الإيطالي باولو سورينتينو يقتفي أثر مواطنه فلليني: عندما يأبى الشباب أن يعتق أرواحنا

حجم الخط
0

باريس- من علا المصياتي
التناقضات لا تنتهي، وما أكثرها قدرةً على صنع دراما تحرك خيوطها الوقائع الباردة، التي غالباً ما تأتي متأخرة فتكون غير مؤثرة. وفيلم «شباب» للمخرج الإيطالي باولو سورينتينو، الحائز جائزتيْ أفضل فيلم وأفضل إخراج في مهرجان كان العام الفائت، يتشكل في جوهره من مجموعة كبيرة من هذه التناقضات. يغريك عنوانه الذي يبدأ به الحكاية، وبوستره الذي يضيف إليها إشكالية، لتكتشف بأنه فيلم حول الشيخوخة والماضي، الحلم والشباب الفائت.
والتناقض هو الركيزة المثلى التي اختارها سورينتينو، في آخر إنتاجاته السينمائية «الجمال العظيم» (2014)، و«شباب» (2015)، أوصلنا من خلالهما لمنطق فني وسينمائي عالي المستوى اختص به، حيث يمزج وعي شخصياته العجائبية واختلاف أحلامها مع غرابة الأزمنة، ويوصلنا لخلاصة فكر إيطالي يحمله في قلبه مستنسخاً إياه عن إيطاليا الأم، وبالطريقة التي يحبها بها، فهو مشبع بالضرورة بصور فيدريكو فلليني، الذي اعتمد سورينتينو على رؤاه الفكرية بشكل واضح ومتقن، فحرص بدقة على نقل رحلة بحث عن السعادة في الجمال العظيم لرحلة بحث عن الذكريات، واقتفاء أثر شباب فائت. وكأنها امتداد لرحلة الصحافي مارشيلو روبيني، بطل فيلم «الحياة حلوة»، ذلك الشباب بكل معانيه الحيوية والنفسية من الجسد والمخيلة إلى السلوك، أصبح هنا مجرد أثر يخضع لمقاربات ومناقشات يعالجها المخرج من خلال الصورة، التي ترك للطبيعة حرية تركيبها كما تشاء.
في أحد منتجعات سويسرا النابضة بالحياة في مكان تتراوح ألوانه بين الأزرق والأبيض، كل شيء هنا يحيلك للهدوء، ولكن أمعن النظر أكثر ستجد أنه ليس إلاّ مكاناً للموت. يكمله سورينتيو ككاتب سيناريو أيضاً بنسج متناقضات حكايته، فهذا الشباب لن يتوقف عن طرق باب الزمن ومجاورته، وسيسكن داخل القلوب والظنون ليظهر أثر ذلك على الوجوه والأجساد.

هروب

فريد بلنجر الذي قام بدوره الممثل مايكل كين، مؤلف موسيقي أراد التقاعد والانعزال، أمّا ميك (هارفي كيتل) فكاتب سيناريو ومخرج سينمائي يعمل مع كادره المساعد الشاب، يتناقشون ويعملون معاً، يقوم بكل ذلك ثم يعزم على كتابة وصيته. يقع فريد في أزمة عمل عندما تطلب منه الملكة إليزابيث (ملكة بريطانيا) تقديم موسيقاه في عيد ميلاد الأمير فيليب، الذي اعتاد عليها وأحبها. يرفض لأسبابه الشخصية ويسعى عوضاً عن ذلك إلى الطبيعة المحيطة به، ليؤلف لحناً تخيلياً من رنين أجراس الأبقار التي تصدره أثناء مشيها في الفلاة، ويستمتع بتلك الموسيقى وينسجم معها فتحقق له السعادة اللحظية، ويعد هذا المشهد من أهم ما يقوم به الممثل مايكل كين، الذي يحمل في تضاعيفه هروباً مفتعلاً من ذكرى الشباب والعمل إلى الطبيعة، التي رسمها سورينتينو بدقة لتكون معادلاً بديلاً لما يجري داخل غرف الفندق وداخل تلك الشخصيات.
لا يريد فريد العزف مجدداً، لأنه لا يريد أن يسمع موسيقاه سوى زوجته، التي فقدت ذاكرتها وفقد هو معها الرغبة في الحياة والعمل. وكأن الزمن توقف عند توقفها عن التفكير والاستمرار.

ما الذي يجمع كل تلك الشخصيات هنا؟

حتماً ليست المصادفة. تتلاقى هذه الشخصيات على اختلافاتها العمريّة والثقافية، لتجريب واختبار الحقائق والبديهيات، حيث يدفعها حاضرها لذلك الصراع، في مكان مثل هذا المنتجع الصحي، كل التناقض والغرابة المجموعة في تكوينات النفس/ الجسد، الماضي / الحاضر ومحورها الشخصيات التي لم تتوقف عن التألم ولم تنه التعب، حتى في غرف المساج والساونا، فلم تكف عن استجرار ماضيها والتمتع بالوحدة حتى في الحجرات المظلمة.
حقيقةً كان هذا أكثر ما يضيف للغرابة الفكاهية بعداً مأساوياً، فكل هذه الأجساد الفتية تتقارب وتتجاور مع أجساد هرمة وتشاركها ثقل يومياتها وعبث تجاربها.
وباعتبار أنه من الصعب تناسي جغرافيا المكان، فإنك بكل تأكيد ستواجه آثار الشباب في الغرف والصالات وقاعات المساج والساونا وفي المسبح، وإذا غابت عند البعض بسبب العمر فهي واضحة عند الآخرين. بعض الحزن عند الشبان والكثير من القلق عند الكهول، قد لا يبكينا شيء لكننا نقف عند مفارقات حياتية مفزعة تثير خوفاً وحزناً كبيرين.
مجدداً فريد الذي لم ينصع لإلحاح قصر برمنغهام رغم تكرار وتتالي الطلبات. لم يعلق في شبابه الذي غيرته كهولته البائسة، بل نراه متوقفاً عند لحظة حاضرة لا يتجاوزها، وهي علاقته بزوجته المريضة. أما ميك فيعلق أحياناً بنظريات حول الماضي والحاضر. ليقف خلال إحدى رحلات التصوير في جبال الألب عند التفكير حول ماهية الأبعاد الزمنية للصورة من خلال النظر عبر المكبر. ولكن لا فائدة. فالجلد المترهل والتجاعيد والوصفات الطبية والحاجة للاسترخاء من علامات المرض والكهولة، وأي محاولة لإبعاد ذلك عن محور الحدث غير مجد.
إلى جانب ميك وفريد مجموعة من الناس تتلاقى معهم اليوميات، فتتلاعب تلك الأحداث في فضاء المنتجع الصحي. زوجان صامتان دوماً يتغلبان على صمتهما عندما يمارسان الجنس في الطبيعة، التي تعود لتكون ذلك البديل الدائم لكل الحاضرين. وممثل هوليوودي يتتبع فريد والآخرين ويقتبس منهم جملة أفعال ليضعها في شخصية هتلر، التي يريد أداءها من غير كاميرات ولا مخرجين، وأهمهم شخصية ماردونا الذي نقش على ظهره وجه ماركس، ولابُد من الاعتراف بأن هذه الشخصية تريب الآخرين وتلقي ثقلاً كبيراً بينهم فتلاحقها النظرات والأسئلة من قبل الجمع الهرم. فمارادونا باسمه الأسطوري لم يخبُ بريق ماضيه بعد. ونظراً للعلاقة التي يريد إظهارها سورينتينو بين الماضي الشاب لميك وفريد، الذي أصبح كحلم غابر، هناك مسألة قوة وضعف، كهولة وشباب تلقي بثقلها على الجميع والشباب قبل الكهول ليقف الجميع عند أسئلتهم المربكة حول الزمن.
شباب سورينتينو هو ازدحام الوجوه والأفكار وغياب الروابط المنطقية بين مفاصل اللحظات الزمنية. فتبدو ثيمة الجسد الفتي والجسد الهرم رديفا صوريا لكل ما يجري بين ملكة جمال الكون وميك وفريد والبقية. بعد زمني كبير ظاهر على الوجوه والأجساد والنظرات، ففي هذا الفضاء المليء بمتناقضات خاصة وفريدة وعلى قياس الجميع ستحدث المفاجآت لا محالة. ربما توجتها لحظة مكثفة تتقارب سينمائياً وزمنياً مع صورة أنتجها خيال فلليني في فيلمه «الحياة حلوة» (1960) حيث كثف جمال إينيتا إكبرغ التي تدخل على مهل إلى البحيرة تغازل جسدها تحت الماء تاركة مارشيلو ماسترياني حائراً مضطرباً، ليعيد سورينتينو تثبيت ذلك الزمن في مشهد نزول ملكة جمال الكون إلى البركة أمام ميك وفريد اللذين لا يقويان إلاّ على الوقوف والتفرج.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية