تتعدد مفاهيم الشرف في حيوات الناس والمجتمعات والشعوب وفقا للبنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافة والدين، ما بين الشرف الاجتماعي والسياسي والوطني.
ويعتبر الشرف من القيم العليا في ثقافات شعوب الأرض، كل حسب موروثه الثقافي والديني بداية، وصولا إلى علاقاتها بالتاريخ وانتماءاتها للجغرافيا كمكونات أساسية لمجموع القيم التي شكلتها منذ نشأتها. وتدافع الجماعات الإنسانية بطبيعتها عن موروثها التاريخي والثقافي وعن صورتها الأخلاقية ومعناها القيمي في مخيلة الجماعات الأخرى، خاصة في المنطقة العربية التي يعتبر أهلها من أشد شعوب الأرض ارتباطا بالجغرافيا التي مزقتها الحروب والاستعمار على مدار التاريخ.
وقد استخدمت النخب السياسية والاجتماعية والدينية منذ تكوّنها الإعلام بكافة أشكاله، من سرد القصص إلى نقل الأخبار في المجالس مرورا باستخدام الإشاعة ونشر أخبار الترهيب، من أجل تحقيق أهداف ذاتية، محورها تثبيت دعائم حكمها وبناء سمعة جيدة، أو لتبرير تجاوزاتها وانتهاكاتها للأعراف السائدة، وأهداف خارجية قوامها غالبا تحسين صورة الجماعة، أو بث الرعب خلال الحرب أو ايصال الرسائل المختلفة حسب الظروف. فمنذ الأزل كان الرأي العام يعتبر القوة الخفية التي تستند إليها النخب في أوقات السلم والحرب معا، وكان يستخدم أدوات بسيطة تعتمد في مجملها على العلاقات الفردية من مبدأ الثقة. وبنظرة بسيطة لن ترى فارقا بين ماكينات الإعلام بين اليوم والأمس سوى في الأدوات، فمن الحمام الزاجل وحتى تويتر، ومن العيارين، وهم محترفون في التخفي كانت ترسلهم الجيوش لدراسة قدرات العدو من الداخل، وصولا إلى كل أدوات الرصد والاستطلاع الإعلامي في مقرات أمن الدول، يظل الإعلام واحدا من أشد الأسلحة فتكا بشعوب الأرض. فها هو يغطي جرائم دمرت ثقافات واقتصادات، وتسببت في حروب في شتى بقاع الأرض باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، فيبرر لها جرائمها ويعمل على إنتاج ثقافة الإيمان بذلك كله كجزء محتوم من أقدار تلك الشعوب.
وفي ما يبرر الإعلام حرمان بعض الشعوب من حقها في المياه أو التعليم أو في الحياة الكريمة بذريعة محاربة الديكتاتوريات، فإنه في المقابل يتبنى دعم سياسيين وقوى ذات مصالح خاصة من أجل جني ثمار سياسية أو اقتصادية عوائدها لارتباطات أصحاب الإعلام ممن شاركوا في صناعة النخب الحاكمة. ولذلك ترى السياسيين على امتداد الجغرافيا العربية يتسابقون إلى سن قوانين تجرّم القتل على خلفية الشّرف مثلا. وعلى الرغم من اختلاف أهدافهم غير المعلنة، إلا أن الأسباب الواضحة تنحصر في الضغوط التي تمارسها المؤسسات الدولية ومنظمات حقوق الانسان والمجتمع المدني التي تجتاح المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج، بذريعة نشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، في ظل الأنظمة الديكتاتورية، أو لمحاربة الطائفية الدينية والسياسية التي تغلغلت في كل حي عربي بسبب التعصب السياسي والديني الأعمى. وقد بنت هذه الجماعات السياسية والمنظمات الدولية صروحا إعلامية، كل حسب حاجتها من أجل التبشير لها وتثبيت روايتها والدفاع عنها، وشن حروب إعلامية ضد المعارضة في حالة السياسيين، وضد مقاومي «التغيير» من ناحية مؤسسات المجتمع المدني، وغيّبَت عن قصد دور الأصوات المعتدلة، والأخرى المتشبثة بالأصول الثقافية والاجتماعية، مستخدمة كل استراتيجية إعلامية ممكنة بغض النظر عن مستوياتها الأخلاقية.
فبدأت هذه المنظمات في إحلال ثقافات جديدة في الوعي الجمعي لمواطني الدول المستهدَفة مكان ثقافتهم الأصيلة التي باتت حديث الإعلام في الشرق والغرب على أنها ثقافة عنف وقتل وجنس. وصار ممثلو هذه المنظمات يتحدثون باسم شعوب المنطقة في المحافل الدولية، ويشاركون في صياغة قرارات تخص أصحاب البلاد، من دون أدنى دور لحكوماتها أو شعوبها حينا، وبموافقة مرجعيات سياسية تمت صناعتها أو شراؤها تحت قباب برلمانات تلك الدول، أو في مراكز صناعة القرار أحيانا أخرى. لقد نسي العالم حين أنتجت ماكيناته الإعلامية ومطابخه السياسية ومراكز تحليله مصطلح الإرهاب، نسي أن يضيف إلى قائمته حرية التعبير. فحين صنف الإرهاب على أنه «أي عمل يهدف إلى ترويع فرد أو جماعة أو دولة بغية تحقيق أهداف لا تجيزها القوانين المحلية أو الدولية»، نظر إلى أعمال القتل والتدمير باسم جماعات متطرفة، غاضا البصر عن عمليات قتل حرية التعبير والاغتيالات المهنية والجسدية بحق الصحافيين. وقد مسح «الربيع العربي»، إن صح التعبير، الغبار عن العيون في ما يتعلق بحرية الإعلام والتعبير، فله الفضل في اكتظاظ السجون بالإعلاميين والكتاب وقيادات الرأي العام، وحتى المشتكين من صعوبة الحياة على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي حملات التشويه التي طالت إعلاميين دمرت مسيرتهم المهنية، أو طردوا من وظائفهم أو بلادهم بسبب تغطيتهم لفظائع ديكتاتوريات المنطقة.
الترهيب يعني التخويف، وما تمارسه أنظمة البشاعة والقتل والاستحواذ، من اغتيالات سياسية، وتدمير لمسيرة وسمعة صحافيين وكتاب وممثلين ومطربين وقيادات رأي عام لمجرد أنهم خالفوها الرأي، لهو من صميم الإرهاب بأبشع صوره، وهذه مطالبة للقائمين على منح الأوسمة وتعليق المشانق بوجوب إدراج هذه الأعمال ضمن قوائم الإرهاب، كي تنتفض الدول التي حصدت براءة اختراعه من أجل أبسط الحريات، وهي حرية التعبير.
تطول قائمة الاغتيالات السياسية والإعلامية على امتداد الجغرافيا العربية خاصة، والعالم عموما، بالقتل أو السجن أو التشويه أو الإسكات وغيرها من الأساليب القذرة. وغالبا ما تكون الأهداف في الطرف المقابل للنخب الحاكمة، التي تستخدم الإعلام من أجل التشويه وكيل الاتهامات لسياسيين وإعلاميين قدموا لأوطانهم، على اختلاف اتجاهاتهم السياسية، الكثير من علم وبناء وعي أضعاف ما قدمته النخب. فيما كانت أجهزة الإعلام البوليسية تبث سمومها في أدمغة العامة مبررة هذه الجرائم باسم الوطن والدين والأمن القومي حينا، ومهاجمة قتلاها بالتكفير والخيانة والأجندات الخارجية أحيانا أخرى، لنكتشف بعد لحظات أنها تقرع الكؤوس على طاولات أعداء شعوبها، وأنها تتعلم قواعد اللغة العربية في مقراتهم الاستخبارية.
ما بين الاغتيالات السياسية والتشويه وغيرهما، وصولا إلى الاغتيالات الجسدية، تمددت خوارزميات المنهارين من شدة الرعب على مصائرهم، فقامت أنظمة بعينها، التي لا تخفى على أحد، بإعدام الحياة المهنية لصحافيين عبر منابر التشويه التي قامت بصناعتها في أروقة الأمن، وأناطت بها دور التشويه ضد كل من يمكن أن يؤثر في قرارات شعوبها من فنانين وكتاب ورجال دين، وبالمقابل قامت بإعداد كوادر خاصة بها في كل تلك الحقول المؤثرة في الرأي العام، لتتسلط على تلك الأطراف المؤثرة بحملات إعلامية ممنهجة بالتزامن مع تسليط الأضواء على نجاحات وهمية لتلك النخب. فكان نتاج ديكتاتورياتها أن بشرا حاولوا إحراق أنفسهم من شدة القهر والجوع، منهم من نجح ومنهم من نجى، أو حاولوا الانتحار بالقفز من أماكن شاهقة في الساحات العامة. فيما الإعلام يمارس رذيلته بالصمت أو بتحويل الأنظار أو بالتبرير أو بلوم الضحية على مكان سقوطها.
ليست هذه خاطرة أو حلما عابرا، بل إنها وجع مقيم قديم قدم حكومات الاستبداد التي استعبدت شعوبا عاشت تاريخا طويلا بكرامة وحرية مكنتها من نشر ثقافتها ولغتها ودينها في شتى أصقاع الأرض، إلى أن جاء وقت أعدمت فيه كرامة تلك الشعوب وصلبت حرياتهم بأيد عربية، تشربت ثقافة الديمقراطية غربا، ومن ثم أعلنتها ديكتاتوريات شرقا، وكأن الشرق شيء فائض عن الحاجة لم يكن من بد إلا أن يهان. إن من يسنون قوانين تجريم وتحريم القتل على خلفية الشرف، غالبا، لهم الأقل شرفا في أعين شعوبهم، وأقصد هنا الشرف السياسي، لا الشرف الذي تفرضه العادات والتقاليد، ففي هذا خالفوا شرع الله الذي قال إن قتل نفس بغير حق بمثابة قتل الناس جميعا، وفي ذلك خالفوا كل الشرائع، من الدين إلى الأخلاق إلى السياسة وصولا إلى الإنسانية، فقتلوا شعوبهم وأحلّوا دماءها للغرباء، بعدما استحلوها تحت بساطير جنودهم وعلى جدران زنازينهم.
٭ كاتب فلسطيني
حسان عواد