الإِقَامَة الشعرية

«يعيش الإنسان شعريا على الأرض» هولدرلين
إن ضالة الكائن الشعري التمكن من صياغة الكينونة في الوجود شعريا، ذلك أن الحياة عبارة عن مسالك يَعْبُرُهَا الموجود ليترك عليها وفيها أثرا ما، هذا الأثر يُمْكِنُ وصفُه بالإقامة شعريا، أي أن الكائن لا يستطيع الاستمرار في العالم المسيج بالغثيان؛ بتعبير روكنتان ـ بطل رواية «الغثيان» لسارتر ـ دليل على كون الوجود يثير في الذات الشعور بالقلق والشكوك، التي تدفعها للبحث عن كل ما من شأنه تحقيق يقين الزوال والغياب.
فالوجود مرآة تتمظهر عليها حيوات الكائنات بشتى الأصناف والتسميات، لكن عودة الإنسان إلى هذه المرآة بغية انجلاء ما يجعلها دائمة الإحساس بعبثية اللاإقامة، التي نقصد بها العبور المجاني في الحياة، وهنا الفيصل بين العيش والحياة، فالأول صفة تمحى بالغياب، في حين الثانية تدوم بالحضور الشعري، وهذا لا يعني أن التشكلات التعبيرية الأخرى خارج هذا السياق، بل هي الأخرى تؤكد على حقيقة الاستمرارية المعنوية. 
من هنا نجد هولدرلين يوجه نداء عميقا؛ وجديرا بالتأمل والتفكر، على اعتبار أن المسكوت عنه في هذه الحكمة ـ التي هي ضالة الشاعر ـ يخفي حقيقة الموجود في الوجود، بعبارة أوضح على الإنسان ألا يفرط في الكينونة المهددة في الحياة، بالعدمية والفراغ، الشح الروحي والغنى في السأم، إنها دعوة إلى شق طريق مغايرة عن الآخر بفتح طريق الشعر، عبر الاحتفاء بالغامض في الوجود والمبهم في الكينونة.
هكذا يبقى الشعر منبعا لصفاء الوعي بالكينونة، والنهْل من ينبوع الجليل والمهيب في الوجود حتى تقدر الذات الباحثة دوما عن السكينة الطافحة بجلبة المخفي والمستور، لكون الشعر عصب الفكر الجوهري، ذلك أن الفكر الجوهري هو الطريق المبتغى من لدن الشاعر، للتبَصر في وجود كلما اتسع اتسعت الأسئلة حوله، وغاص الموجود في بَحْرِ القلق والاحتراق، على اعتبار أن صفاء الوعي لا يتحقق إلا عن طريق الإقامة في التخوم، أو المابين التي تجعل الكينونة في مجابهة سؤال كيفية الِاسْتِيطَانِ في الوجود، هنا نستحضر نداء الشاعر الذي يثير حيرة الموجود الساعي إلى المكوث ماديا في الكون، من خلال، السكن بدون أن يدري أنه غريب فيه، فالغربة المتحدث عنها غربة الرغبة في الديمومة، غير أن هذه الديمومة تخلق داخل اللغة باعتبارها مسكن الحقيقة بلغة هيدغر.
فماهية الشعر لا تكمن في شكله، بل في قدرته على إيقاظ الفكر من غربته، وإزالة الغموض عن حيرة الإقامة. إن الشعر، في جوهره، تلبية لنداء الأرض كموطن لهذه الغربة الفكرية، ومن ثم غربة الذات في عالم هويته الخراب القيمي والإنساني والحضاري، ولنداء الآتي كمنقذ للكينونة من الزوال، وكملاذ لقول الحيرة الوجودية، التي تمثل الحافز الأساس للشاعر للحفر في طيات الذات، والكشف عما يعْتُورُها من مكابدات، جراء البحث عن الخلاص من هذا الموت المتسرطن في الموجودات التائهة، بفعل الانغماس في الزائل والسطحي، بغية الإحساس بالكينونة التي تتعرض للمسخ والتهجين بسبب هذا الظمأِ الأنطولوجي ـ بتعبير عبد الجبار الرفاعي ـ والشعر في صُلبه مكمن هذا العطش، هذا الاندهاش أمام جلال الغموض المتلبس حقيقة الوجود، لذلك يسعى إلى التفكير في خلق اللغة التي بمقدورها احتواء هذه الحيرة الوجودية، التي تبقى في حكم المستحيل، وكذلك أمام هذه الأغلال التي يتفنن الزمن في تطويق الإنسان بها، وعليه يختار الشاعر الخلق في اللغة حتى تكون الحاضن لهذا الكشف والانكشاف، الإفصاح عن المكنون والتعري في وجه قتامة الوجود، بعبارة أخرى إنه كشف وتمزيق للحجب، وإقامة في الآتي.
 تلك مزية الشاعر الحصيف الرؤيوي؛ المتشبع باختراق الممكن لتأسيس المستحيل إبداعيا، بواسطة خلخلة منظومة القيم الإبداعية حتى يتحقق إقامة في ذاكرة الإنسانية، ويستمر حضورا لا غيابا، وكثير من الشعراء المُفْلِقين ـ بعبارة القدامى ـ استطاعوا أن يخلدوا بإبداعاتهم الناطقة بلغة المستقبل والتكهن برؤى لا تعرف الثبوتية؛ بل تتميز بحيوية اللغة النابضة بأبعاد دلالية مفتوحة على احتمالات مختلفة، وهنا صُلْب علاقة الموجود بالأشياء والوجود، إذ يهدف الشاعر إلى إظهار حقيقة الوجود في الموجود شعريا، أي محاولة القبض عما يحقق للغة التمظهر الفعلي في الشعر، فكل حديث عن الشعر يستلزم الحديث عن اللغة، هذه الأخيرة يتجلى فيها نداء الذات والوجود والكلمات والأشياء، وكل ما يشحن المتخيل الشعري بالقدرة على مراودة المستقبل والمجهول. وهنا موضع سؤال الكينونة المنبثق من عمق الرغبة في الاستمرارية والديمومة، ذلك أن الشاعر في جوهره لا يلبي نداء الذات، وإنما يستجيب لنداء العالم الذي في أمس الحاجة لإضاءة دهاليزه المحيرة والمعتمة، ومن ثم فالشعر يقول العالم باللغة، وعليه فهو وعاء للمعاني والدلالات التي من خلالها نعطي للوجود تاريخيته ليست الآنية، ولكن تاريخيته الممتدة في اللانهائي.
 إذا كان الشعر نداء الأرض للعودة إلى الينابيع الأولى لتشكل الوعي بأهمية الكشف لا التعبير، عن طريق اللغة المنبثقة من نزيف الأسئلة الحارقة حول مصير الكينونة ومجابهة الذات للموت، الشيء الذي يحفز الشاعر إلى المضي صوب التيه وخوض مغامرة الكتابة الشعرية المفتوحة على الاحتمالات والشكوك، الحيرة والدهشة، الحياة والموت، الغياب والحضور، كتابة لا تقف عند ظاهر القول بقدر ما تغوص في الباطن. هذه العودة عودة نحو التجدد والتشكل، الخصوبة والخلق، والتحرر من أغلال الفكر الخرافي الممعن في الحط من قيمة الإنسان، ومعانقة النور الساطع في القصي من العتمات والمبهم في الوجود والموجود. وعلى أي حال فإن هذه العودة لا تدل على الجانب النكوصي، بل توحي بضرورة الرغبة في الانكشاف الذي يجعل الموجود يتمثل ككينونة تنبلج في لحظة الغياب بصيغة الحضور، وهنا مكمن الشعر المنبثق من رحم العودة إلى الينابيع، ومن ثم إلى أصل الخلق والحياة. وهو كذلك مقاومة للعدم، من خلال، الانتصار للحياة، فالشاعر، في جوهره، ينبذ كل ما يجعل الذات والأرض واللغة مكبلة الإرادة في الإفصاح عن جمال الوجود بمعناه الأنطولوجي.
والكشف عن البهاء الباطني من سمات الشعر المحفز الذات إلى البحث عن إنسانيتها في ظل ما يجري من تشويه للقيم السامية، بالترفع عن الجانب الحيواني ومطاردة الجانب الماهوي (من الماهية) في الذوات المصابة بداء النقصان، فبالشعر تبحث الذات عن صوت الإنسان المخنوق والمبحوح بفعل هذا الشعور النقصاني، وفي هذا تدريب الحواس على مغازلة البهي والجميل في الكينونة والوجود، أي الإقامة في اللغة للتعبير عن هذا المختلف في الوجود والمتشظي في الموجود؛ ما يعطي الأولوية للتفكير شعريا في هذه اللغة المنبثقة من رحم المكابدة كشرط أبدي للخلق وصناعة المستقبل. وتاريخ الإبداع الإنساني تاريخ الألم النابض بسؤال البدايات والنهايات، ذلك أن المبدع، وهو يخلق التجربة، لا يخلقها من عدم، بل من وجود مسربل بأسئلة النزيف الداخلي، والاحتراق المشع بضوء المقبل، هنا يكْمُن عمق الترحال في مسارب الفكر، الخيال واللغة، التاريخ والخرق، للوصول إلى الماهية الشعرية الكامنة في مناوشة اللانهائي والتمرد على سكونية السائد، وهذا ما يحققُ للذات المبدِعَة ديمومة شعرية أبدية ـ بلغة برغسون ـ محورها الإنسان والوجود.

٭ شاعر من المغرب

الإِقَامَة الشعرية

صالح لبريني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية