الاتفاق النووي: الطريق الأخطر للشيطان الأكبر؟

حجم الخط
0

الاهتمام الايراني بالذكرى السابعة والثلاثين للثورة التي اطاحت بنظام الشاه في 1979 يختلف كثيرا عن السنوات السابقة في اجوائه ومعنويات قادة الثورة والشعب الايراني.
فتوقيع الاتفاق النووي مع الدول الغربية اضفى طعما خاصا على المناسبة التي اشعرت الايرانيين بانهم خرجوا من «العزلة» التي فرضها الغرب بزعامة امريكا عليهم لما يقرب من اربعة عقود. ومع ان الجيل الذي شارك في الثورة دخل حقبة الشيخوخة، فقد استطاع روادها والمنظرون لها تعميق ايديولوجيتها في نفوس الاجيال الحالية. هذا مع الاعتراف بان ذلك التأثير ليس شاملا، وانه يواجه تحديات «الانفتاح» على الغرب الذي يتوقع ان يتوسع تأثيره في الفترة المقبلة. والقيادات الروحية والفكرية الايرانية واعية لذلك، وتصدر بين الحين والآخر تحذيرات من خطر التأثير الفكري والثقافي على الاجيال الجديدة. وقد سعت المؤسسة الرسمية للحد من ذلك بمحاولة السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك لتحجيم دورها في ذلك التأثير. فثورة ايران لم تنحصر بتغيير حكم الشاه واستبداله بما يسمى مشروع «الاسلام السياسي» بل باحداث تغييرات فكرية ونفسية لدى المواطنين، عمقت شعور الكثيرين منهم بالانتماء للاسلام، وامكان صهر الخصوصية القومية والاثنية في بوتقة العقيدة الاسلامية. وذهب إلى جعل الاسلام نظاما سياسيا.
وعلى مدى ثلث القرن الماضي سعى القادة الايرانيون لتثبيت دعامات مشروع «الاسلام السياسي» اي الاسلام الذي يحكم ولا ينحصر دوره بالعبادات فحسب. ولم تخف ايران ريادتها ذلك المشروع، بل ان قادتها اعلنوا ذلك في المنابر الدولية، خصوصا الامم المتحدة، وكذلك على صعيد العمل الدبلوماسي. وقد ظهر ذلك جليا في زيارات مسؤوليها الكبار للدول الغربية، وآخرها زيارة الرئيس الدكتور حسن روحاني لفرنسا الشهر الماضي. فقد رفض حضور مأدبة الغذاء التي اعتاد الرؤساء الفرنسيون على تقديمها للرؤساء الزائرين.
ولكن البروتوكول الايراني يحظر على قادته حضور اية مأدبة يقدم فيها الخمر، الامر الذي ادى لالغاء دعوة الغذاء. وفعل الرئيس الاسبق، محمد خاتمي الامر نفسه. هذا الالتزام الذي يعتبره البعض «تزمتا» اصبح من الاعراف الدبلوماسية الثابتة، بالاضافة للعديد من الممارسات التي يجب ان تكون منسجمة مع التعليمات الاسلامية. ولطالما تغنى القادة الايرانيون بمقولة «الصحوة الاسلامية» التي يمكن القول ان ثورة ايران جسدت ذروتها.
واعتبروا ثورات الربيع العربي تجسيدا لتلك الصحوة، ولكن نظرتهم للحكم الديني مختلفة عما تطرحه المجموعات المسلحة مثل داعش التي تبدأ حكمها بتطبيق احكام الشريعة برغم عدم ملاءمة الظروف لذلك. وتتفق حركات «الاسلام السياسي» في منطلقاتها مع التجربة الايرانية، فتصر على البدء باقامة المنظومة السياسية التي يجب ان تؤسس على قيم العدل والشورى واستقلال القرار وبث الامن على كافة الصعدان، قبل البدء بتنفيذ الاحكام.
بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة ما هي ثوابت النظام السياسي الايراني، وهل ما تزال طهران ملتزمة بتلك الثوابت؟ وماذا عن التوجه لمد الجسور مع «الشيطان الاكبر»؟ وكيف يمكن تبرير دعم طهران لانظمة حكم بعيدة في جوهرها عن الاسلام ولا تؤسس انظمتها السياسية على المبادىء والقيم الدينية؟ يمكن القول ان اول ثوابت الثورة اقامة نظام الحكم المؤسس على الاسلام، او ما اصطلح الغربيون على تسميته «الاسلام السياسي».
ويعتبر نظام «ولاية الفقيه» التجسيد العملي للمشروع الاسلامي من وجهة نظر علماء الدين الايرانيين. وحتى الذين لا يؤمنون بنظرية «ولاية الفقيه» يمارسون قدرا من هذه الولاية، كما يحدث في العراق الذي يمثل زعيمه الديني، آية الله السيد علي السيستاني، مرجعية دينية وسياسية يحترمها الكثيرون. وقد اثبتت تجربة السبعة والثلاثين عاما ان هذا النظام استطاع ممارسة الحكم وادارة شؤون البلاد الداخلية والخارجية في ظروف صعبة قل نظيرها. الثاني: تفعيل مبدأ الشورى الاسلامي من خلال منح الشعب حق انتخاب رئيس الدولة. هذا الرئيس يختار اعضاء حكومته ويعرضهم على البرلمان المنتخب ليقرهم او يرفضهم، والرئيس ملزم بقرارات المجلس. ولم تتوقف الممارسة الانتخابية ابدا حتى في ظروف الحرب والحصار. ثالثها: استقرار القرار، ويمكن القول ان هذا المبدأ من أشد ما يزعج القوى الغربية التي اعتادت بسط نفوذها وهيمنتها على المنطقة اكثر من قرن، واصبحت تخشى من تبعات نزعة الانظمة السياسية للاستقلال بقرارها. ولذلك يعارض الغرب، بشدة، التحول الديمقراطي في المنطقة العربية خشية استقلال قرار الزعماء المنتخبين. ويصر هذا الغرب على دعم الاحتلال لاشغال المنطقة ومنعها من التوجه لاقامة انظمة سياسية منتخبة.
وتجربة «الربيع العربي» ما تزال ماثلة في الذاكرة. فقد مارست قوى الثورة المضادة ابشع انقلاب على ثورات الشعوب ومنعت التحول الديمقراطي مستخدمة ابشع الاسلحة واقذرها، ابتداء بتسليط العسكر على المدنيين، وصولا إلى السلاح الطائفي الذي وأد مشروع التحول الديمقراطي الذي سعت الثورات لتحقيقه.
علاقات ايران بالعالم الخارجي تمثل المعلم الرابع من معالم نظامها السياسي، وهو التجسيد العملي لمقولة «استقلال القرار». ولذلك تطرح التساؤلات عن مستقبل ذلك في ضوء ما يبدو من تقارب بين طهران والعواصم الغربية. الايرانيون يعتقدون ان العامين الماضيين من المفاوضات حول مشروعهم النووي، اثبتا للعالم امرين: اولهما التجسيد العملي لمبدأ «استقلال القرار» والثاني: الاعتراف بالحق النووي لايران، وان هذين الامرين غير خاضعين للمساومة. ولكن ثمة ما يشير إلى ان الامور المعلنة قد لا تكون صورة حقيقية لما هو مضمر. فالواضح ان هناك تهافتا يظهر تارة ويتوارى اخرى من كل من واشنطن وطهران للتقارب وتطوير العلاقات.
البعض يفسر ذلك بوجود شيء من التنافر واختلاف الأولويات بين واشنطن والرياض وان حكومة اوباما ليست مرتاحة من السياسات السعودية. ولكن هل هذا هو الواقع؟ ماذا يعني ذلك كله؟ امور عديدة يمكن استخلاصها في الذكرى الـ 37 للثورة الاسلامية في ايران؟ اولها: ان طهران، برغم ما حققته من انجازات بتوقيع الاتفاق النووي اصبحت اكثر عرضة للتأثير الثقافي والفكري من الغرب، خصوصا امريكا، وان لذلك انعكاسات كبيرة على المجتمع الايراني لغير صالح الثورة.
ثانيها: ان تزامن ذلك الاتفاق مع تصاعد الازمات الاقليمية وتعمق المشروع الطائفي وتوسع الاستقطابات السياسية والايديولوجية، سيضع ايران على محك جديد لم تحسب له حسابا عندما ولجت مضمار التفاوض انطلاقا من تغليب منطق «الدولة» على مستلزمات» الانتماء الثوري».
ثالثها: ان سياسات ايران التي نجحت في تجنيبها الحرب والنزاعات العسكرية المباشرة، قد تكون هي السبب في نشوب نزاع عسكري مع تحالفات جديدة فرضتها مرحلة ما بعد الربيع العربي، وحدوث استقطابات جديدة ليست لصالح مشروع «الاسلام السياسي» الذي رفعت ايران لواءه. ومن مصاديق ذلك حالة التنكر لهذا المشروع من اغلب الحركات التي كانت قبل ثلاثة عقود تحتضنه وتروجه بشعارات متعددة منها «الاسلام هو الحل»، و«لا حكم الا لله» ومقولات «تحكيم الشريعة» وسواها من الشعارات والمقولات المتصلة.
رابعها: ان ما يبدو من وحدة داخلية في ايران، قد لا تصمد طويلا خصوصا مع اقتراب استحقاق الانتخابات البرلمانية وانتخابات مجلس الخبراء، وفي وقت لاحق من هذا الشهر، وعودة الحرب الباردة بين «الاصلاحيين» و»الثوريين». لا شك ان وجود آية الله السيد علي خامنئي في منصب الولي الفقيه، قد نجح حتى الآن في الحفاظ على استمرار الثورة والتفاف الشعب حول قيادته، ولكن حقبة ما بعد المشروع النووي قد تخلق ظروفا لها ديناميكيتها وانعكاساتها على الاوضاع الايرانية، ليست على صعيد الخارج فحسب، بل في الجبهة الداخلية ايضا.

٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

د. سعيد الشهابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية