الإنترنت والإمارات: الكل عُراة

أنتمي إلى صحافيي ما قبل الإنترنت. جيل إرسال المراسلات بواسطة جهاز الفاكس، وقبلها إملاء نص تقريرك، من حيث أنت، هاتفيا على زميلك في المكتب في عملية مضنية تستغرق في كثير من الأحيان ساعة وأكثر من الزمن. كنا نكتب الخبر أو المقال ثم ننتظر ليلة وضحاها كي نقرأه على ورق الصحيفة بعد أن يقطع مسافة في دهاليز التصميم والطباعة.
كنت صحافيا في لندن عندما دخلت الإنترنت وفرضت نفسها علينا، فخيّل إليَّ أن هذه المهنة تدخل نفقا نحو المجهول، في أحسن الأحوال ليس في صالحنا. ذكّرني ذلك بأيام دخول الكمبيوتر (الماكنتوش) في الطباعة والتصميم الصحافي في الجزائر سنة 1990، فجاء من يهدد هشاشتنا ويتوعدنا بألاَّ مستقبل لنا في الصحافة لأن التكنولوجيا أقوى وأسرع من قدراتنا، خصوصا والدولة تتجه للتنازل عن الصحافة للقطاع الخاص.
أحتفظ بقصة مصمم صحافي في تلك الأيام، اسمه شعشوع. يقال إنه بعد اليوم الأول من التدريب على الأجهزة الجديدة وطرق العمل التي تنتظره، أصيب بذهول قاده إلى السير على قدميه وحيداً من حي القُبَّة بأعالي العاصمة إلى ساحة الشهداء بوسطها. وهي مسافة ليست قصيرة لمن يعرف المدينة.
عندما تشرّبنا ما تيسّر من أسرار الإنترنت في العمل الصحافي، اتفقنا على أن عالما جديداً يُفتح أمامنا. كان الشعور إيجابيا. ويكبر هذا الشعور أكثر عندما تكون جزءاً من مطبوعة دولية همّها الدائم الرقابة التي تمارسها أنظمة وحكومات ـ عربية ـ تحول دون وصول المنتوج النهائي إلى المستهلك. تأسست صحف عربية في باريس ولندن هروبا من الظروف المحلية، ومنها الرقابة، فاكتشفت بسرعة أنها كمن يستجير من الرمضاء بالنار، لأن الرقيب الذي يتخذ من المطابع لممارسة الرقابة على الصحافة المحلية، انتدب مندوبا إلى نقاط الوصول في المطارات يتولى أمر الصحافة المهاجرة.
رقباء المطارات يقررون مصير المطبوعة لحظة وصولها. وإذا ما تضمنت «ما لا يليق»، يكون مصيرها المنع (مع تهريب بعض النسخ للمحظوظين). وإذا كان المزاج رائقا يمزقون، بلا تردد، الصفحات غير المرغوبة ويسمحون بتوزيع المطبوعة مبتورة. نصف العمى أفضل من العمى كله!
مع عصر الإنترنت، تكرس للوهلة الأولى الاعتقاد بأن الصحافة العربية المهاجرة أفلتت من سطوة تلك الكائنات العجيبة طالما أن النسخة الإلكترونية العابرة للحدود والحواجز والفضاءات، ستعوّض الحاجة إلى النسخة الورقية.
بيد أن الفرحة لم تدم طويلا، إذ سرعان ما تطورت التكنولوجيا في صالح الحكومات ورقبائها أكثر من تطورها في خدمة الهاربين من الرقابة والحالمين بالحرية. ومثلما انتدب الرقيب الأصلي من ينوب عنه إلى المطارات، عيَّن من ينوب عنه على شبكة الإنترنت. وما كان عملا مضنيا يؤديه الرقيب، بلا شرف، في مخازن الشحن والوصول بالمطارات، أصبح يقوم به «خبراء» و»فنيون» في مكاتب مريحة بكبسة زرٍّ نحو شاشة كمبيوتر، بكلفة وتعب أقل، وبلا وحرج يُذكر.
لا أحد كان يتوقع أننا سنصل إلى كل هذا السوء. لا أحد فكّر آنذاك أن ذلك الاختراع العجيب الذي اسمه الإنترنت، وبدلا من أن يحرر الناس والعالم، جعلهم أشد قيدا وأسهل على السيطرة. ما يشهده العالم اليوم من «ردَّة» لم تكن يومذاك تخطر حتى في الأحلام والكوابيس.
نحن الآن في وضع أسوأ من عصر ما قبل الإنترنت، خصوصا في المنطقة العربية من العالم حيث الظلمات والانغلاق والخوف من الحرية ومن الاختلاف ومن كل ما هو جديد (الدول الغربية أصبحت لديها حجة الإرهاب لتبرير الرقابة الإلكترونية بأنواعها).
تكفي نظرة على تفاصيل الأزمة الحالية بين السعودية والإمارات من جهة، وقطر من جهة أخرى، للتأكد من أن حرية الكلمة والنشر كانت الضحية الأكبر والأبرز والأسهل: بسرعة البرق قررت الدول المحاصِرة لقطر «إطفاء» مواقع الصحف والمؤسسات الإعلامية القطرية والممولة من قطر، على أراضيها. تم الأمر بسرعة نادرة وفاعلية منقطعة النظير.
وقُطع بث المحطات التلفزيونية القطرية في دول «الثلاثي» بسهولة لا تختلف عن منع القنوات المحلية في أراضيها.
ولم تتوانَ الدول الثلاث في تعتيم مواقع التواصل الاجتماعي بطريقة لا تختلف عن حجب مواقع الإعلام التقليدي. وتوّجت الأمر بقوانين مرعبة ومخزية أثمرت امتناع الناس في تلك الدول، ذعرا لا اقتناعا، عن تبادل تهاني العيد والتنكيت مع أصدقاء وأقارب لهم في قطر!
مَن بعد هذا يقول إن العالم قرية صغيرة تتدفق فيه المعلومات كالهواء لا أحد يوقفها؟
الحكومة المصرية منعت مواقع إخبارية موالية لقطر، ثم وضمن مسلسل التبعية في سبيل «الرز» على ما يبدو، زاودت بحجب مواقع إخبارية مصرية تباع نسخها المطبوعة على أرصفة شوارع القاهرة، مثل «المصريون».
عندما يتأمل المرء هذه اللوحة السوداء، تتملكه حسرة على أيام ما قبل «الإنترنت». كانت مريحة ومعها العورات مستورة بشكل أو بآخر. اليوم: الكل عراة.

٭ كاتب صحافي جزائري

الإنترنت والإمارات: الكل عُراة

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية