اشتعلت الصحف ووسائل الإعلام البريطانية خلال اليومين الماضيين بقضية تسريب بيان حزب العمال البريطاني للانتخابات المقبلة قبل إقراره من قبل قيادات الحزب، وكانت النبرة الطاغية في صحف «التابلويد» واليمين عموماً تحمل هجوما كاسحا على البيان وإبراز لطغيان الاتجاه اليساريّ فيه، مركزة على مسألة تأميم الشركات العامّة الكبرى في قطاع النقل والطاقة والبريد.
وكردّ على التأثير الممكن لوعود حزب العمال بدعم قطاعات السكن العامّ والجامعات والضمان الاجتماعي والشرطة والصحة، ركّزت الصحف على تكاليف تنفيذ هذه الخطط وقدّرتها بحدود 90 مليار جنيه.
الانطباع الأول الذي يخرج به المتابع لهذه الحادثة هو أن التسريب بحد ذاته كان إعلانا من داخل حزب العمال عن غضب كبير يعتمل داخل قياداته التي قام بعضها بهذه الفعلة، عمليّاً، لإثبات اختلافه مع قيادة جيرمي كوربين وأنصاره واتجاهه اليساريّ الصارم، على أمل ربّما، لإيقاف هذا الاتجاه داخل الحزب.
وإذا كان الأمر هكذا داخل الحزب نفسه فما بالك بخصومه الذين انقضّوا، عبر وسائل الإعلام، على المانيفستو الجديد مشبهين إيّاه بـ»البيان الشيوعي» الشهير الذي قام كارل ماركس وفردريك أنجلز قبل 170 عاما بكتابته في مكتبة في مدينة مانشستر التي انعقد مؤتمر حزب العمال الأخير في مكان قريب منها، وصدرت صحف عديدة أول أمس بصورة لكوربين يلبس فيها قبعة الزعيم الروسي فلاديمير إيليتش لينين وقد أحاط به لون الشيوعية الأحمر فيما قامت صحف أمس بالتركيز على صورة صحافيّ في «بي بي سي» مرّت سيّارة يقلّها كوربين على قدمه، معطوفة، في إحداها، على تعليق يقول إن خطط كوربين ستكلّف كل عائلة بريطانية 4 آلاف جنيه.
في حربها على زعيم حزب العمال استخدمت وسائل الإعلام البريطانية ثلاثة عناصر: الأول يخاطب اللاشعور من خلال مقارنة الصور والتعليقات ومفارقاتها، والثاني هو الكذب الصريح حول ما يتضمنه المانيفستو وحول عدد النوّاب الذين سينشقون عن قيادة كوربين، والثالث هو تفنيد ودحض آراء الحزب وتسخيف المانيفستو وما يتضمنه.
سيكون لهذه الجرعات الإعلامية تأثيرها الكبير على الناخب البريطاني فهي تضرب حزب العمال في كل الاتجاهات الممكنة بدءاً من استغلال المشاعر الإنسانية بتقديم إحدى الصحف، على سبيل المثال، تحقيقاً عن الانتخابات ولكنه يتحدث عن ألم تيريزا ماي من عدم إنجاب الأطفال في مقابل جيرمي كوربين الماركسي الذي دهس صحافيا.
استخدم الإعلام أيضاً القضايا الاقتصادية فمقابل حزب المحافظين الذي ركّز على الطبقات الوسطى التي تعبّر عن الاتجاه العام للمجتمع قدم كوربين، حسب الإعلام، برنامجاً شيوعيا، وإذا أضفنا إلى كل هذا استغلال غرائز الخوف من الفقر والأجانب والشيوعية، فإن المخاطبات العقلانية لصحف مثل «الغارديان» والتي قدّمت مقاربات عقلانية للبرنامج ستضيع أمام مدّ الغرائز والأكاذيب والمبالغات في صحف التابلويد ووسائل الإعلام المحافظة.
الحقيقة أن حزب العمال لم يكن مخيّراً في الاتجاه الذي اتجه إليه فالقضيتان الأساسيتان اللتان تشغلان المجتمع البريطاني حاليّاً هما الخروج من الاتحاد الأوروبي، وإيجاد حلول للمصاعب الاقتصادية التي ستنجم عن هذا الخروج، وبما أن الحزب لا يستطيع المزاودة في قضية الخروج من أوروبا فإن المجال الوحيد المتبقّي له للمنافسة هو الاقتصاد والخدمات العامة التي يمكن أن يقدمها للقطاعات العريضة في المجتمع، وإذا كانت المنافسات تأخذ طابعاً شعبويّا فلماذا لا يجرّب حزب العمّال حظوظه وطروحاته الجريئة والتي تبدو نقيضاً متكاملاً لطروحات المحافظين؟
الملاحظة الوحيدة التي يمكن أن نقولها إن الحزبين الرئيسيين يعودان، كل بطريقته الخاصة، إلى الماضي، فالمحافظون يريدون إعادة بريطانيا إلى ما قبل التحاقها بالاتحاد الأوروبي، والعماليون يطرحون وصفات قديمة، ثبت فشلها، لمشاكل حديثة ومعقدة.
يبقى القول إن فشل اليسار في الانتخابات، وهو المرجّح، لن يكون فقط بتأثير الحرب الإعلامية الضارية ضدّه، بل لكونه يتطلّع إلى الماضي بدل المستقبل.
ما يتطلّع إليه اليسار إذن هو نوع من المعجزة وعدم تحقّقها قد يفتح الباب لانفراط اليسار البريطاني كما حصل مع اليسار الفرنسي مؤخّراً، وهو أمر سيضع أنصار هذا التيّار أمام مفترق تاريخي كبير.
رأي القدس