تزايد في الشهور الأخيرة الإقبال الذي تشهده فرنسا، بدرجة عالية في الأصل منذ أعوام، على المؤلفات التي تعنى بالإسلام وبالحركات الإسلامية أو الحركات المصنفة على أنها كذلك. فقد صار الكتاب والأكاديميون المتخصصون في الدراسات العربية والإسلامية بأوسع معانيها، من أمثال جان بيار فيليو وجيل كيبيل، من الأسماء المعروفة لدى الجمهور العريض.
وبما أن جيل كيبل غزير الإنتاج، فقد أصدر قبل أيام، مع باحث الاجتماع أنطوان جاردان، كتابا يتناول ظاهرة التطرف في بلاده بعنوان «رعب في فرنسا: نشأة الجهاد الفرنسي». وكان قد أصدر عام 2012 كتابا عن الانتفاضات الشعبية في بلداننا بعنوان «المحنة العربية»، كما نشر عام 2004 كتابا بعنوان «فتنة: الحرب في صلب الإسلام». أما شهرته فقد انطلقت عام 1987 بنشر دراسة حول تنامي التديّن في أوساط أبناء المهاجرين المسلمين بعنوان «ضواحي الإسلام: مولد ديانة في فرنسا».
أما جان بيار فيليو، الذي لقي كتابه الجديد “العرب مصيرهم ومصيرنا: قصة تحرر»إقبالا بالغا، فقد سبق له أن أصدر عدة كتب قيّمة من بينها “التاريخ الحقيقي للقاعدة» عام 2011، و»تاريخ غزة» عام 2012 و»ربيع العرب» عام 2013. أما العام الماضي فقد أصدر مع الرسام سيريل بوميس رواية تاريخية مصورة من وحي الثورة السورية بعنوان «السيدة من دمشق».
ولعل مما يسهل ذيوع صيت أمثال هؤلاء المثقفين، علاوة على تعطش الجمهور للمعرفة بدافع من المخاطر السياسية الداهمة والمخاوف الأمنية الدائمة، أنه كثيرا ما تتم استضافتهم في الإذاعات والتلفزيونات للتعليق على الأحداث وإلقاء الأضواء على ما يتصل بها من مسائل تهم التاريخ الإسلامي القديم منه والمعاصر. ولا شك أن هذا الاتصال الوثيق بين الإعلام والصحافة وبين الأكاديميا والثقافة هو من أميز مميزات الإعلام الفرنسي، حيث أنك لا تكاد تظفر من هذا الاتصال، الذي يحلو لنا أن نأخذه مأخذ الانحياز الإعلامي للفكر والمعرفة، بما يدانيه مجرد المداناة في السائد من الإعلام البريطاني على سبيل المثال. ولهذا فقد دأبنا في هذه الزاوية، المحدودة بحدود التعليق الصحافي الوجيز، على متابعة ما تنتجه الثقافة الفرنسية من جديد التحقيقات المتعلقة بالإسلام.
ورغم أن الأمر بديهي لا يحتاج إلى بيان، فإننا نحرص في كل مرة تقريبا على التذكير بأن الآراء المعروضة هي آراء جيل جديد من المستشرقين، أي آراء باحثين لا يدينون بالإسلام بل إن أكثرهم لا يدين بأي دين ولا يؤمن بالغيب لأنهم ينتمون إلى الثقافة اللا-إيمانية، أو الإلحادية، التي صارت غالبة على الحضارة الغربية المعاصرة. وإنما الغاية من عرض هذه الآراء هو أن نكون على علم بأحدث ما تنتجه الثقافات الأخرى من أبحاث حول ديننا، وذلك أضعف الإيمان!، خصوصا أن هذه الأبحاث غير منقطعة الصلة بدوائر القرار السياسي. تلك هي الغاية الأولى.
أما الغاية الثانية، فهي أننا نرى أن من اللزام علينا، نحن مسلمي هذا الزمان الذي تتلاطم فيه أمواج المعارف، أن نكون قادرين على مواجهة التحدي المتزايد الذي ما تنفك العلوم الإنسانية توجهه إلى الضمير الإيماني. لماذا؟ لأنه لا خطر على الإيمان من العلوم الطبيعية، بل العكس هو الصحيح: كلما تقدمت العلوم الطبيعية كلما عززت بالأدلة المتكاثرة حقيقة أن هذا الكون البديع لا يمكن أن يكون إلا من خلق الله تعالى وأن كل شيء فيه مقدّر بالحكمة الإلهية تقديرا.
أما العلوم الإنسانية فإنها تحفر حفريات تؤدي في كثير من الحالات، ودون قصد بالضرورة، إلى مساءلة أساسيات العقيدة التوحيدية عموما والإسلامية خصوصا.
ولهذا فقد صار لزاما على المسلم أن يواجه هذا التحدي مواجهة مسلحة بالمعرفة وليس بمجرد العاطفة. ولكن رغم حرصنا في كل مرة تقريبا على التنبيه إلى أن الباحثين الغربيين المعاصرين لا يستطيعون الأخذ إلا بالمنهج التفكيكي التشكيكي، الذي أنتجته حضارة نزعت القداسة عن كل شىء، فإن من التعليقات ما يوحي بأن بعض القراء الكرام يختلط عليه الأمر فيظن أن الآراء الاستشراقية المعروضة هي آراء كاتب هذه السطور! وإنما الواقع بكل بساطة هو أن إيماننا بأن القرآن الكريم هو كلام الله المنزّل، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هو الذي يوجب أن نكون على اطلاع على ما يصدر بشأنه من أبحاث جديدة حتى لو كان بعضها صادما. ذلك أن هذه الأبحاث هي التي تشكّل فهم الرأي العام الغربي لدين الإسلام، في ظل غياب شبه تام، حتى الآن، لدراسات إيمانية باللغات العالمية ترفد علوم القرآن بمنطق العلوم الإنسانية الحديثة.
٭ كاتب من تونس
مالك التريكي