حين سألني إياد عن «كوكب الجنة» وأجبته بيقين إيماني سيصنع بالتأكيد وعي طفلي بالحياة: «هي العالم الذي سينتقل إليه الصالحون والأخيار بعد الموت».. خشيت حينها أن يدعوني إلى الموت الآن لكي ينقلنا الله الرحيم إلى «كوكب الجنة»، من فرط ما يتسلَّل إلى إدراكه اليقظ من أصداء عن الحروب والتقتيل والاعتداءات. لكن مرَّ السؤال بخير، عـقبه تأملٌ بسيط قاطعه رنين الهاتف..
أدرِك أن إياد سيعود إلى الموضوع من جديد، فعمر الست سنوات الذي يضعه أمام غوايات اكتشاف العالم بمنظور رائد فضاء أو ربان طائرة، لا يمكن أن يكتفي بالمرحلة الأولى من سلاسل الأسئلة التي يعقدها، مثلما تعقد له الألعاب التي تتحدى رقميا ذكاءه في كل مرحلة بمستوى أصعب من السابق، وأكثر متعة في نقله إلى اللاحق. لكنني أنا لم أتوقف عن التأمل حينها بعد الإجابة على المكالمة وتوديع المتصل. وتأملي بدوره لم يكتف بمرحلة واحدة أو مستوى واحد.. سأقف عند ثلاثة مستويات، مع إدراك ما يحمله رقم ثلاثة في رصيد الإيمان مرَّة ثانية من إيحاءات وثوابت.
1ـ التمثُّــل والتمثيــل:
لا شك أن الإنسان لا ينفصل عن اللحظة التي يحياها، ولذلك فإنسان اللحظة الرقمية المنفـتحة على العـوالـم المـترابـطة بـضغـطة زر، والمتـفاعـلة عبر القـارات بكـلـمة سـر، والمتشابكة بدون خطوط الطول أو العرض، والمخيفة والفاتنة والمذهلة، لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يتشكَّل وعيه مثلما كان يتشكَّل وعي الإنسان/الطفل، الذي كان ينتظر الساعة السادسة ليتابع بث القناة التلفزية الوطنية الوحيدة، وما تختاره من برامج لحصة الأطفال.. في بث محدَّد بمنتصف الليل. ليعود إلى الانتظار في يوم الغد. ويستفيق صباح الأحد على موعد مع حصة الأطفال الصباحية الأسبوعية في احتفال استثنائي..
في ضوء اللحظة/الراهن تتغيّر الأشياء والأشكال والمنظورات.. العالَم لا يسَعه طفلُ اليوم مثلما كان طفل البث التلفزي الأرضي الوطني والوحيد يَسَعه. ولا شك أن قواعد التربية وضوابط التنشئة الأسرية بدورها نالها نصيب وافر من التغيُّر والتغيير.
لكن الوعي لا يغوص عميقا في بحث التمثلات التي تمتلكها الأسرة والتمثيلات الموازية التي يبنيها الأطفال. فرغم حرص الأسر على تمرير تمثُّلاتها عن الحياة والإنسان والعالم والإله، إلا أن الجيل الناشئ يشيد بدوره، وبشكل فردي وجماعي وكوني، تمثلاته عن العالم بعيداً عن مُدركات الأسرة وقيمها وثوابتها.
2 ـ السؤال واكتشاف العالم:
قد يصح القول إن السؤال هو أصل اكتشاف العالم، والأجوبة مجرد متغيرات تقترحها الأزمنة والأمكنة والمدركات. فالسؤال رافق الإنسان في كل المجتمعات، ووضعه أمام قراءة العالم، وفق أدوات العصر وقدراته وظروفه.. لأجل ذلك اقترح الإنسان بصورة فردية والمجتمعات بصورة جماعية أو وطنية أو قومية أو أممية، الإجابات الملائمة لثوابت العصور ومتغيراتها. لم يكن السؤال مجرد دهشة اكتشاف تعْـلَـق على لسان الإنسان/الطفل في محاصرة لزوابع من، وماذا، وكيف؟ ولماذا ومتى وأين؟… بل لاحق التطورُ الإنساني في الفـلسفـة والفكر والعلوم والتـكـنولوجـيا والبـرمـجـيات كلَّ الأسئلة الممكنة والممنوعة والمباحة والمحظورة، وحيَّن الإجابات المحتملة.
في ضوء كل ذلك قد يبدو جليّاً أن انصراف الإنسان عن التساؤل والسؤال وضع غير طبيعي. فحين يخبو على لسان الإنسان/الطفل الفضولُ الفطري، حينما تَضِيع أبجدياتُ الأسئلة وتمرينات الدهشة وتدريبات اكتشاف العالم، فذلك يعني في وعي العِـلم احتمالين اثنين متجاورين أو متقاطعين. أولهما أن يكون الإنسان/الراشد ومجتمع «المعرفة» قد قدَّما الإجابة على كل الأسئلة المتاحة والمباحة والممنوعة والمحظورة.. ولم تعد هناك مساحة للاكتشاف أو البحث أو السؤال.. مما يلغي كل نوازع التنسيب العلمي ويؤسِّس لكل نوازغ اليقين الإيديولوجي.
وثانيهما أن يكون الإنسان/الراشد ومجتمع «المعرفة» قد نجحا في تدجين صوت السؤال الفردي، في اتجاه طمس أسباب الاختلاف والتعدد، وإلغاء فعل التفكير المتحرِّر من اللحظات/العصور السابقة، بعد اكتساح الأجوبة الجاهزة والمُعدَّة ـ على قياس التراكم الإنساني أو الإرث الحضاري ـ لكل فسحات النظر وإعمال العقل والتبصُّر. ولا يعني الأمر في هذا الاحتمال الثاني ما ذهب إليه الاحتمال الأول من انتصار لليقين الإيديولوجي ضد التنسيب العلمي، وإنما يحيل إلى شيخوخة الفكر وارتفاع منسوب الخرف، وتعطيل خلايا الدماغ المفكِّرة والمتأملة والعاقلة.
3 ـ صُنْع الإنسان وإحْداث العالم:
الإجابة مهما كانت ذكية أو غبية.. عالمة أو بليدة، هي مقترح إجابة في لحظة محدَّدة مقتطعة من الزمن. قد يسيل الخطُ الأفقي للحظة ويتجاوزها، وقد تحفر عميقا في الخط العمودي فيشيِّد على مقترحها الزمنُ اللاحق بعض متغيِّراته أو بعض ثوابته. لكن الإجابة تظل عابرةً للمعنى. تجوب الفكر في رغبة لاحتضان فوران التأمل والانشغال بالموضوع أو الظاهرة أو الإشكال، نحو الهدأة والسكينة.. ولا يعني الوصول إلى الحل الجزئي عبر الإجابة المُقترحة استيعاب كل أفعال التأمل والتفكير. فالإنسان يُصنَع وفق التمثُّلات الجاهزة التي بناها المجتمع الذي يشارك في تشكيل ذلك الإنسان، ووفق التمثلات التي قد يبادر ذلك الإنسان إلى تشيـيدها في محاورته لثابت التمثُّل الجاهز بمتغيِّر التمثل المُصاغ. ولأجل ذلك صُنْع الإنسان لا يعني في الإحالة إلى الإنسان/الطفل انشغالاً فرديا لمجموعة بشرية صغرى هي الأسرة، بل إنه إحداثٌ للعالَم بأكمله. إن الإنسان حين يُصنَع والقصد بالصُّنْع أو الصَّنعة لا يحيل إلى مَدخل المقال والسؤال حول «كوكب الجنة»، مثلما لا يحيل إلى خاص الحديث النبوي حول ولادة الطفل على الفطرة وتولي الأبوين تعديل تلك الفطرة بالمُكتسَب الثقافي نحو نسق ديني معيَّن، بل يحيل الصنع والصنعة إلى عام الحديث النبوي وإلى كل الأسئلة والإشكالات التي ترافق عوالم الطفولة ومدركاتها.
إن الإنسان يُصنَع بما يُقتَرح من إجابات على الأسئلة الأولى في طفولة الدهشة والبراءة واكتشاف العالم، أو بما يُقـتـرَح من ردود على الفـضول الطبـيعي نحو المعـرفة والعـلـم. وبهذا الإنسان يتمُّ إحْداثُ العالَم الذي ترغبُه الأمم والحضارات.
فهل يستطيع الجهل أن يكون رفيقاً بالفضول، أو أن يحتضن السؤال ويقترح الإجابة المعزِّزَة لرغبة الاكتشاف والتجاوز والتجديد، أو أن يربِّي مَلكة النهم المعرفي والظمأ العلمي؟
قد يكون مفيدا للتأمل وللتمرين الفِعلين في لحظة الكتابة هذه تغييرَ وجهات الأسئلة بشكل جذري بُغية أن تعيدوا كتابة المقال أثناء هذه اللحظة التي بلغتموها من القراءة، بفضل تصوراتكم الخاصة واقتراحاتكم للإجابات المحتملة.
لنُضف، إلى الجهل المُستفسَر أعلاه حول إمكان احتضان أنساقه المُستشرية لإرهاق الأسـئلة، معـطـياتٍ أخرى تضع المعـادلـة أمام مستـوى أصعـب ومرحـلة بـالـغة الـتعـقيـد والتحـدي.. لنضف الحـروب التي تؤثث عالم الـبراءة بكل الانـتـهاكـات، ولنضف الفـقر والجوع والبؤس والاستبداد… ولنـلوِّن شـاشـة الـواقع بكل القـتامة المـمكـنة والممنوعة والمـباحة والمحظورة.. والمستبيحة لكل سبل الحياة الكريمة، ولنتساءل بعـدها أمام جغـرافـيـات الواقع الذي تكتـسحه الجـثث والضحايا والمعطوبون والانتهاكات والفوضى كيف يُصنَعُ الإنسان/الطفل؟
كاتبة من المغرب
سعيدة تاقي