الإعلام والهجرة إلى العصر الرقمي: تنافس غير بريء لكسب جمهور جديد

حجم الخط
0

تميّز هذا العصر باجتياح الثّورة الرّقميّة التكنولوجيّة لمجالات الحياة المتعدّدة، خاصّة المؤسّسات الإعلاميّة، التي وجدت في هذه الثّورة ملاذا مساعدا لها في ترويج صورتها أمام متلقيها، بل المنقذة للمتعثّر منها، لذا وجد المؤلفان حارث عبود ومزهر العاني في هذا الموضوع منطلقا لهما لتسليط الضوء على أثر الهجرة الرقمية على وسائل الإعلام.
فقد حاول المؤلفان في الفصل الأول تحديد كيفية تعامل المجتمعات مع تكنولوجيا الاتصال وولوج غياهبها، التي انقسمت إلى رافضة، أو مهاجرة إليها بكل وعيها، من دون أن تنسلخ عن وعيها التقليدي، أو مهاجرة بكامل وعيها، ومحققة متطلبات هذه الهجرة للوصول إلى حالة الاندماج، غير آبهة بالنظر إلى الخلف وجاعلة من التكنولوجيا مكونا أساسيا من مكونات بيئتها الجديدة. ولأن الإعلام منتج من منتجات عملية الاتصال فقد ركّز المؤلفان في الفصل الأول على عرض كيفية التطور التاريخي والتقني لوسائل الاتصال.
ثم عرض المؤلفان في الفصل الثاني الواقع الاتصالي بعد بعد ظهور الإنترنت وتأثيره البالغ في تقدم وسائل الاتصال وتطورها، وعملا- أيضا- على تحديد آليات التحول نحو عالم المعلوماتية وأهمية تضمينها في المناهج الدراسية، وربطها بالجوانب التطبيقية في الحياتين العامة والخاصة للأفراد، وضرورة تحديثها على الدوام.
وأبرز المؤلفان في الفصل ذاته تفاعل التكنولوجيات في ما بينها من جهة، وتفاعل الجمهور معها من جهة أخرى، الذي أصبح عنصرا محركا وفاعلا بعد أن كان مستقبلا وحسب. وتطرقا لخصائص الإعلام الجديد المتسم بالسرعة والشمول والجودة والتأثير والتحكم والتفاعل والتنوع والتكامل والعالمية والمرونة والتزامن والشيوع والتخزين والتنافذ – أي التآزر بين وسائل الاتصال- مما يؤمّن دعم خصائص كل منها للأخرى، وأصبحت سمة مميزة لوسائل الاتصال في ظل التكنولوجيا الجديدة، فالحاسوب يدعم إنتاج الصحيفة الإلكترونية، والقمر الاصطناعي يدعم جودة الصوت والصورة المتداولة عبر الإنترنت، والهاتف استفاد – أيضا – من تطبيقات الحاسوب والإنترنت والكاميرا. وأظهر المؤلفان مظاهر مصاحبة للإعلام الجديد كظهور قوى إعلامية متميزة بقدرتها على النفاذ، رغم قلة تمويلها، مع ارتفاع سقف الحرية وإعلام الجمهور للجمهور، ونمو أثرهم في صنع اهتمامات الإعلام وتوجيهها.
وتعرّض المؤلفان في الفصل الثالث لأدوات الإعلام الإلكتروني الرقمي، الموزعة على المجالات الآتية: النشر الإلكتروني والصحف والمنتديات والمدونات، ومواقع المواد المرئية والمسموعة والمواقع الإعلانية، والبث عبر الهاتف المحمول والمواقع الشخصية والمجموعات البريدية والأرشيف، وغرف الحوارات ووكالات الأنباء ودور النشر.
وحاول المؤلفان في الفصل الرابع الاقتراب من آليات عمل الحاسوب والإنترنت والمحركات الأكثر أهمية والمنظمة لعملهما، والمواقع الأكثر استحواذا على اهتمامات مستخدمي شبكة الإنترنت، كلّ ذلك من أجل فهم آليات عملها المؤثرة بصورة مباشرة في الواقع الاتصالي. وركز المؤلفان على وسائل الاتصال الاجتماعي كونها تمنح المتعامل معها القدرة التشاركية الواسعة معلوماتيا، وتداولها بين الجمهور لتأمين التفاعل السريع بين أطرافه، التي أصبحت مكونا أساسيا في حياة الأفراد مثل، الفيسبوك واليوتيوب وتويتر. وأظهر المؤلفان الطبيعة المركبة والمعقدة والمتشعبة والاتساع للفضاءات الإعلامية الجديدة، التي تضم في ثناياها وسائل اتصال مختلفة، لكنها تمتاز بالتفاعل وسعة الانتشار، وجمهورها المتعدد الشرائح والفئات والطوائف والأديان والقوميات والأعمار والاتجاهات ومن مختلف المجتمعات.
وعمد الفصل الخامس إلى إبراز أثر الحاسوب والإنترنت على وسائل الاتصال السمعية والمرئية، من تلفزيون وإذاعة وهاتف، وآلية التحاقها بدروب الهجرة – الانتقال- إلى العالم الرقمي، كون الإنترنت والحاسوب أنقذا وسائل الاتصال سالفة الذكر من المصاعب في مواجهة المخترعات الحديثة، ورغم ذلك فقد استطاعت هذه الوسائل توظيف التكنولوجيا الحديثة لصالحها، متدرجة في الهجرة إلى العصر الرقمي، ومستفيدة من المزايا التي وفّرتها أجهزة الحاسوب وشبكات الإنترنت.
وعن كيفية استفادة وسائل الإعلام من التكنولوجيا الرقمية فقد استعادت الإذاعة وهجها بعد سيطرة التلفاز، فظهور راديو الإنترنت المتميّز ببثه الذي يغطي أنحاء العالم بأسره، وإزاحة سيطرة الحكومات على الإذاعات، مما أوجد إذاعات خاصة، ومستمعا إيجابيا بعد أن عاش سلبيا دهورا عديدة. كل ذلك زاد من شعبيتها واستمالتها لفئات المجتمع المختلفة، ومنح شركات الإعلان مساحات واسعة للاستثمار في راديو الإنترنت.
واستفاد التلفزيون من التكنولوجيا الرقمية عن طريق تحسين أدائه في تطوير صناعة شاشاته، مما أعطى البث والصورة دقة والألوان وضوحا، وزاد من تفاعلية المشاهد عن طريق إعطائه فرصة للاختيار والمشاركة وإيقاف البث. وظهور تلفزيون الإنترنت المنوع في المشاهدات المباشرة والمسجلة وحسب الطلب.
وحقق الهاتف المحمول بأجياله الأربعة تقدما مطردا مع كل جيل، وكانت القمة مع الجيل الرابع الذي أفاد من الوسائط المتعددة، مما سهل له مهمة نقل المعلومات بجودة ودقة، مما ساعد المستخدم له في الحصول على المعلومات المقروءة والمسموعة وتبادل الوثائق، ومع ظهور الهواتف المحمولة ذات الشاشات المتعددة، فهذا أعان مستخدمها على متابعة ثلاث محطات بثية في آن.
ودار البحث في الفصل السادس من الكتاب عما وضعته تكنولوجيا الاتصال من مزايا بين أيدي العاملين في حقل الإعلام الرقمي، من كتّاب ومقدمين ومخرجين وفنيين وموثقين وإداريين وباحثين ومعلنين، وكيفية استفادتهم من تقنيات الإعلام الرقمي المتمثل بجودة الأداء رغم زيادة أعبائهم الفنية ومسؤولياتهم؛ رغبة منهم في تجويد مخرجاتهم الإعلامية، والتأكيد على أن للتكنولوجيا الرقمية لها متطلبات واشتراطات تؤكد ضرورة أن تتحقق لدى العاملين؛ كي ينجحوا في أداء مهامهم والتكيف معها. فمثلا كاتب المقالة الإلكترونية يتطلب منه معرفة كيفية توظيف الوسائط المتعددة لمنفعة ما يكتب، لأنها أدوات تعبيرية وليست طريقة عرض فحسب، بل أصبح معنيا بالشكل والمضمون على حد سواء.
وأردف المؤلفان الفصل باشتراطات الإعلام الرقمي والمتمثل بأثر الوسيلة الإلكترونية على محتوى الرسالة الإعلامية وطريقة عرضها، إذ أصبحت الرسالة منقادة للوسيلة مما أثّر في عمقها ومضمونها، نتيجة العرض الاستعراضي للمادة الإعلامية بغية الإثارة والتشويق.
وعرض المؤلفان في الفصل السابع الواقع الإعلامي في العصر الرقمي عن طريق عرض التحوّلات في البيئة الاتصالية عامة، والبيئة الإعلامية خاصة، نتيجة التطور التقني، والمسائل الإعلامية الأساسية التي تشكل مجسّات للحالة الإعلامية، نظرا لتحكم وسائل الاتصال الحديثة بالمادة الإعلامية، نتيجة التصاقها بالمزيد من الوسائط المتعددة التفاعلية، مما سهل سرعة انتشارها ووصولها إلى المتلقي في أي لحظة كانت. وأصبحت الوسيلة أكثر مركزية من عناصر الاتصال الأخرى، مما جعلها متحكمة في الخطاب المُنتج، وهذا حتّم على المرسل الانقياد لاشتراطات الوسيلة عند إنتاجه للخطاب، وأصبح من متطلبات إتقان عمله هو قدرته على توظيف خصائص الوسيلة، ومدى امتلاكه من كفايات في هذا المجال.
وأبهرت التكنولوجيا الرقمية المؤسسات الإعلامية بقدرتها على تسويق الأفكار وترويجها عن طريق البعد الإيهامي بتصوير العوالم الافتراضية، وكأنها حقائق ينبغي تصديقها في الواقع الحقيقي لدى المستوى العام، وعملت هذه التكنولوجيا في المستوى الفردي على ترويج شخصيات أفراد لا يملكون مقومات التميز وسماته، وأضافت للمتلقي فرصة التنزّه بين المواقع الإعلامية من تلفزيون وإذاعة ومواقع إلكترونية؛ التقاطا للخبر.
وأضفت التكنولوجيا الرقمية أبعادا إيجابية عديدة على أدوات الإعلام، كإيجاد بيئة تفاعلية بين المرسل والمستقبل، ومنح المستقبل التغذية الراجعة لما يستقبله، ومنحتها ديناميكية وحركة نشيطة في بناء العلاقة مع المستقبل أخذا وإعطاء، بدلا من اقتصارها على مسار واحد. وهذا النشاط يرجع إلى تآزر الوسائط المتعددة في أداء مهمتها. وشبه المؤلفان وسائل الاتصال الرقمية بالأواني المستطرقة، تتفتح فيها أوعية المعلومات على بعضها بعضا، مما منح المشهد الإعلامي تنوعا.
وتحقق الانقلاب على مفاهيم الاتصال التقليدية بإزالة الفوارق بين مفهومي الاتصال المباشر وغير المباشر ممثلا ببرامج سكايب وبالتوك وغيرها من البرامج المتضمنة للصوت والصورة في آن، أي التحول من الاتصال المباشر إلى غير المباشر وبالعكس.
وأزاحت التكنولوجيا الرقمية مفهومي الاتصال الجماعي والاتصال الفردي من الوسيلة الإعلامية، بأن يكون الاتصال عبر الإنترنت فرديا يراعي خصوصيته، وأما كونه خطابا جماعيا فيتمثل من خلال توجهه إلى جمهور عريض في آن، بمعنى التقاء الفردية والجماعية في تقنية واحدة.
وأفادت الوسيلة الإعلامية من التكنولوجيا الرقمية في التكيف مع حاجات المستخدم، واستحواذها على وظائف بعضها بعضا، أي دمج مجمل الوظائف في جهاز واحد، فالاستماع لنشرة الأخبار عبر الهاتف عبر الإنترنت، والاستماع لنشرة الأخبار عبر التلفزيون عن طريق شبكة الإنترنت، فهذا سيكون مدعاة لتشابه تعريفي التلفزيون والهاتف. وربما سيشكل ذلك في المستقبل عبئا على المؤسسات الإعلامية والتعليمية والاجتماعية، في المحافظة على بنيتها التقليدية، وأساليب عملها في مواجهة التحولات التكنولوجية الرقمية.
وأبرز الفصل كيفية تشكّل المشهد الإعلامي، وتبلور دور طرفي عنصري الاتصال المرسل والمستقبل في ظل المستجدات التكنولوجية الراهنة، وهذا يحتم على العاملين في المجال الإعلامي سرعة الحل عن طريق إيجاد حلول جادة وناجعة للمشكلات في جانبي الاتصال والإعلام، والالتفات لحاجات الإنسان المتجددة، كل ذلك أبرز دور الوسائط المتعددة مع تسارع الأيام، فالهاتف المحمول مثلا أصبح يلبي متطلبات الأفراد، مما جعل الكثيرين يستغنون به عن الحواسيب الشخصية؛ نظرا لتضمنه العديد من الوسائط المتعددة التفاعلية.
وغيّرت الثورة الرقمية من عادات الجمهور المتابع للأخبار نظرا للتنافسية العالية بين وسائل الاتصال المختلفة، والحريصة على اقتناص جمهورها والمحافظة على ولائه للوسيلة الإعلامية، مما رتّب على ذلك تطوّر الاستثمارات المادية والبشرية في الوسائل الإعلامية العاملة في جانب الأخبار. وهذا ممّا زاد من أعبائها التنافسية في قدرتها للوصول إلى أكبر شريحة من متابعيها، والحرص على مدى تشتتهم ضمن فئتي العمر والجنس.
ورغم ذلك فإن هناك عزوفا من الجمهور عن متابعة برامج هذه المؤسسات، وفي هذا مؤشر على عدم قدرتها على كسب ثقة الجمهور، وعدم قيامها بالوظيفة المنوطة بها، وضعف صدقية مادتها الإخبارية، كل ذلك شكل عبئا على إدارات هذه المؤسسات من ضرورة توخي الدقة والمصداقية عند نقل الخبر؛ كي تحافظ على حيادتها ولا تخسر متابعيها، كون ذلك سيؤثر على مساحة المادة الإعلانية لديها، وهي المصدر الرئيس لرأس المال، مما جعل هذه المؤسسات تستشعر أهمية الجمهور المتابع لها، إذ لم يعد سلبيا، بل أصبح مؤثرا ومتأثرا في تلقي الأخبار.
ونتج عن الثورة التكنولوجية في المؤسسات الإعلامية ثنائيات تحمل في حديها إيجابية وسلبية في آن معا كالحرية والرقابة، والهوية والعولمة، والخصوصية والانفتاح، والمصداقية والتزوير، والشأن العام والشأن الخاص، والعمق والسطحية.
ويحسب لهذا الكتاب قضايا جيدة تثري البحث العلمي وتستحق المتابعة كإشارته لنظرية التنافر المعرفي وشيوع اللغة الشعبية البعيدة عن اللغة العربية الصحيحة، وتنبيهه للإشكالات الاجتماعية والتربوية الناجمة عن انتشار وسائل الإعلام الرقمية مثل، تزوير التاريخ، وتغييب الوعي لمصلحة جهة متنفذة، وإعادة تشكيل تصورات المتلقي وقناعاته. ويحسب لهذا الكتاب ـ أيضا ـ تنوع مصادره بين اللغتين العربية والإنكليزية وحداثتها. ونظرة مؤلفيْه المتشكلة من تخصصاتهم الأكاديمية وخبراتهم المتنوعة، مما جعلهما يقدمان لقارئه جوانب ثقافية وعملية ستزيد من حصيلته المعرفية والعملية في آن معا.

* «الإعلام والهجرة إلى العصر الرقمي» ـ تأليف حارث عبود ومزهر العاني ـ منشورات دار الحامد ـ عمّان ـ الأردن 2015، الطبعة الأولى ـ عدد صفحاته 275 من القطع العادي.

كاتب فلسطيني

أيمن يوسف عليان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية