ما تشاء

حجم الخط
4

نيويورك – «القدس العربي»: طارد مذيع أمريكي الممثلة الطاعنة في السن جوان ريفرز وهي تهم بدخول أحد المطارات ليسألها عن العدوان الإسرائيلي ضد غزة رغم انها معروفة فقط باجراء عمليات التجميل ولا علاقة لها بالسياسة. الممثلة أجابت كانها تقوم بدور درامي في مشهد تلفزيوني أنها لا تكترث قطعيا لمقتل المئات من المدنيين في غزة وان اللوم يقع عليهم في كل الأزمة.
المراقبون الذين شاهدوا المقطع الذي بثه أشهر برنامج فني في الولايات المتحدة «تي.ام.زي» لا يساورهم أدنى شك في ان المشهد تمثيلي مزروع قسرا لعرض وجهة نظر غير محايدة. فلم تكن هنالك أي مناسبة فنية للحديث مع الممثلة التي تزور اسرائيل باستمرار. لقد كان من الوضح ان هنالك محاولة لتسريب موقف موالي بشدة للعدوان الإسرائيلي على غزة والتهكم من خلال المقطع على جميع المشاهير الذين اتخذوا موقفا شجاعا مع أطفال غزة. البرنامج المعروف الذي تبثه عدة قنوات رئيسية تجاهل حتى الآن استضافة أي ممثل آخر متعاطف مع القضية الفلسطينية.
وأفردت محطات التلفزيون الأمريكية والصحف بما في ذلك المعتدلة، مساحات غير محدودة للطرف الإسرائيلي لكي يعبر عن مزاعمه ولكنها تجاهلت عن قصد وجهة النظر الفلسطينية أو العربية. وكشفت التغطية الأمريكية للأزمة جميع الأساليب الملتوية في نقل الأخبار أو تحليلها بدءا من الصياغة الماكرة للأخبار التي تنقلها وكالات الأنباء إلى الإنحياز المتطرف للصحف الليبرالية مثل «نيويورك تايمز». أما الأجهزة الإعلامية المعروفة عالميا بموالاتها لاسرائيل دون مواربة مثل «نيويورك بوست» و»الدايلي نيوز» فقد تحولت كما يقول عدد من المراقبين إلى ما يشبه منظمات اعلامية للحكومة الإسرائيلية. ولكنك اذا أردت التعرض لمزيد من مشاعر الحنق والغضب فما عليك الا متابعة قناة «فوكس نيوز» ليوم واحد فقط. الأكاذيب والمهاترات التي تدور من برنامج إلى آخر في القناة حول العدوان الإسرائيلي على غزة كافية للإصابة بعدة أمراض مزمنة وهي كافية للتدليل على حجم اللوبي الإسرائيلي الإعلامي في الولايات المتحدة. أما اذا ارتطمت بمواطن أمريكي عادي يود الحديث حول غزة فما عليك الا الصبر أمام ما قد تسمعه. الإعلام الأمريكي لم يتخل فقط عن مهنيته بل شارك عن قصد في تقطيع أوصال صورة الفلسطيني أمام المشاهد. والأمر يتجاوز كما يبدو للوهلة الأولى انطباعات شخصية لمراقب معتدل إلى خلاصة علمية مهنية. واليكم القليل من طوفان التضليل الذي تمارسه وسائل الإعلام الأمريكية.
*قناة «فوكس نيوز» تحظى بنسبة أعلى مشاهدة بين قنوات الكيبل الإخبارية في الولايات المتحدة وأرقام المتابعة تتجاوز بكثير حجم مشاهدة شبكات عريقة مثل «سي .ان .ان» و»سي ان بي سي» وهي بلا شك قناة يمينية متطرفة تمتهن ترويج الكراهية ضد العرب والمسلمين والأجانب بشكل عام بشكل يتفق تماما مع أخلاق «اللوبي الإسرائيلي» وما يدعى بالمحافظين الجدد ولكن تغطيتها للعدوان الإسرائيلي على غزة تجاوزت وقاحة الإعلام الإسرائيلي نفسه.
*يواصل الحاكم السابق لولاية «اركنساس» مايك هاكبية برنامجه كل مساء وهو يتحدث عن عذابات الإسرائيلين الأبرياء وهم يتعرضون لقصف صواريخ حماس ثم يبدأ بانتقاد إدارة اوباما لانها كانت ضعيفة في دعم اسرائيل ولا يغفل عن ضرورة الدعم المطلق لما يسميه الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ثم يستضيف عدة مسؤوليين اسرائيليين يروجون لأكاذيبهم. وبعد ذلك يواصل هاكبية الذي زار اسرائيل أكثر من موطنه «اركنساس» مناقشته مع الضيوف الأعزاء حول مدى أهمية مواصلة العمليات الإسرائيلية حتى يتم القضاء نهائيا على صواريخ وأنفاق حماس «الارهابية» ولكي تكتمل حفلة الوقاحة يرفع هاكبية في نهاية البرنامج شعار القناة: التوازن والدقة.
*المذيع شان هانييتي يظهر بشكل أكثر عدوانية عند الحديث عن غزة ولا يتوقف عن ترهيب أي شخص في الوسط العام الأمريكي اذا تفوه بكلمة واحدة من المحتمل ان تشير إلى تعاطف إنساني مع الفلسطينيين. ولكن هانييتي المعروف بشتم ضيوفه لا يتوقف عند حد دعم اسرائيل بل يتهجم بشكل مباشر وواضح ضد كل العرب والمسلمين والإسلام. أما الشقراء ميغن كيلي فهي لا تريد التخلف عن معزوفة الكراهية ونسب المشاهدة لتحمل حماس كل المسؤولية عن الضحايا في حين أختارالمذيع الأكثر شهرة على الإطلاق بيل اورالي تجاهل العدوان الإسرائيلي بشكل عام ليتحدث عن قضايا داخلية ولكنه احترف مهنة انتقاد اوباما وجون كيري باتهامات نعلم جيدا أنها باطلة قائلا أن اوباما ووزير خارجيته يتخذان موقفا منحازا مع الارهابيين.
والأطرف من هؤلاء كلهم صورة المذيع الميداني الذي أرسلته «فوكس نيوز» إلى غزة قائلا وهو يحتمي بذعر من قصف الطائرات الإسرائيلية أن حماس قصفت اسرائيل اليوم بأكثر من 70 صاروخا. ومما يدعو للغرابة عدم قيام المذيع الميداني النشيط باجراء أي مقابلة مع فلسطيني أو التطرق للضحايا المدنيين ولا أحد يفهم سر وجوده هناك في الأصل.
أما القنوات الليبرالية بشكل عام مثل «سي ان ان» و»ام سي ان بي سي» «فهي تحاول بمكر تسريب الروايات الإسرائيلية باسلوب يخدع القارئ العادي وسط مزاعم بأنها متوازنة في التغطية ووفقا لما قالته الإعلامية الايطالية رولا جبريل، فان هذه القنوات «المعتدلة» أفردت مساحات زمنية واسعة لأكثر من 17 شخصا يروجون للمزاعم الإسرائيلية مقابل شخص واحد فقط يوضح الموقف الفلسطيني. فيما كشف المحلل الإعلامي بيري غراي ان الشبكات التلفزيونية الإخبارية أبعدت على الفور عدة مراسلين حاولوا القيام بتغطية معتدلة حول مناطق الدمار في غزة خشية إثارة مشاعر تعاطف مع الفلسطينيين. وقد عللت هذه القنوات قراراتها لمخاوف أمنية. ولكن غراي أكد ان الأسباب إدارية سياسية حيث لا تريد السلطات العليا في هذه القنوات نشر أي تقرير من شأنه عدم القاء اللوم على حماس في الصراع الدائر أو التشكيك في المواقف الإسرائيلية أو مواقف الإدارة الأمريكية.
وقال غراي أن هذه الحوادث تؤكد، أيضا، وجود رقابة ذاتية غير محايدة تمارسها وسائل الإعلام التي تمتلكها الشركات وهي لا تبذل أي عناء يذكر لكشف الأكاذيب الحكومية أو الرسمية بل تقوم بإزالة أي دليل يدل على تعاطف مع الفلسطينيين.
التغطية الأمريكية للعدوان الإسرائيلي على غزة كانت من جانب واحد وفقا للأصوات الإعلامية الأمريكية النادرة التي أنتقدت الإعلام الأمريكي. حيث يقول الإعلامي جيرمي سكاهيل:»عندما ننظر إلى ما يحدث الآن في غزة فاننا نشاهد مجزرة هائلة، جريمة حرب بعد جريمة حرب، والأطفال يتعرضون للقتل مما يضطر وكالات الأنباء للإعتراف بمقتل عائلات باكملها. ولكننا اذا نظرنا إلى الطريقة التي تؤطر فيها عمليات القصف فاننا سنلاحظ أنه يتم تناول الأزمة كأن اسرائيل وحماس هما قوتان عسكريتان تقفان على قدم المساواة تقاتلان بعضمها البعض. ولكن بالنظر إلى إمتلاك اسرائيل لنظام القبة الحديدية فان هذا الإفتراض غير صحيح إطلاقا».
ويضيف أن «اسرائيل دولة نووية لديها تاريخ من القتل المنهجي للفلسطينيين واستهداف المدنيين بدون تمييز. ولكنك اذا أستمعت لوسائل الاعلام الأمريكية فانك ستعتقد أن ما يحصل مجرد معركة بين قوتين عسكريتين». وتطرق سكاهيل إلى قضية مراسل «ان بي سي نيوز» أيمن محي الدين باعتباره من الأمثلة القليلة على مراسل صحافي يمكن ان يسلط الضوء على القضية بشكل متناسب، ولكنه عندما فعل ذلك تم سحبه بسرعة. مضيفا أنه تم إعطاء بنيامين نتنياهو والدعاية الإسرائيلية تفويضا مطلقا إلى حد كبير لقول ما يريدون على شاشات التلفزيون الأمريكية.

رائد صالحة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية