الإعلام هو الحل…

طالت رغبتي في الكتابة في الموضوع، ومعها في الزج بالمفارقة زجا، يقينا مني بأن هذا العنوان سيكون مثار تساؤل في أكثر الاحتمالات، وربما محل جدل في بعضها. فصورة الإعلام الراهنة تنقض فكرة أن يكون الإعلام حلا، وطالما مفردات مثل التحيز والتوجيه أكثر التصاقا بصورة الإعلام إلى حد بعيد، فلا يزن ربطها بالمنافع الكثير مقابل ربطها بالأضرار، لكن هذا الكلام، والخطاب المنتشر المنسوج على هذا المنوال، صحيح إن حصرناه في حدود العامل الذي حددنا به، المقاربة الجماعية للظاهرة الإعلامية، وأعني بذلك الصورة. فالصورة انعكاس وتمثّل، ملامح ومعالم، وبعبارة أدق، عرض وليس جوهرا. لكن في الإعلام، الجوهر هو الأداة، لا الصورة… وموضوع الحديث، إنما هو الجوهر وليس العرض. قد يعترض معترض مدّعيا أن من الصعب اعتبار الصورة أمرا عرضيا لمركزيتها في العمل الإعلامي الذي ينقل رسالته من بؤرة تنتج الصورة، أكانت رؤية أو تصوّرا. لكن حتى لو سلمنا بمركزية الصورة في مجال الإعلام فإننا نجانب عمق المسألة إذا أغفلنا أن الأداة ليست هي الصورة، إنما مصدر الصورة والتصور الذي تطلقهما المادة الصحافية.
توجب إلقاء السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح حينئذ وهو أين الإعلام الذي يصل المتلقي من الإعلام كأداة؟ ولعل عنصرا أساسيا يرجّح له أن يمدّ لنا يد العون في هذه المقاربة، الدلالة المزدوجة التي تحملها كلمة «قناة». فالقناة تدل على مظهر، ولكنها تدل أيضا على ما وراء المظهر. تدل على المظهر لأن القناة في مخيالنا «صندوق صور» يكيف ارتباطنا بالمجتمع إلى حد بعيد وينحت نظرتنا إليه… القناة تنقل صورا وتصويرا يتقاطعان مع تصورات.. لكن القناة غير ذلك أيضا، القناة تصريف وتوزيع مثلما تدل عليه أصلا، فكما تصرف القناة الصور، إنما تصرف المياه. وهنا بيت القصيد، فإذا كانت القناة أداة نقل وتوزيع، وإذا كان الإعلام يحتمل معنى القناة بوصفها «صندوق الصور»، فالعبرة بالتفكير في تلازم العلاقة بين المعنيين، أي بين الشكل والمضمون.. فلا نقد بنّاء للعمل الإعلامي بدون الرجوع إلى الأصل، والأصل الشكل، أي هذه الطاقة الخارقة التي توفرها وسائل الإعلام عبر تطورها التقني ورافدها الأساسي ثقافة العولمة التي تتطلب مضاهاة تترجم بزيادة اختراع على اختراع. ولا مراجعة بنّاءة للأداء الإعلامي بدون جرأة طرح سؤال بسيط يعكسه مثال لا يقل عنه بساطة.
ماذا نصنع بهذا التطور التقني وبأي اتجاه ندفع به؟ هل نتقاذفه مثل كرة نسدد بها أهدافا في أكثر من مرمى فنعرض ما نعرض مهتمين أكثر بفوز منافسة الفرجة من لعب المقابلة بروح رياضية؟ أم هل نسدد «ضرباتنا» باتزان يدع المرء في واقع لم ينحت له مسبقا على أساس اتجاه رياح تشتهيها سفن التمويل؟ أم هل نضطر إلى الجمع بين هذين المتناقضين؟ أم نسلك «طريقا ثالثة» فنطلق في حق إعلامنا لازمة كبير الباكين على الأطلال، امرئ القيس: «لا تهلك أسى فتجمليّ…». تجملّي، أيتها المادة الإعلامية الموضوعية، المتجمعة من أكثر من مصدر، المتنقلة بين الرأي والرأي الآخر، تجملّي حتى تتلقفك قنوات، صورة، فتجعلك رياحا تدفع السفن إلى حيث تشتهي وأيضا إلى حيث لا تشتهي…
نعم الإعلام هو الحل، حل للتثقيف والتفتح والتنوير، ولكن على شرط أن ندرك حجم مسؤوليتنا نحن الإعلاميين، من يملكون القدرة على مضاهاة صناع القرار لأننا نصنع الرأي. الإعلام، بوصفه قناة لبث المعلومات وجهاز لإيصالها إلى الجماهير، نعمة، نعمة حقيقية، ولكنه قد يصبح نقمة إذا أخذ الترويج محل الإطلاع، والترهيب مكان الترغيب.

٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

بيار لوي ريمون

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية