لدى متابعتي الدراما باللغتين العربية والإنكليزية (المدبلج ليس مفضلا عندي)، أعتقد أن الدراما المشغولة جيدا وبذكاء تحمل رسائل سياسية ضمنية وذكية لها قدرة تأثير أكبر بكثير من عشرات نشرات الأخبار والتقارير الصحافية المباشرة.
الدراما الأمريكية، وهي فعليا مسيطرة على شاشات العالم بالترجمة أو الدبلجة، أعتبرها الأفضل والأذكى والأكثر قدرة على الترفيه، ومقابل كل ذلك هي الأخبث في تضمينها رسائل ذكية تزرعها في وعي المشاهد، سواء في السيناريو المشغول بدهاء، أو القصة المحبوكة باتقان، أو حتى بالصورة التي لا تنطق ولا بأي كلمة لكنها كافية لتوصل الرسالة.
مثلا، أتابع على التلفزيون البلجيكي، مسلسلا أمريكيا، تبثه القنوات العربية أيضا، لكن أنتبه إلى حلقات معينة من مسلسل «القانون والنظام – LAW & ORDER» فأجد مثلا أن المدعي العام في المسلسل من يهود نيويورك، وفي مكتبه صور شخصية له مع مسؤولي الولاية ومع الرئيس الأمريكي ومع أريل شارون يسلم عليه!! صورة صامتة في الخلفية تستمر ببث نفسها للمشاهد طوال فترة الحوار، الذي ينطق به الممثل حول جريمة لا علاقة لها بإسرائيل ولا بالشرق الأوسط كله، إلا أن المشتبه به، يحمل اسما يكاد يوحي أنه من أصول عربية!!
إذا تحققت الرسالة للمتلقي (الأمريكي خصوصا) عبر ما يسمى بالإيحاء غير المباشر الذي يزرع في وعيه ووجدانه بدون أن يشعر بقربه من إسرائيل، تقارب وجداني مزروع بالإيحاء، مقابل وضع العربي بثوان بسيطة في خانة المشتبه به كمجرم مغتصب.
جل ما فعله الإعلام العربي أنه شطب تلك الحلقات من السلسلة، التي اشتراها وبث السلسلة من دون أي حلقات قد تثير المشاهد العربي، وهو ما يمكن تشبيهه بدفن الرؤوس في الرمال لا أكثر.
الدراما العربية لم تحقق في انتاجها بالإجمال إلا حوار الطرشان، ولم تعمل يوما على توجيه رسائل ذكية حتى لمشاهديها إلا ضمن أجندات سياسية إقليمية، في باب المناكفات المحلية التي تزيد الشرخ تصدعا.
المثال المذكور ليس حصريا في الدراما الأمريكية بالمناسبة، أغلب الدراما الأمريكية بكل تصنيفاتها، سواء كوميديا أو حركة أو تشويق وحتى خيال علمي فيها رسائل مشغولة بعناية وموجهة بحرفية. وما علينا إلا أن ننتبه.. قليلا.
وقعة «المعلم» سعد لمجرد
عطفا على ما سبق، فإن الإيحاء أصبح فنا إعلاميا مهما، وتجاوز الإعلام دوره الحقيقي بنقل الحقيقة أو الخبر، كما هو إلى أدوار معاكسة في المضمون، ليصبح الإعلام أداة سحرية فعالة لتوجيه الرأي العام، وأهم أسلحته الإيحاء المستمر فتضيع الحقيقة كإبرة في كومة قش الأخبار وعمليات التضليل الضخمة بالصوت والصورة.
سعد لمجرد، فنان مغربي له نجوميته الكبيرة في عالم الترفيه، وقد ساهم الإعلام في تلميع تلك النجومية، وهذا النجم المغربي المشهور بأغنيته «إنت معلم» وقع وقعة المعلم الكبيرة في فرنسا وهو الآن في عهدة القضاء الفرنسي بقضية أخلاقية مرفوعة عليه تفاصيلها واهية حتى الآن.
هذه التفاصيل كانت أولوية لدى الإعلام العربي وقرر هذا الإعلام «بكل أجنداته السياسية» أن نزوة جنسية لشاب مغربي، نجم في عالم الغناء مهم إلى درجة الطغيان إلى حد تغليبه على خبر مواطن مغربي آخر، يعمل كبائع سمك فقير الحال، قرر ضابط بوليس بعقلية قمعية وصلاحيات أمنية أن يحكم عليه بالإعدام في مفرمة طاحنة نفايات، لأنه اعترض على الظلم.
خبر سعد لمجرد يجد مساحة واسعة في نشرات الأخبار، بل وتقارير مصورة وحوارات تعالج قضيته التي هي في الحقيقة لا تتعدى (لو صح الإدعاء) أكثر من هورمونات الترف الجنسي لديه، بينما الحكاية المأساوية لبائع السمك المغربي وجدت لها مساحة دقيقتين في أحسن أحوال النشرات الإخبارية.
هذا أحد أدوار الإعلام الحديث، بتحويل الانتباه من المهم الى الأقل أهمية وبعضه يذهب الى ما ليست له أهمية أبدا إلا الإثارة.
أين القضية الفلسطينية في إعلام اليوم؟
الأمر ذاته يحدث في جوهر قضايا العرب، القضية الفلسطينية، فبينما نحن مشغولون بصراعنا التاريخي المستجد بين شيعة وسنة في معارك الموصل وحلب، يصبح الخبر الفلسطيني في ذيل النشرة الإخبارية ومختزلا بجهد خبيث إلى صراع بين عباس ودحلان من جهة، مع صراع فرعي بين فتح وحماس.. وتصبح القضية الفلسطينية قضية فصائل، ولم تعد قضية فلسطينيين، ولا قضية عرب وهو الأساس.
النكتة على الطريقة اللبنانية
ومثل غيري.. تابعت بمتعة الكوميديا، وقائع انتخاب الجنرال ميشال عون رئيسا لجمهورية لبنان بعد فراغ رئاسي أعتقد أنه أفضل ما مر في لبنان مؤخرا.
لست بصدد تقييم شخص بحجم عون، فهو سياسي لبناني قديم، وبعيدا عن خندقات البعض بالتأويل، حسب الأجندات والبوصلات السياسية، فإن اللبنانيين أدرى بشعابهم، ورجالهم.
لكن، الجلسة النيابية في مجلس النواب كانت ممتعة وظريفة ولا أقصد السخرية هنا، بل أقصد هذا الحس الظريف عند اللبنانيين، والذي لا يتحمله باقي العرب عموما، لفرط جديتهم وقساوتهم.
المشهد في المجلس النيابي اللبناني كان حلوا ونادرا قياسا لدواوين ومجالس العرب، فالنواب اللبنانيون على اختلاف عقائدهم وطوائفهم وانتماءاتهم السياسية كانوا تحت سقف برلماني واحد، والخصوم تجاوروا في المقاعد بدون أسلحة ولا دم، وجولات الاقتراع الأربع التي سخر منها البعض واعتبرها مهولة رأيت فيها تمسكا بالدستورية والقانون (ولو شكلا)، ووضع ورقة فيها اسم العارضة اللبنانية المثيرة مريام كلينك، كمرشح لرئاسة الجمهورية حركة ظريفة ورسالة لاذعة من سياسي مجهول، وإصرار النائب سامي الجميل على أن لا تلغى الورقة ثم رد المعتق نبيه بري الفوري والنبيه بأنها أرثوذكسية وليست مارونية يكشف عن سياسة مغلفة بخفة الدم في لبنان.
الناشط الأردني الساخر يزن دبابنة التقط مفارقة كلينك وعلق قائلا «النائب يللي حط اسم مـريام كلينيك في ورقة التصويت للرئاسة اللبنانية، اختصر بكلمتين عصفورية المشهد السياسي في الوطن العربي».
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة