الإقامة في الشِّعر

للشِّعر شِفاهٌ كثيرةٌ. له أكثر من لِسانٍ ليقولَ الأشياء، ليخرج باللغة من مُشْتَرَكاتِها، من هذا العَامّ الذي تذوبُ فيه الكلمات والأشياء، وكأنَّها خرجَتْ من الماء نفسه. والشَّاعرُ، حين يكون عارِفاً بهذا الغِنَى الذي يُتِيحُه الشِّعر، فهو يحرص على التَّبْعِيدِ، وعلى خلق إمكاناتٍ، تسمح فيها العلاقات بين الدَّوال، أو ما يمكن اعتبارُه توتُّرات في العلاقة بين دال الكلمة ومدلولها، بتفتيق المعاني وتوليدِها. ليس بالضرورة أن يكون المعنى جديداً، بالكامِل، يكفي أن تكون العلاقة بين طَرَفَيْه، مِمَّا كانت البلاغة التقليدية تعتبره أساسياً في وُضوح المعنى، بحسب ما بَنَتْ به النظرية البيانية رؤيتها لـ «البيان» العربي، هي غير ما هو مطروح في الطريق، أو ما تتداوَلُه الألْسُن، أو يجري في اللِّسان العام، ما يجعل هذا المعنى يكون طريقاً، أو يَشِي بطريقٍ، وهذا، في تصوُّري، يكفي ليضع الشِّعر خارِجَ العام والمُشْتَرَك، وما يجري على الألْسُن، بنوع من الاستعادة، والتكرار.
فالشِّعر، بهذا المعنى، هو «خَطْوٌ يفتحُ الطُّرُق». يشِي بالمسالِك، ولا يتجاهِل المضايِقَ، التي يعتبرُها ضمن ما يأخُذُ الشِّعرَ إلى مُفْتَرَقاتِه، وإلى توقيعه الشخصيِّ، الذي هو دَمُ الشَّاعر، وجُرْحُه الذي به يُقِيمُ في هذا الوجُود.
محمد حلمي الريشة، في هذا العمل الشِّعري، لم يتفادَ مفهوم الإقامة هذا، بل إنَّه كان بين أهمّ ما حَرِصَ على تَثْبِيتِه، وعلى فَضْحِه، خصوصاً في هذه «الأنا» التي هي تعبير أنطولوجي، بالمفهوم الهايدغيري، عن إقامة الشَّاعر، شِعْرِياِ، في الوُجود. المُفارَقَة، أو ما يمكن النظر إليه باعتباره مفارقةً في هذه الإقامة أو السَّكَن، هي أن يصيرَ الشَّاعر هو نفسُه السَّاكِنَ والمسكون. لا مسافةَ بين «الاثنين»، فهُما واحدٌ، كلاهُما يُقيم في الآخر، يَحُلُّ فيه ويَسْكُنُه، وكِلاهُما يَحُثُّ الآخر على استنفار نفسه أو ترويضِها، بالأحرى، على أن تعيش الشِّعْرَ كلباس. وليس مديح الذَّات هذا، في «النص»، سوى تعبير عن ذوبان الذات، أو النفس الشَّاعرة، في ذاتها، أو في نفسها، مثلما يذُوبُ الماء في الماء، ويجري في طَيَّاتِه.
اعتَبَرْتُ الديوانَ نَصّاً، رغم ما يبدو فيه من مَيْلٍ للكتابة الشَّذْرِيَة، الخاطِفَة، لأنَّه لم يخرج من المعنى نفسه. من يقرأ الكتابَ بِتَمَعُّنٍ، وبانتباهٍ، سيُدْرِك أنَّ هذه «الشَّذَرات»، تَصُبُّ في بعضها، وهي تشبه حلقات السلسلة التي، بقدر ما هي منفصلة في تكوينها، ومستقلة بشكلها، بقدر ما هي امتداد في غيرها، بما يُشَكِّل النص كَكُلٍّ باعتباره خَيْطاً واحداً، بالمعنى الذي أشرتُ إليه في مفهوميْ الإقامة والسكن.
محمد حلمي الريشة، واحد من الشُّعراء الفلسطينيين الأصدقاء الذين تعرَّفْتُ عليهم في رام الله، وهو شاعر لم يتوانَ عن خَوْض الشِّعر باعتباره إقامةً ووجُوداً، وهذا، في ذاتِه، تعبير عن جسارة المسؤولية التي يمكن أن يَسْتَشْعِرَها الشَّاعر إزاء ما يكتبُه وما يقوله. لم تبق «القضية» هي المُشْتَرَك، وهي الجُرْح الذي يَحُزُّ في النَّفْس، كما أنَّها لم تخرج من ذِهْن الشَّاعر، أو من وعيه، ولا من فكره ووجدانه، لكنَّها نَقَلَت النفس من حالة المُواجَهَة المباشرة التي لها لغتُها وسياقاتُها، إلى حالة التعبير الأنطولوجي، الذي تصبح فيه الذَّات، مُقيمةً في أرْضها، شعرياً، وهذا النوع من الإقامة، هو إقامةٌ لا يكون فيها السَّكَن اشتراكاً، بقدر ما يكون توقيعاً بالمفرد، وتوقيعاً لا يمكن اقتسامُه مع الآخرين، لأنَّه، ببساطة، هو الخصوصية الفردية للذات، بالمعنى الثقافي والجمالي، وبالمعنى الإنساني، وهذا، ربما، ما اسْتَشْعَرَه حلمي الريشة، ومعه الشُّعراء الذين ينتمون للجيل نفسه، ممن فتحوا أعيُنَهُم على هذا الانهيار الشَّامِل الذي مَسَّ وُجود الإنسان، في كينونته، وشكل إقامته على الأرض .
الشَّاعر، هنا، هو الشَّاعر الذي يعيش مستقبلَه الآن، ويعيش الشِّعر كقضية جوهرية، وكإقامة، وتعبير عن هذه الإقامة التي هي انفتاح وانشراح على الوجود، في ما هي انتماءٌ للذات، للدَّم الشخصي الذي هو هذا اللِّسان المفرد، أو ما يمكنه أن يكون المفردَ بصيغة الكُلّ، وليس الجَمْع، هذه المرة.
في هذه الشذرات، ما يُتيح للنفس أن تَنْفَرِطَ، وتبدو مُتَشَظِّيةً، مَشْرُوخَة، مُفْعَمَةً بجراحها، لكنها نفسٌ سائِلَةٌ، لا تَفْتَأُ تَلْتَمُّ، وتَنْفَرِطُ في كينونتها، وفي هذه الإقامة التي فيها يصير الشِّعر السَّاكِنَ والمسكونَ، ويصير الشَّاعرُ، جوهرَ ورُوحَ هذه الإقامة، أو ما يجري في اللِّسان من كلام.

كاتب مغربي

صلاح بوسريف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية