سيكون من النسيان والبهتان في أي حديث عن أحمد عدم التعرض إلى البعد العماني العميق والشاسع في رأسه وصدره، بهذا العبارات الرثائية الحزينة المثقلة بحسّ المديونية، يستدعي عبدالله حبيب جانباً من سيرة الشاعر المرحوم أحمد راشد ثاني، وذلك في كتاب «يوم طار شَلِّ السَّمر كلّه – تحية حب عُمانية لأحمد راشد ثاني» الصادر عن دار سؤال للنشر، من إعداده وتحريره بالإشتراك مع سعيد سلطان الهاشمي، حيث يمتاز أحمد، من وجهة نظره بالغشتالت العماني، أو رؤية العالم من خلال عينين عمانيتين، فهو موسوعة في التاريخ العماني.
كما تحضر الحساسية العمانية في أعماله، وما من كاتب عربي ارتبط بعلاقات مع عمانيين بكثرة ما فعل أحمد.
هكذا يقدم عبدالله حبيب الراحل أحمد راشد ثاني في كلمته التي جاءت بعنوان «أنت ماء مجفَّف – محاولة نخلة أو موجة عند قبر أحمد راشد ثاني»، أو من يسميه بشيء من عدم التصديق بموته بالكذاب البرزخي، وذلك من خلال مواقف حياتية تمتزج فيها مؤانسة الصُحبة بالمشاريع الثقافية، إذ لم يصادف في حياته، حسب قوله، بمن هو أكثر شغفاً بالقراءة من أحمد، فهو أكبر لص كتب في العالم يمكن التشرُّف بمصادقته، مستدعياً رحلات وذكريات مشتركة في بقاع العالم وفي مدارات الأفكار والسجالات، إلى أن وصل أحمد إلى الموت، فيما أصيب عبدالله بكل ذلك الفقد الذي أوصله إلى القاعة ليلوح له تلويحة وداع، وهو يستذكر أول مكالمة بينهما (قلتَ: أبغي أتعرف عليك أيها العماني الجميل! رددتُ: وأنا بعد أبغي أتعرف عليك أيها العماني الأجمل).
أما سماء عيسى الذي جاءت تلويحته بعنوان «موجة أحمد راشد الأخيرة» فيميل إلى أن أحمد لا يحتاج إلى أي مظاهرة إعلامية أو أي مديح فهو منغرس بعمق في القلب والمشهد الثقافي من خلال سيرته الضاجة بالحياة، التي جاءت بعنوان «على الباب موجة»، فهي من أفضل كتب السيرة الذاتية في الأدب الخليجي المعاصر، حسب سماء عيسى، لدرجة أنه أراد أن يقايضه بكل ما كتب لقاء موجته الماثلة على بابه في خورفكان، وذلك لفرط الإعجاب بها، ليعود ويؤكد على عشق أحمد للتاريخ العماني، من خلال لقائه بالمؤرخ سالم بن حمود السيابي وحديثه الدائم عنه، وكأنه يعيش لحظة عمانية عاطفية وواقعية في آن، كذلك يستدعيه سعيد سلطان الهاشمي في شهادة بعنوان «أحمد راشد ثاني – مجازي الغياب، خنيزي الحضور»، في إشارة رمزية يشبهه فيها بطلوع نخلة خنيزي وارفة الثمار، فأمثال ثاني لا يعيشون في الغياب، حسب قوله، بل تراهم يتمرغون في الحضور، وأي حضور؛ حضور في الشعر الذي عاشه وتوحد به، حضور في الوجدان الذي وسعه بحسده النحيل وأحلامه المكدسة، وحضور في البحث الذي سكنه وانصهر به، حضور في العمل والاشتغال حد النسيان والتلف، حضور في التاريخ والموروث الشعبي حد التماهي معه، وكأنه – أي الهاشمي – يرسم فضاءات حضوره وتشكلاته الإنسانية والإبداعية، ليعود هو الآخر ويؤكد على هواه العماني، فعُمان هي عشق أحمد المفضوح، قضيته التي اختار المضي بها في حقل من الألغام والنكران والقطيعة – بتصوره – حيث أخلص لها في حِله القصير، وترحاله الدائم، كما آمن بها روحاً وحضارة، وتنفسها بحراً وبادية، وكتبها أغنيات وأهازيج وعاشها كما هي في باله وذكرياته.
صالح العامري أيضاً يودع من يسميه بالشقيق الأسمر بالآهات والكلمات المتعبة، وذلك في مرثية بعنوان «الصارخ في بئر المعنى – عن أحمد راشد ثاني في أسبوعه الأرضي الأول»، حيث يستشعر حالة اليتم الكوني، متخيلاً جثته متخطفة بالديدان الإلهية وهي تدير ظهرها للحياة، وجسده النحيل الذي كتب به شهواته وترّهاته، ليغوص في تفاصيله المزاجية بفمه المتوج بالسخرية والمرارة، وأصابعه المرهفة التي يخط بها قصائده، وخطه النملي ورقش قلمه الأزرق، ليحدثنا عن الطفل الذي ينفجر بالضحك، الكائن النزق، الساخر بأقذع صنوف السخرية من المتثاقفين، إنه النشيد العماني الذي لا تخطئه أذن أو عين، حسب قوله، أو هو الخزانة الثرة التي وثقت الحكايات الشعبية في حصاة الصبر، فقد ترك وراءه ذلك الصعلوك الضجر بالمعنى والمسكون بالهوج والموج كنزاً من الإرث المعنوي الرفيع، وأمثولة في الاحتراق الشهي.
الشاعر عبد يغوث يدخل بنا إلى ما هو أعمق وأكثر حميمية في عالم أحمد راشد ثاني، وذلك في كلمته «وداع الأم والابن والروح المرحة»، فقد كان مع أحمد لحظة رحيل والدته، حيث طبعا قبلتين على رأسها وخرجا من المستشفى، وبكلمات قليلة تنم عن العجز والحسرة والحيرة يتساءل عما يمكن أن يحدث للإنسان عندما تموت أمه، وعندما يفاجئه موت أحد أصدقائه الأعزاء، ولذلك يكتفي بالقول أن أحمد وحده حكاية شعبية، وكمن يحاول أن يتسوعب لغة الأقدار لقصة صديقه أحمد يستشهد بنص قصير هو بمثابة سيرة مختصرة لوجوده «أمي أنجبت طفلاً مات قبلي/ وأنجبتني/ ثم أنجبت طفلاً مات بعدي/ ثم كفت عن الإنجاب».
فاطمة الشيدي هي الوحيدة التي لم تلتق الشاعر الراحل ولذلك عنونت مساهمتها بعبارة «لقاء افتراضي مع أحمد راشد ثاني» مؤكدة على معرفتها به من خلال الكلمة والنص، وهذا ليس قليلاً فالنص هو نحن، والشعر هو روح الكائن الحقيقي، وعلى الرغم من أنها لم تصافح عينيه، حسب تعبيرها، ولم تسمع نحيب صوته وحشرجات أوجاعه وهو يتلو ما تيسر من أحلامه وأوهامه وآلامه شعراً، إلا أنها لمست من خلال كتاباته عناد الشاعر الحقيقي المجازف، الطفل الشاعر الصادق المشغول بالشعر عما سواه، وبالحب عن الكره، وبالبناء عن الهدم، وبالشعر عن المادة، فهو مهموم بفنه وبمشروعه ورؤيته الخاصة والفذة والحميمة للعالم والموجودات، ولذلك لم يصعب عليهما – فاطمة وأحمد – التعارف، لما بينهما من مشتركات الجغرافيا والتاريخ واللغة والصداقات المشتركة، وعلى هذا الأساس تدبر لقاؤهما الافتراضي قبل أن يذهب أحمد إلى السماء وتعود هي إلى الأرض.
خميس قلم أيضاً لا يحتفظ بذكريات كثيرة مع الراحل، فلقاءاتهما محدودة، إلا أنه، من منظوره، ليس من جنس الرجال الذين تلقاهم ثم تنساهم، بل يترك لقاؤه في النفس أثراً يستعصي على رياح الزمن محوه، فهو ضاج بمعاني الحياة، فذّ، مقتحم ونزق، نزق إلى أبعد الحدود، أما موته فهو أشبه ما يكون باحتراق شجرة خضراء، أو كما يشبهه بحصاة لم تحتمل بعدها عن مياه الوديان وخضرة نفوس خورفكان، هذا ما تعلمه من أحمد بموته، فأصوات الأصدقاء الشامخة تنكسر بسهولة كلما هب الغياب، كما تعلم أن اختلافات الأصدقاء مهما كبرت تتقزم أمام الفقد، وربما أراد أحمد أن يتأكد من حب أصدقائه برحيله المرتجل عنهم.
هكذا هو أحمد المشاكس ضد الحياة، كما يسميه زاهر الغافري في نشيده الشاعري «كما لو كنت نائماً وأنت تحلم بالرمل والحصاة وعشبة البحر»، فهو ظل الأوقات الشرسة، المولود من الحكاية والدعابة والقهقهة.
الذاهب إلى الشعر كمن يصغي إلى شيطان روحه، إلى القلق الذي ترك له وجهاً مخدداً وابتسامة ذكية، إنه ابن الفوضى والموهبة، كما يستكمل الغافري رسم البورتريه العام لشخصيته، ابن سلالة البحر، ابن المقهى والدخان العائم في الرئتين، فهو القانط واليائس والمحب، العنيد بالشعر والتبغ، الصاعد والنازل فوق سلالم الحياة من فرط النشوة، الأليف والغريب على الإيقاع، الواقف فوق تل الإشارات، أحمد الذي رحل وترك في أرواح أحبته بقايا من دم الشمعة.
أما الإماراتي خالد البدور فيعنون رثائيته بلافتة ذات مغزى ودلالة (المريض بالكتابة والقلب)، حيث يقر بالحاجة إلى وقت للتعافي من وقع فاجعة موته، فأحمد، حسب تصوره، كان مريضاً جداً، ليس بالمرض الجسدي فقط، ولكنه كان مريضاً بالكتابة وبالشعر وبالبحث وراء المعرفة، فقد تحول عشقه للكلمة والتعليم إلى هوس مرضي بدأ ينتشر كالمرض الوبائي في جسده، حيث كان يدفن رأسه في الورق بين أكوام الكتب غير آبه بصحته، وهنا يستذكر قصته مع الكتب عندما اشتركا في تشكيل الجماعات الصغيرة المهتمة بالقراءة، والمواظبة على قراءة الكتب في مكتبة الجامعة بالنظر إلى عدم وجود المال لديهما لشراء الكتب حينها، كما قاما بمساعدة الناشرين الذين حضروا من بيروت والقاهرة ودمشق في المعرض الأول للكتاب، وذلك بترتيب الكتب وتسعيرها لقاء مجموعة من الكتب المجانية، أما أحمد فقد بلغ به هوس حب الكتب بالبحث في الزبالات التي يرمي فيها المدرسون العائدون إلى أوطانهم ما يريدون التخفُّف منه من كتب ومجلات.
وبما يشبه فجيعة الفقد يكتب محمد الحارثي بكائية «أمام معلقات أحمد راشد ثاني»، حيث يستهل نصه بالقول «أفقت هذا الصباح ولم أجدك في البيت يا أحمد راشد ثاني»، ليدخل في نوبة من التهيؤات، يخاطبه وهو يتفيأ ظله الذي أفاق كعادته مبكراً قرب حصاة العمانيين المرفرفرة على أجنحة القطا خطوة خطوة، يتراءى فيها أحمد وهو يلقي الشعر على الحائط قرب تمثال سقراط، يتأمل قلمه النائم على الطاولة قرب منشفة تكبر كأنفاسه في رحيق الشرفة، يحدثه عن هولدرين الذي يحبه كثيراً، وعن أوكتافيو باث، يستحصره وهو يتتبع الحكايات المروية، في حصيرة البدو التي ظلت وفية لسلالات الدم، يتجول معه في كل الأرجاء التي جابوها معاً، حيث كانت تتشكل قصيدة (البيت).
كاتب سعودي
محمد العباس