أَنشدت الأديان السماوية والفلسفات والأيديولوجيات المتوالدة منها إقامة عالم يسودهُ السلامُ والوئام، وينعمُ فيه الإنسان بالكرامة، متحرراً من نير العبودية محمياً من القوى التي تحاولُ سلب إرادته واستغلال احتياجاته الحياتية، لتفريغه من الرغبة للتطور في المستويات الفكرية والروحية.
هذا ما يُشَكِلُ الجوهر في متون الشرائع السماوية والوضعية، الأمر الذي يحدونا إلى التساؤل عن الأسباب وراء عدم تحويل هذه المبادئ، ولو جزئيا، إلى حقائق ملموسة على أرض الواقع؟ هل الخلل يكمنُ في الأفكار أو في الآليات المُتَبناة لفهمها وترجمتها عملياً؟ قد يَطولُ بنا البحثُ والتحري للعثور على الأجوبة التي قد تحملُ إشكاليات جديدة وتدفع بك إلى عدم الاقتناع بما هو في المتناول، لذلك من الأفضل أن نَنْصَرِف إلى مقلب آخر من التأريخ، وهو الحروب والصراعات التي لم تفتأ مشتعلة في كل الأطوار والمراحل التي مرت بها البشرية، إذ وظف الإنسانُ مُعطيات الحداثة ومُنجزات العقل لإذكاء نيران الحرب، كأن ما سماه عمانوئيل كانط بالشرِّ المُتجذر لدى الكائن البشري هو ما يتحكمُ بمسار تأريخه، وذلك ما قاد فلاسفة مابعد الحداثة إلى حافات اليأسِ من مشاريع تنويرية، وعبروا عن سخطهم بإعلان الانهيار للسرديات الكبرى.
لكن رغم أنّه لا يوجَدُ ما يبرر الحرب وتتهاوى مشروعية الحرب أمام ما ينجمُ عنها من الدمار والخراب على المستويين المادي والروحي، غير أنّ ما لا يمكن القفز عليه وتجاهله في هذا الإطار أنَّ الإنسان استفاد من تجارب الحرب، ونضج وعيه بأضرارها الجسيمة، ولولا مرور المجتمعات والدول بتجارب الحروب المريرة ما توصلت إلى معاهدات السلام والمصالحات، التي مهدت الطريق للازدهار والتطور في المستويات كافةً، ليس ذلك فحسب، بل هناك فلسفات وأفكار وصيغ تنظم حدود سلطات الحاكم وعلاقاته بالرعية ودوائر سياسية واجتماعية أخرى، فهي تولدت من رحم الحروب، هنا تمُر بالذهن الحروب الدينية في أوروبا، التي انتهت باتفاقية ويستفاليا 1648 التي يعتبرها هنري كيسنجر مُنعطفاً فى تأريخ الأمم، إذ رسخت هذه الاتفاقية، حسب تصور كيسنجر مفهوم سيادة الدولة، كما أكدت على حق كل طرف موقع في اختيار بنيته الداخلية الخاصة، وتوجهه الديني، ناهيك عما قدمه بعض الفلاسفة استناداً إلى بنود هذه الاتفاقية من نظريات سياسية حول دور السلطة الذي يتمثل برأي توماس هوبز في إنهاء حالة حرب الجميع ضد الجميع، من خلال تنازل الناس عن بعض حقوقهم مقابل توفير الأمن، عطفاً على ذلك فإن نشوء الفكر العلماني والحد من سلطة الكنيسة والعمل على بلورة مفهوم التسامح، كل ذلك من ثمرة اجتهادات المفكرين الذين تأملوا في مآلات الحرب وأعادوا ترتيب المفاهيم لمنع تكرار الكوارث الناجمة عن سوء استخدام السلطة والاضطهاد باسم المقدس.
يقولُ الفيلسوف اللبناني علي حرب، إن ما أقنع الدول الأوروبية بضرورة العمل لإنشاء كيان موحد يحفظ السلام الدائم بينها هو ما ذاقته تلك الدول من خيبات الحرب ومرارتها، وليس أطروحة كانط حول السلام، وبذلك يتبين وجود تفاعل بين ما يجري في الواقع وما تتوصلُ إليه هذه المجتمعات على صعيد التطور السياسي، إذ أن وصول الحزب النازي إلى رأس هرم السلطة في ألمانيا من خلال عملية ديمقراطية، وما أعقبه من نشوب الحرب العالمية الثانية التي انتهت بسقوط النازية بعد دفع أثمان باهظة، وضع تحديات بوجه مفهوم الديمقراطية، بحيثُ استبدلَ كارل بوبر السؤال الأفلاطوني، «منْ يحقُ له أنْ يحْكمَ؟» بسؤال عن آلية تَنْظيم الدولة بحيث يحقُ لنا إقالة الحكُومة بدون إراقة الدماء. من هنا يبدو أنَّ البحث عن الصيغ البديلة لا يتوقف عند الغرب، كما يحترزون من الركون إلى صيغ جامدة، بل حتى مفهوم الديمقراطية تطور ولم يعُدْ مثلما كان يمارسُ قبل الثورة التكنولوجية، إذ انتقلت الديمقراطية كما يقول علي حرب من المركزية النخبوية والموسمية إلى ديمقراطية هي يومية أفقية بقدر ما هي تفاعلية وتَشارُكية.
الآن إذا انتقلنا من حالة الغرب إلى ما تَمرُ به مُجتمعاتُنا من الاحتراب بين أطراف وجَماعات متعددة تحت عناوين مختلفة، في ظل هذا الوضع القائم من التردي الحضاري وتشابك الملفات والحرب بالوكالة في المنطقة هل يُوجدُ أفق للحل؟ هل وقف المثقفون وقفة المُتأملِ حول دوافع وراء استمرارية حالة الانحطاط؟ أو هم وقعوا بدورهم في حفرة الاصطفافات المذهبية، وعاهدوا أَنفسهم بتكملة ما انحدرت إليه المشروعات السياسية التي بدأت مُبشرة بتحولات جذرية، ثم انتهت إلى إعادة فتح حلقة الصراعات المذهبية والتناحر الطائفي؟ بالنظر إلى ما تشهده دول المنطقة من حالة الاضطراب السياسي والفوضى في دائرة صراع الهويات القاتلة/ نُدركُ أن الويلات الناجمة عن الحروب لا تُحملنا على المراجعة وإعادة النظر حول منظومة أفكارنا التي أعادت مفهوم الفرق والمذاهب الطائفية إلى المشهد، بدلاً من إعادة قراءة ما حصل في السابق على ضوء منهجيات علمية جديدة، بغية صياغة تصوراتنا والخروج من السياجات المغلقة على حد تعبير محمد أركون، فإذا بنا نُلغمُ حاضرنا بِنماذج لا تُساهم إلا في زيادة الانتكاسات، وذلك لا يشهدُ فقط على إفلاس المشروع السياسي، بل يكشفُ فشل النخبة المثقفة وعدم تحول الحداثة إلى مشروع مجتمعي، بل ظل طموحاً فرديا ما صنع من الأفراد فحولاً جدداً، على حد قول المفكر عبدالله الغذامي، لذلك لم تفلح مشاريع الإصلاح الديني ولا السياسي ولا التربوي. كما أنَّ الانتفاضات التي دشنتها الشعوب لم تؤسس لمفاهيم جديدة على المستويين السياسي والاجتماعي، نتيجة لغياب البعد الفكري في هذا الحراك الشعبي، كما لا تُوجدُ مقاربات مُحايثة لوقائع مابعد ما يسمى بالربيع العربي لدى المعنيين بالمجال الفكري، لذا لا يلوح في الأفق الا تراكم مزيد من الأزمات واستمرار حالة الحروب العقيمة التي تؤدي إلى تعمق ظاهرة العطب العقلي، وإلا كيف نفهم عجزنا لإيجاد صيغة تحمي البيئات الاجتماعية من التشرذم على أساس الهويات الطائفية والاقتتال بين الملل والمذاهب، إذ نحن نُقِرُ بأنَّ الحرب بكل أشكالها طبعت تأريخ المجتمعات لكن ينبغي أن نفرق بين حالة حرب، كما عرضناها في المجتمعات الغربية آنفاً وهي تدفع بالعقل صوب مفاتيح الحل وحالة حرب في مُجتمعاتنا وهي تَحدُ من فاعلية العقل.هنا نتساءل هل يحتاجُ واقعنا إلى هزة أشد عنفاً من هزات سابقة لكي ينشط العقل من جديد؟
٭ كاتب عراقي
كه يلان محمد