الإعلام الليبي: صعوبات وتحديات وفوضى عارمة

حجم الخط
2

تونس ـ «القدس العربي»: أثرت الحرب الأهلية في ليبيا على جميع القطاعات الحيوية في ظل غياب الدولة وسيطرة الميليشيات على القرار. بل أن مفهوم الدولة أفرغ من معناه مع عدم وجود سلطة سياسية موحدة تتحدث بإسم جميع الليبيين وعن قرار ليبي بكل ما للكلمة من معنى في ظل تشتت السلطة بين حكومة الصخيرات وجماعة فجر ليبيا والمؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته في الغرب وبرلمان طبرق في الشرق المدعوم من خليفة حفتر إضافة إلى القبائل التي ما زالت تتمتع بنفوذ واسع في بعض المناطق.
ويأتي الإعلام في طليعة القطاعات المتضررة من حالة الفوضى تلك، باعتبار قربه الطبيعي من دوائر القرار في عملية بحثه عن المعلومة من مصدرها، وبإعتــبار الرغبة الفطرية للسياسيين في الهيمنة على الإعلام الذي يمثل في النهاية الوسيلة المثلى للوصول إلى الجماهير لإبلاغ الرأي وإيصال المعلومة.

حرب إعلامية

وفي هذا الإطار اعتبر طارق عبد السلام الكاتب الصحافي الليبي والرئيس السابق للتلفزيون والراديو الليبيين ورئيس التحرير الحالي لوكالة «الغيمة الليبية للأخبار» في حديثه لـ «القدس العربي» أن هناك تحديات كبيرة تواجه الصحافيين الليبيين، وهو ما يؤكده وضع ليبيا في ذيل القائمة المتعلقة بوضع الصحافيين في العالم التي أعدتها «مراسلون بلا حدود» فالصحافة الليبية تعيش اليوم أسوأ أيامها حسب محدثنا.
وهو يؤكد على أن الإعلام في بلاده يعيش صعوبات جمة لعل أهمها غياب الأمن وعدم توفير الحماية للإعلاميين المهددين في حياتهم بسبب مواقفهم من الصراع الأهلي الذي تشهده ليبيا. كما أن الإنقسام السياسي انعكس، بحسب عبد السلام، على الساحة لدرجة ان وسائل الإعلام أصبحت طرفا في الصراع الليبي وتخندقت مع طرف ما ضد آخر. فنشأت ساحات قتال في مختلف المنابر وشهدنا مجازر إعلامية ترتكب في ليبيا، بحسب تعبير الإعلامي، الذي أكد أيضا على أن بعض القنوات الليبية باتت أدوات للإنتقام في هذه المعركة، فبعضها يحرض وبشكل واضح على الإبادة الجماعية لبعض الشرائح أو الفئات وأحيانا المدن.
غياب المؤسسات

ويضيف محدثنا: «لا بد أن نتفق أولا على تعريف الإعلامي لأنه بعد 2011 صارت هناك فوضى في المشهد الإعلامي في ليبيا واختلط الحابل بالنابل. فهناك نشطاء ومدونون صاروا يتكلمون بصفة الإعلامي أو الصحافي. ومطالباتنا اليوم كثيرة وهي في الأساس مطالب حقوقية، فنحن إلى الآن لا نمتلك نقابات ولا أطر تحمي حقوقنا والقطاع الإعلامي لم ينظم قبل سنة 2011 ولا بعدها».
ويختم بالقول: «في السابق كان هناك بعض التحايل القانوني الذي يقوم به النظام السابق، عن نفسي كنت أقف أمام السلطات المكلفة بمكافحة المخدرات حيث تلفق لي تهم جرائم الحق العام بسبب مقالاتي، لكن اليوم صرت اشتهي الوقوف أمام هذه السلطة الجائرة، لأن التحقيق مع الصحافي يتم الآن من قبل أشخاص حاملين للسلاح ومن الميليشيات التي ليست لها أي صفة».

الإعلام مغامرة

أما الإعلامي والكاتب الصحافي الليبي عصام زبير فيرى في حديثه لـ «القدس العربي» أن الإعلام في ليبيا يعتبر مغامرة بكل ما للكلمة من معنى في ظل انتشار السلاح وعدم اهتمام المسؤولين بالشأن الإعلامي وبالتعامل معه. فقد أضحى الإعلام، في وضع جعل البعض يبتعد عنه خوفا على نفسه وعلى أسرته، فقد تعرضت العديد من الوسائل الإعلامية للانتهاكات والاقتحامات وتعرض عدد من الإعلاميين إلى القتل والخطف وغيره من الانتهاكات. فابتعد العديد عن العمل خاصة في ظل وجود تيارات سياسية تحاول السيطرة على الإعلام وتوجيهه ما خلق تجاذبات أضحى الإعلام طرفا قويا فيها.
كما يرى محدثنا أن أغلب المسؤولين لا يريدون محاربة الفساد وتكريس حرية التعبير مما خلق سدا في التواصل بين وسائل الإعلام والأطراف الأخرى في البحث عن الحقيقة والمصداقية في ظل عدم إبراز الملفات والوثائق ومنع الوصول إلى موقع الحدث وتطويق المكان بالكتائب المسلحة التي تأتمر بأمر القادة السياسيين، والتي تحاول ان تجعل نفسها رسمية وتحت غطاء الدولة.

بث من خارج ليبيا

ويضيف: «في ظل عدم احترام حق الاختلاف والالتزام بحقوق المهنة، يحارب بعض الصحافيين ويتم وصفهم بنعوت سياسية من أجل القضاء على ظهورهم في المشهد. كما ان الإعلام من جهته أضحى في ليبيا يتعرض حتى للحرية الشخصية لبعض الأفراد وهو ما ساهم في انتشار ظاهرة التشويه وتزييف الحقائق دون أن يجد هؤلاء رادعا. فعدم تأمين السلطات لحرية العمل الصحافي وحرية الرأي والتعبير تؤكده تقارير المنظمات الدولية التي تضع ليبيا في مرتبة متأخرة جدا».
ويضيف: «لذا ترى خروج أغلب القنوات للبث خارج البلاد نتيجة الاعتداءات، وهو ما يجعلها تعمل في الخارج بحرية وبعيدة عن القانون الليبي، وأحيانا وفق تجاذبات سياسية ليست من أجل الوطن بل من أجل أشخاص أو تيار سياسي مما يؤجج الموقف أكثر ويصاعد العداء على الإعلاميين في الداخل. يضاف إلى ذلك دخول العديد من الذين لا يعون المهنية ولا شرف المهنة مما جعل البعض يتحمس وأحيانا ينشر خطابات كراهية وتحريض على العنف على أساس أنها من الوطنية».
وعن سؤال «القدس العربي» عن إمكانية إصلاح الإعلام في ليبيا في الوقت الحاضر أجاب الزبير قائلا: «لا يمكن القيام بذلك الآن في ظل الفرقة والتشظي، وجب أولا تركيز السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية حتى يتم تحقيق دولة القانون، وبالتالي لا يتخطى كل فرد المسؤولية القانونية. فيتم إقرار التشريعات التي تقضي بأن لا يتم دخول الصحافة لغير أهل القطاع، ولا يتم أيضا الترويج للأخبار الزائفة ولا لخطاب الكراهية والحقد. وتبقى بعض الأشياء يتم الجلوس عليها من قبل الإعلاميين لترسيم إعلام جديد يمتهن العمل ويحترم وجهات النظر والاختلاف وفق حقوق الإنسان والتعبير».

صعوبات الجنوب

ويعتبر الإعلامي الليبي علي الشريف أوباري أن من أبرز التحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في الجنوب هي هشاشة البنية التحتية لهذا القطاع. حيث تفتقر المؤسسات والصحافيين العاملين فيها إلى الموارد المعرفية والإمكانيات اللوجستية التي تؤهل العاملين في مجال صناعة المحتوى الإعلامي إلى التخطيط الجيد وصولاً لإنتاج محتوى إعلامي يلبي تطلعات المواطن في المنطقة بشكل مهني وفق طرح موضوعي ينسجم مع مسؤوليات مهنة الإعلام.
كما يعتبر ان واقع المشهد الإعلامي في منطقة الجنوب يتسم بضبابية الطرح، وكذلك عدم التواصل والتنسيق فيما بين الصحافيين انفسهم من مختلف المناطق، وعدم وضوح الرؤية الإعلامية بسبب مؤسسات إعلامية تتجاذبها تيارات سياسية مختلفة لا تعطي للمشهد في الجنوب إلا جزءا من هامش جدول أجندتها، وتستثمر طاقة الصحافيين من مختلف مناطق الجنوب لما يلبي خطها التحريري، ورؤية المشرفين على هذه المؤسسات.

حقل ألغام

ويضيف الشريف: «كما ان أبرز المسؤوليات التي تقع على عاتق الصحافيين هي حماية السلم الأهلي والاجتماعي والمحافظة عليه – وهذا ما لا نجده واضحاً – وكثيرا ما نجد عكس هذه المسؤولية منهجاً لكثير من العاملين في الحـــقـــل الإعــلامي، سواء كان ذلك بشــكل عفــوي أو ممنــهج أو كـــان تماشياً مع التوجه العام للبيئة المحيطة بالصحافي».
ويختم: «العمل الإعلامي في ليبيا عامة والجنوب خاصة أصبح حقل ألغام تتزايد فيه نسبة المخاطر التي تهدد مهنة المتاعب وتعدت المخاطر فرض القيود على حرية الصحافة ومنع الصحافيين من أداء مهامم وكذلك التنكر لحق الحصول على المعلومة من قبل كثير من المسؤولين، إلى تهديد السلامة الشخصية للصحافيين أنفسهم. لقد أصبح الصحافي في الجنوب الليبي أمام فوهة مدافع المجموعات القبلية المختلفة وكذلك القوى السياسية المتنفذة التي لا تعترف إلا بمن يقف في صف توجهاتها وأفكارها».

الإعلام الليبي: صعوبات وتحديات وفوضى عارمة

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية