«الاتفاق النووي الداخلي» شرط غربي للاستثمار في إيران

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: إقصاء مجلس صيانة الدستور الإيراني عدد كبير من قادة ورموز المحافظين المتشددين الذين يعارضون سياسات الحكومة الإيرانية الحالية وعلى وجه الخصوص الاتفاق النووي بين الجمهورية الإسلامية ودول مجموعة 5+1 من الترشُّح، يظهر أن مراكز صُنع القرار الحقيقية للنظام الإيراني التي تقع خارج السلطات الـ3 أي السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، أطّرت مسبقاً نتائج الانتخابات الأخيرة في إيران، لتنفيذ ما وصفه حسن روحاني بـ «الاتفاق النووي الداخلي». وفي مطلع شهر شباط/ فبراير الماضي، اعتبر الرئيس الإيراني الصفقة النووية مع الغرب انتصاراً عظيماً لإيران، وشدد على أنه يجب على مؤيدي ومعارضي حكومته أن يضعوا يدهم بيد البعض، وأنه «حان موعد تنفيذ الاتفاق النووي الداخلي».
ومن جهة أخرى بعث المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، برسالة قوية جداً للغرب وعلى وجه التحديد المملكة المتحدة البريطانية والولايات المتحدة الأمريكية، من خلال استبعاد ما يقارب 90 في المئة من المرشحين المحسوبين على التيار الإصلاحي، بأن المرجع الرئيسي لتحديد «الوكيل الحصري» لجني الثمار الهائلة الاقتصادية خلال مرحلة تنفيذ الاتفاق النووي، هو المرشد الأعلى نفسه، وليس من يصفهم الغرب بالإصلاحيين وعلى رأسهم رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني، علي أكبر هاشمي رفسنجاني.
ولم يخف الغرب وعلى وجه التحديد بريطانيا والولايات المتحدة شرطه حول ضرورة تغيير التركيبة السياسية الداخلية الإيرانية لصالح الإصلاحيين ومن يصفهم بالمعتدلين، لرفع القيود والعراقيل المتبقية، خاصة الحظر البنكي والتأميني، وفتح المجال لدخول الاستثمارات الغربية الكبيرة التي وعدت الدول الغربية طهران بها. ودعمت وسائل الإعلام الغربي بشكل عام والأمريكية والبريطانية بشكل خاص حسن خميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، منذ عدة أشهر. وعلى سبيل المثال وليس الحصر وصفت صحيفة «نيويورك تايمز» المقربة من الإدارة الأمريكية الحالية، حسن خميني بأنه حفيد مؤسس إيران الحديثة، في مقال أثار اعتراضات واسعة في صفوف المعارضة الفارسية واليبراليين والملكيين الإيرانيين في خارج البلاد. ويحاول الغرب أن يعزز مكانة حسن خميني في الساحة السياسية الداخلية الإيرانية ليصبح منافساً قوياً لمجتبى خامنئي، ابن المرشد الأعلى، الذي يعتبر المرشح الرئيسي المحتمل لمنصب قائد البلاد. وكان الرد الإيراني قاطعاً وحاسماً للمخطط الغربي من خلال استبعاد حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية من الترشّح في انتخابات مجلس خبراء القيادة. وهكذا استطاعت مراكز صُنع القرار الإيراني تخلق برلماناً يلبي الشرط المعلن الغربي للموافقة على فتح المجال للاستثمار في إيران، وفي الوقت نفسه يكون مجلس النواب الجديد مواكباً للحكومة الإيرانية وملتزماً بالأُطر التي يحددها المرشد الأعلى.
الإعلان عن زيارة مصمم الصفقات الكبرى والمهندس الخفي للعلاقات التجارية والاقتصادية في الحكومة (كما تصفه بعض وسائل الإعلام في إيران) محمد نهاونديان وهو رئيس مكتب حسن روحاني، هو الخبر الملفت الأول الذي تلى التنفيذ الناجح لـ «الاتفاق النووي الداخلي» كما جاء في تصريحات رئيس الحكومة في بيان تقديره وشكره للشعب الإيراني الذي اعتبر الانتخابات نجاحاً لجميع تيارات وأجنحة النظام الإيراني ومكملاً للإنجاز الذي حققوه من خلال توصلهم إلى الاتفاق النووي.
وأفادت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية أن محمد نهاونديان سيترأس وفداً من كبار المسؤولين الاقتصاديين الإيرانيين ومدراء من البنك المركزي خلال زيارته إلى لندن هذا الأسبوع للمشاركة في «مؤتمر فرص وتحديات التعاون الاقتصادي مع إيران». وكتبت الصحيفة البريطانية أن المسؤولين الاقتصاديين الإيرانيين وكبار المستثمرين الدوليين سيحضرون هذا المؤتمر الذي من المقرر أن يعقد في فندق لند مارك في لندن يوم 9 الحالي، لمناقشة الإمكانيات الاقتصادية و»التركيبة السياسية الداخلية» في إيران كدولة ذات ثقل جيوسياسي وثقافي كبير في منطقة الشرق الأوسط. وتم إرسال دعوة رسمية لرئيس البنك المركزي الإيراني، ولي الله سيف، لحضور المؤتمر، لكنه ليس من الواضح حتى الآن هل سيحضر أم لا، وتم التأكد من مشاركة نائب البنك المركزي للشؤون الاقتصادية، بيمان قرباني عقيل آبادي.
ويعرف محمد نهاونديان لدى الأوساط الإعلامية في إيران بعلاقاته القوية مع مختلف الأجنحة والتيارات في النظام الإيراني، وبمعرفته الخاصة لـ «المزاج الأمريكي». وبعد تخرجه من الثانوية، أكمل دراسته الدينية في حوزة قم وبعدها حصل على شهادة بكالوريوس في الاقتصاد، وعام 1985 انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية برفقة عائلته لفترة 8 سنوات وتمكن من أخذ شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة جورج واشنطن، الجامعة التي تخرّج منها محمد جواد ظريف، وزير الخارجية. وأسس مؤسسة البحوث والمعلومات الإسلامية في واشنطن خلال فترة تواجده في الولايات المتحدة، وتمكن من تشكيل مجلس التعاون الإسلامي عبر بناء علاقات بين أكثر من 40 مركزا إسلاميا في أمريكا، وعقد دورات شهرية في الولايات المختلفة الأمريكية على التوالي. وحصل نهاونديان على بطاقة الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة بعد إقامته لفترة 8 سنوات في هذا البلد. وسابقاً أثارت وسائل الإعلام جدلاً واسعاً حول زياراته المتعددة للولايات المتحدة التي تم خلالها التفاوض بين إيران وأمريكا حول قضايا مختلفة منها الملف النووي. وفي عام 2006، كشفت «فايننشال تايمز» البريطانية لأول مرة الغطاء عن زياراته للولايات المتحدة ومفاوضاته مع مسؤولين في البيت الأبيض وأعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، وأعلنت هذه الصحيفة عن تحقيق «إنجازات مهمة وجيدة» خلال تلك الزيارات. وتعليقاً على الجدل الإعلامي الواسع الذي حصل بسبب زيارات نهاونديان إلى واشنطن، أعلنت وزارة الأمن الوطني الأمريكي أنه لا يوجد أي سبب لحرمانه من دخول الولايات المتحدة «لأنه يُعتبر مواطنا أمريكيا قانوناً».
وفي خطوة ملفتة أخرى، أعلنت الحكومة الاسترالية الأربعاء أنها ألغت العقوبات التي فرضتها على البرنامج النووي الإيراني، ما أدى إلى احتجاجات واسعة داخل مجلس النواب، وطالب البرلمان بفتح تحقيق حول خبايا قرار الحكومة الجديد. وأعلن حزب العمال الاسترالي المعارض للحكومة أنه سيفتح موضوع إلغاء العقوبات النووية المفروضة على طهران، في لجنتي «العلاقات الخارجية» و»الدفاع والتجارة» في مجلس الشيوخ، وأنه سيطالب بفرض رقابة مشددة على ما تقوم به الحكومة بهذا الجانب. وقال أحد أعضاء مجلس النواب الاسترالي، مايكل دانبي، إن البرلمان لديه أسئلة وعلامات استفهام كثيرة حول العلاقات الخفية مع إيران، لكن وزيرة الخارجية، جولي بيشوب، تتهرب من الموضوع خلال الاجتماعات المختلفة، ووصف أسلوب الحكومة في تعليقها للعقوبات النووية ضد طهران من خلف الستار بأنه أسلوب غير شفاف ومن موضع ضعف.
وفي سياق توالي أنباء الانفتاح الاقتصادي الغربي بعد الانتخابات الأخيرة في إيران، أكدت شركة سيمنس الألمانية استعدادها للتعاون الجامع مع إيران في قطاع الطاقة وتحديد السكك الحديد، وقال الرئيس التنفيذي للشركة، جو كايسر، إنهم سيعقدون صفقات مهمة مع إيران في قطاع الطاقة وتحديثه، وإن تلك الصفقات ستشمل مشاريع قطارات الأنفاق والأجهزة الطبية المتطورة أيضاً. ونتائج الانتخابات الإيرانية أدت يوم 2 من الشهر الحالي إلى الإعلان عن إعادة عمل بنك «التجاري الإيراني الأوروبي» الذي يتخذ من مدينة هامبورغ الألمانية مركزاً له وتوقف عمله منذ 5 سنوات بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران. وأسست طهران هذا البنك منذ مطلع العقد الـ7 للقرن المنصرم في ألمانيا بهدف تسهيل العلاقات المالية والتجارية بين إيران وأوروبا. وسيشارك نائب وزير الاقتصاد الألماني في المؤتمر الكبير حول الاستثمار في إيران والذي سيعقد نهاية هذا الأسبوع في طهران. وانتقد غابريل زيغمار، وزير الاقتصاد ونائب المستشارة الألمانية، السياسات الحذرة الألمانية والتلكؤ في الانفتاح الاقتصادي على إيران، وقال إنه بسبب هذا التلكؤ المانيا ستخسر حصتها في السوق الإيراني الواعد. ويتوقع المسؤولون الألمانيون أن يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 10 مليار دولار سنوياً خلال السنوات الـ5 المقبلة.
وتعليقاً على نتائج الانتخابات الأخيرة في إيران، أكدت وكالة رويترز للأنباء في تقرير لها أن هذه النتائج تمهد الطريق لزيادة التجارة مع طهران وتعزز فرصها، وأن فوز الإصلاحيين سيمهد الظروف اللازمة لفرض التغييرات الضرورية في السياسات الاقتصادية الإيرانية، ومن شأنها أن تسبب بزيادة الاستثمارات الغربية في البلاد.
وأخيراً وليس آخراً، أعلن وزير الطرق وبناء المدن الإيراني، عباس آخوندي، يوم الخميس أن طهران وجهت دعوة رسمية لمسؤولي شركة بوينغ لزيارة البلاد والتفاوض وشراء الطائرات، وأكد أن الشركة الأمريكية مستعدة لدخول السوق الإيراني، وقال «بعد ما تأكدنا من أن الولايات المتحدة جادّة في إلغاء العقوبات على قطاع الطيران الإيراني وأعطت الأوامر والتراخيص اللازمة، وجهنا دعوة رسمية لبوينغ بهدف زيارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية» وأضاف أن إيران ستتحول إلى مركز إقليمي للطيران.

محمد المذحجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية