يمكن القول ان الإعلام من بين اهم مصادر دعم مجموعات التطرف والعنف، سواء ما تملكه تلك المجموعات من وسائل لبث ايديولوجيتها وأخبارها، ام الإعلام «المعادي» لها. ومن بين اسباب ذلك الدعم اعتماد وسائل الإعلام مبدأ «الإثارة» الذي يهدف لاستقطاب اكبر عدد من المشاهدين والقراء. وبرغم ما يدعيه اغلب وسائل الإعلام بانه يسعى لنقل «الحقيقة» وانه يخدمها ويعمل من اجلها، فان هذا الادعاء له وجهان. الاول نقل الخبر بطريقة تقترب من الموضوعية، ولكن اختيار خبر دون غيره يرتبط باهداف الوسيلة الإعلامية. هذا يعني ان الحقيقة لا تنقل كاملة ابدا. ويمكن تبرير ذلك بان مصاديق «الحقيقة» كثيرة ولا يمكن نقلها كلها. الامر المهم ان من يدعي نقل الحقيقة ليس صادقا تماما في ذلك الادعاء حين يختار خبرا دون سواه، وبذلك تصبح «الإثارة» من اسباب المساومة على نقل الحقيقة. الوجه الثاني ان الموضوعية لا تتحقق بالانتقائية في الاختيار وترويج ما يحدث الضرر للبشر او يشجعه على ارتكاب الشر، بل تعني الانتماء دائما للانسانية وقيمها واخلاقها. وحرية التعبير يجب ان تكون محكومة بتلك القيم وبحقوق الآخرين في الحماية من الشر والضر وما يؤدي للحزن والتقزز. ولذلك تمنع القوانين بث مشاهد العنف البشعة او المفرطة في الاباحية او الشؤون الخاصة للافراد. وغالبا ما تطرح مقولة «الصالح العام» من قبل الناشرين لتبرير بث الاخبار حول الشخصيات العامة وحياتهم الشخصية، مع ان هناك نقاشات تتكرر حول مصاديق ذلك. المشكلة تكمن في تغير المرجعيات الثقافية والفكرية في عالم «ما بعد الحداثة» وهيمنة الليبرالية المفرطة على الإعلام، وانتشار ثقافة معاداة الدين، بالاضافة لاجندات ذات ابعاد سياسية وايديولوجية تفرض نفسها على سياسات التحرير وتساهم في توجيه الاخبار. ومن الخطأ الكبير القول بوجود «إعلام موضوعي» برغم الترويج لتلك المقولات من قبل القوى الغربية الكبرى المهيمنة على العالم. بل يؤكد الواقع ان هناك انتقائية في اختيار الاخبار وتوجيهها، وان إعلام الدول الغربية، برغم ادعاءاتها، تمثل جانبا من النظام المهيمن على تلك البلدان، فالإعلام والقضاء والحكم بشقيه التنفيذي والتشريعي، تمثل مكونات لنظام واحد، ويخطىء من يعتقد ان ايا منها يسعى للاضرار او التأثير الجذري على المكون الآخر.
لكي تتضح الصورة يمكن الاستشهاد بتحقيق نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية يوم الجمعة الماضية حول ما تسميه «حدة تصاعد التوترات الطائفية» في اوساط المسلمين البريطانيين. وهنا يمكن تسجيل عدد من الملاحظات:
الأولى ان اغلب ما في التحقيق لا يجافي الحقيقة، بل ينقل جزءا مهما منها. فهو يحصي دعاة التطرف والعنف على اختلاف انتماءاتهم المذهبية، وينشر صورا لاعمال استفزازية كالكتابات الطائفية على حيطان المساجد والمراكز الإسلامية وما يقال في خطب الجمعة وما يبث على وسائل التواصل الاجتماعي.
الثاني: ان اختيار هذا الموضوع يمكن تبريره من قبل ادارة الصحيفة بانه يهدف لقرع اجراس الانذار باحتمال حدوث اعمال عنف على غرار ما حدث في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت. ثالثا: ان هناك ما يوازي هذه الظاهرة ولكن يتم تجاهله تماما. فالعلاقات العامة بين المسلمين البريطانيين تتسم بقدر كبير من الأخوة والتعاون، فهناك المؤتمرات المشتركة والمنظمات التي تضم المؤسسات والمساجد التابعة للمذاهب الإسلامية المتعددة ومنها «المجلس الإسلامي البريطاني ام سي بي)، وهناك وسائل الإعلام الإسلامية التي تتبنى سياسات إعلامية تجمع المسلمين ولا تفرقهم مثل «مسلم نيوز» وقبلها «امباكت انترناشيونال». كما ان هناك مؤتمرات الوحدة الإسلامية التي يقيمها المخلصون من ابناء الامة. وقد شهد شهر رمضان المبارك نشاطا محموما في اطار التقارب من خلال الافطارات المشتركة تحت عنوان «الافطار الكبير». كما ان هناك اللقاءات المستمرة والمحاضرات المتبادلة والتصريحات الودية التي تؤكد التقارب والاحترام المتبادل والوحدة، التي تهدف جميعا لتمتين العلاقات بين المسلمين. ولكن يتم التغاضي عن ذلك جميعا من جانب وسائل الإعلام، ويتم الترويج لما يفرق بينهم ويحرض بعضهم على بعض. رابعا: ان هناك أجندات خفية وظاهرة لتوسيع دائرة الخلاف بين المسلمين لمنع تقاربهم ووحدتهم، وكسر شوكتهم ومحاصرة ظاهرة الصحوة الإسلامية، وتشتيت الجهود بعيدا عن القضايا ذات الاهمية خصوصا قضية فلسطين وقضايا وحدة الامة والديمقراطية والتنمية والتطور العلمي والحفاظ على ثروات الامة من التبديد خصوصا النفط. فالانشغال بالصراعات البينية والعنف والتطرف يساهم في خلق جيل من الشباب لا يتمتع بالروح العالية التي تعمقت في نفوس جيل الصحوة على مدى العقود الاربعة الماضية. خامسا: ان مبدأ «الإثارة» يخاطب الجوانب الشيطانية في النفس الانسانية وليس العقل والمنطق، ولذلك تحظى الصحف والقنوات المبتذلة بمتابعين اكثر كثيرا من غيرها.
سادسا: الإعلام الهادف هو الذي يسعى لبث الخير والحق ويروج الفضيلة وقيم الحرية والكرامة الانسانية ويبتعد عما يؤدي للفتنة والفرقة والانحراف والانحدار الاخلاقي والقيمي. قال الله تعالى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم، وقال تعالى: «إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة». وقال رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا او ليصمت».
في هذا الاطار يمكن تأكيد ما يلي: اولا ان الظواهر السلبية عادة تمثل القلة وليست الكثرة، ولكن الترويج لها يظهرها عكس ذلك. فالمسلمون بعمومهم يتعايشون في كافة البلدان مع انفسهم ومع غيرهم ضمن اطر التعامل الانساني ولا يضمرون حقدا او بغضا للآخرين. والمتطرفون أقلية ايضا ولكنهم مدعومون بالإعلام والمال النفطي بما يظهرهم اكبر من حجمهم كثيرا. ودعاة الخير والمعروف والحب والتعاون والاحترام ومن يحترم النفس الانسانية ويحرم سفك الدم، هم الاكثرية، ولكنهم بدون صوت بسبب طبيعتهم الخيرة. ثانيا: ان الإعلام المبدئي هو الذي يروج الخير ويتجاهل الشر، ولذلك يفتقد «الإثارة». فحين يلتقي ابناء الامة على ارضية الوحدة والتآخي والايمان والحب واحترام النفس الانسانية وتحريم سفك الدم ورفض العنف والتطرف، فان ذلك لا يمثل مادة خبرية لوسائل الإعلام التي تعتمد الاثارة. اما حين تظهر مجموعة صغيرة وتهاجم الآخرين في معتقداتهم او ثقافتهم، فذلك يمثل مادة خبرية تحتوي عنصر «الإثارة». انها الطفولة التي تعشق مشاهد العنف وحرب النجوم ودراكولا والصراعات الجاسوسية، وهذا ليس منهج الدين او المبادىء الرفيعة الهادفة لبث الامن والاستقرار والسلام والحب والاحترام بين سكان هذا الكوكب. ولو انتهج الإعلام العربي والإسلامي مبدأ ترويج الخير لاعطى مساحات واسعة للعلماء الداعين للاعتدال والسلام والامن والوحدة، وخصص مساحات لتغطية الفعاليات التي تروج لذلك بدلا من التسابق لنشر تصريحات المتطرفين والإرهابيين ومن ثم اعتبارها ادانة للإسلام وأتباعه. ولا يختلف الإعلام العربي والإسلامي عن الغربي، فمشكلة هذا الإعلام اعتماده في مصادر خبره على وكالات الانباء الغربية المؤدلجة والموجهة والمؤسسة على ثقافة التوسع والهيمنة والاستكبار واستضعاف الآخرين واستهداف من يمتلك مشروعا فكريا او حضاريا موازيا. الخبر هو محور الإعلام، ولذلك اهتم الغربيون بالتفنن في صياغته وتصديره كاداة اخرى للهيمنة الثقافية والتوجيه السياسي والتأثير الاستراتيجي.
وفن صياغة الخبر غائب تماما عن الإعلام العربي والإسلامي، ولذلك فمن الضرورة بمكان اعادة التركيز على ذلك لينطلق الإعلام على اساس خدمة الامة والشعوب وترويج قيم الخير والعدل ودحر ثقافة التدمير والتطرف التي لا يمكن ان تخلق مجتمعا متماسكا او امة موحدة او حضارة معطاءة.
❊٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن
د. سعيد الشهابي