القاهرة ـ «القدس العربي»: صناعة الأفلام عند المخرج الإيراني جعفر بناهي هي الدافع الأكبر للاستمرار في هذا العالم الموحش، أن تصنع فيلماً ليس بهذه الرفاهية التي يمارس بها البعض صناعة الأفلام، عند بناهي ظلت صناعة الفيلم دائماَ قضية يسعى إلى الانتصار فيها واقتناص حقه الطبيعي في إثبات موهبته كمخرج وصانع أفلام، يحركة شغف ما لإثبات شيء أو نفيه، المخرج الإيراني (52 عاماً) استطاع أن يرسخ مشاركة إيران في كبرى مهرجانات السينما في العالم ويقتنص لاسمها عددا كبيرا من الجوائز الدولية، رغم محاصرة الحكومة الإيرانية لأعمال بناهي ومصادرتها ومنع عرضها بسبب ما تحمله من انتقاد لممارسات حكم الملالي ضد المرأة بشكل خاص، وللمجتمع الإيراني بشكل عام.
بناهي الذي ينفذ منذ أربع سنوات حكما بالسجن والمنع من كتابة الأفلام وإخراجها وعدم مغادرة إيران لعشرين عاماً، وذلك لمحاكمته بسبب مشروع حلم لم يشرع في تنفيذه، اتهم بمعاداة سياسة الدولة، لكن بناهي لم يخضع لهذا الابتزاز وعمد لاستكمال مشواره وصنع ثلاثة أفلام في أربع سنوات، عرضت جميعها في مهرجان كان وبرلين وحظيت بجوائز رفيعة، ليس لمستواها الفني الخارق بالطبع، ولكن لأنها تحمل رسالة صبر ونضال من مخرج يرى أن الحديث بالصورة لغة أرقى من أن يستطيع أي نظام فاشي منازلتها أو حجبها. قدم بناهي فيلمه «هذا ليس فيلماً» من داخل إقامته الجبرية في منزله عام 2011، وصل الفيلم تهريباً داخل كعكة ليعرض في مهرجان كان، وشاهده الجمهور في إيران والعالم عبر شبكة الإنترنت وشاهدناه أيضاً، هو حقاً ليس فيلماً لكنه وثيقة بصرية عن نضال فرد يعيش في مجتمع فاشي، في هذا الفيلم الذي يفتتح ثلاثية بناهي، التي هي في الواقع ليست أفلام تحاكي سيرته الذاتية لكنها مقطع من حياته التي تحولت إلى كابوس، يجسد بناهي تفاصيل حياته اليومية داخل منزله، حيث يعكف على كتابة سيناريو فيلم جديد خفية، وينقل بناهي المشاهد إلى داخل الفيلم ليتشارك معه حلمه المستحيل، ولا يسعنا إلا أن نبكي ونصفق في أن، الملحمة قد تبدو للبعض أزمة شخصية مقارنة بما تعيشه شعوب في صراعها اليومي مع الموت، لكنها ليست قضية ذاتية، هو حال أمة بالكامل ترتبط في تسلسل بكل ما يحدث في أي مكان. من شاهد أعمال بناهي الأولى مثل «المرأة» و«ضربة تسلل» و«البالون الأبيض» ومن يدرك الوضع الذي بات عليه الآن وما تشكله السينما من أهمية عند هذا الإنسان، يدرك جيداَ أن تعاطي الفنون يتوقف أحياناَ عند تعاطفنا مع ما يحيط بصناعة العمل الفني، وأحياناً يجب أن نفرغ أذهاننا من القوالب الجاهزة التي اعتدنا استخدامها في تلقي الفنون، في القضايا الكبرى تتنحى كل الجماليات الفنية المتعارف عليها وتطغى القضية الأكبر على العمل، بناهي لم يقدم في هذه السلسلة أعمالاً عظيمة فنياَ، لكنها تمثل له سببا ما للاستمرار في الحياة.
فيلمه الثاني «الستائر المغلقة» الذي عرض ضمن فعاليات مهرجان برلين وحصد جائزة أحسن سيناريو يتماس مع فيلمه الأول في امتداد الأسلوب السينمائي الخاص الذي صنعته محنة بناهي، الفيلم الذي عرض الأسبوع الماضي في القاهرة ضمن فعاليات برنامج مزج لعرض الأفلام التسجيلية، الذي تنظمه سينما زاوية، للوهلة الأولى بدت قاعة العرض مكتظة بالجمهور حد جلوس بعض المشاهدين على الأرض، لكن لم يستمر هذا النضال حتى الربع الأول من الفيلم، وانسحب العديد من الجمهور من قاعة العرض، أن يعرض فيلم إيراني لمخرج تحت الإقامة الجبرية بسبب آرائه السياسية هو حدث مهم خاصة عند النخبة التي تدرك حجم بناهي في تاريخ السينما العالمية، أما الجمهور العادي الذي جاء ليشاهد فيلماً عادياً خاب ظنه وهجر القاعة بعد دقائق، ولكن ربما يدفعه الفضول للبحث حول ظروف صناعة هذا الفيلم، الذي لم يستطع احتمال أسلوبه الخاص جداً، أزمة تلق، بالفعل المشاهد العربي يعاني أزمة كبيرة في تلقي الفنون، خاصة التي تقدم أسلوب طرح مختلف عما اعتاد عليه، في مجتمعنا العربي نفتقر إلى وجود ثقافة سينمائية حقيقية مع سيطرة المنتج الأمريكي على الشاشات، وتدني مستوى الأفلام العربية، وغياب السينما الأوروبية.
على عكس تجربته الأولى الذي طغى فيها الحوار على الصورة، جاء بناهي بفيلمه الثاني في هذه المجموعة، أو بالأحرى يمكن أن نسميها بالتجربة وليس الفيلم، جاء بسيناريو يمزج بين التسجيلي والروائي، تراجعت حدة الحوار، ترك للشخصيات حرية التعبير، وكسر بناء الصورة التقليدي، حيث تتحرك الكاميرا بعشوائية أفلام «الهوم فيديو»، الفيلم هو تفريغ المخرج لشحنة امتلائه بالأفكار، عبر مشهد قصير من يومياته، استعان بأحد الأشخاص ليمثل دور بناهي في الحياة، وبممثلة أخرى تجسد حلم بناهي الذي لن يتحقق، يظهر بناهي من حين لآخر بين السطور يكسر إيهام المشاهد بالقصة الخيالية لرجل مسن اختاره بناهي ليقوم بدوره، يهرب إلى بيته الساحلي مع كلبه خوفاً من اغتيال رفيقه الوحيد، حسب نظام الحكم الإسلامي الذي يقود أفراد الشرطة إلى اغتيال كل الكلاب في الشوارع، كونها من الكائنات المحرمة، ويدخل إلى الفيلم متسللاً عبر شاشات التلفزيون مشاهد حقيقية لذبح كلاب الشوارع على يد أفراد الشرطة، لن يستمر هذا الهدوء كثيراً حيث يقتحم شاب وفتاة منزل العجوز للاختباء من الشرطة، ويجد العجوز نفسه وحيداً مسجوناً بين الفتاة والكلب، يأتي بناهي ليهدم هذا البناء بالكامل، ويظهر بين صور أفلامه السابقة يلقي عليها نظرة حسرة، العجوز ليس سوى انعكاس لحالة بناهي النفسية، والفتاة هي الأحلام التي تخنقه كل ليلة ولا يستطيع طردها.
ليس بناهي وحده من يعاني من سطوة الحكم الفاشي في إيران، المخرج محمد رسولوف الذي اعتقل أيضاً ومنع من مغادرة إيران، وحكم عليه بالسجن لمدة ست سنوات مع فرض حظر العمل لمدة عشرين سنة بتهمة تهديد الأمن القومي، إلى أن تم تخفيض مدة عقوبة السجن إلى سنة واحدة، حيث قضى رسولوف بضعة أسابيع في جناح السجناء السياسيين في سجن إيفين بطهران وهو أحد أشد السجون شهرة وقسوة، ثم تم الإفراج عنه بكفالة. ومارس الإخراج سراً وعرض فيلمه «إلى اللقاء» في العام نفسه الذي عرض فيه بناهي «هذا ليس فيلماً» في كان، كما منعت السلطات الإيرانية المخرج محمد رسولوف من السفر إلى هامبورغ بألمانيا لحضور عرض فيلمه الجديد «المخطوطات لا تحترق» العام قبل الماضي.
أخرج «رسولوف» فيلمه «المخطوطات لا تحترق « في سرية وعمد – كما عمد بناهي- إلى عدم ذكر أي اسم من طاقم فريق العمل خوفا على حياتهم، وقام بتصوير الفيلم بين هامبورغ وطهران، وقد عرض الفيلم في الدورة الأخيرة من مهرجان كان أيضا، وحصل على جائزة الفيبريسي.
في دول المنفى، حيث يعيش عدد كبير من المخرجين الإيرانيين الذين يصنعون أفلاما باسم إيران، حالهم ليس أفضل كثيراً من مخرجي الداخل، هم لم يتخلوا عن سمات الأفلام الإيرانية، حيث الإغراق الشديد في الرمزية، عباس كيروستامي ومحسن مخملباف وعائلته السينمائية سميرة وهنا مخملباف وبهان جوبادي ومجيد مجيدي، وجميع من صنعوا تاريخا حديثا للسينما الإيرانية ليسوا بمنأى عن هذه الاعتقالات الفكرية والجسدية التي تعرض لها بناهي ورسولوف، ربما هناك العشرات من المعتقلين في إيفين لن نعرف عنهم شيئا، فقط لأنهم غير مشهورين.
رانيا يوسف