الاتفاق النووي ومنطق السياسة الإيرانيّة

حجم الخط
5

لتحليل مجمل توجّهات السياسة الإيرانيّة، منطقها الخاص وطريقة فهمها وعقلنتها للأمور، فلنبدأ من النهاية، ومن تصريح لرئيس جمهوريتها السابق أحمدي نجاد، والذي لم يجد حرجاً في إعلان وجود الإمام الغائب صاحب الزمان كحقيقة واقعة،لا بل زاد على ذلك بأنّه مطاردٌ من قبل المخابرات الأمريكيّة الّتي تسعى لاعتقاله. تصريح نجاد هذا سبقه تصريحٌ مماثل للمرشد الأعلى، علي خامنئي، والّذي زعم بأنّه على اتصال بالإمام الّذي أجّل إعلان ظهوره للعوام !
فأيّ نوعٍ من العقل يقف وراء مثل هذه التصريحات؟!
بعد احتلال العراق وتسليمه للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية»المجلس الإسلامي العراقي الأعلى» بقيادة عبد العزيز الحكيم،انطلقت القوى المذهبيّة من عُقلها،وكان المقصود هو إيجاد قاعدة جماهيريّة واسعة،وقودها العاطفة المذهبيّة!
يقول الدكتور المرحوم هاني الفحص:الدين عند الشيعي طقس!وقد لا حظ نوري المرادي وهو شيعي منتمٍ وناشط في الحزب الشيوعي العراقي»الكادر»بأنّ الشيعة يمضون 285 يوماً من أصل 365 من أيام السنة في احتفاليّات ومسيرات لذكرى ميلاد أو وفاة أو اربعين!وإذن فقد لجأت القيادة السياسيّة الإيرانيّة والعراقية المرتبطة بها إلى أقصر الطرق لتجييش الجماهير،استثمار العاطفة الدينيّة،ولكنّ هذا طريقٌ باتجّاه واحد، لا يمكن عكس خطواته والمغامرة بفقدان ثقة الجماهير، ومواجهة العواقب الكارثيّة!
وهكذا لا بد من البقاء على ظهر الثور الهائج،حتّى يقضي الله أمراً كنا مفعولا، ويأتي السقوط على غير توقّع، ومن خارج الحسابات السياسيّة حتّى!
مسايرة الخط المذهبي قاد السياسة الإيرانيّة إلى مطبّاتٍ عميقة،وها هي تنفق المليارات»ما ينيف عن 300 مليار دولار سنوياً في سوريا،على حساب معاناة الشعب الإيراني ومستوى معيشته، وها هي تغوص في أوحال اليمن وتدخل في مواجهة مباشرة مع السعودية، مواجهة قد تتحول في أي لحظة إلى حرب شاملة،لا تحصد إيران من وراءها أي فائدة ترجى، باستثناء ترويج مذهبي أدخلها في حرب استنزاف طويلة!
لقد استعْدَت إيران محيطها السنّي استعداءً شاملاً،بلعبها بالورقة المذهبيّة، ورهانها على أقليّات،لا يمكن أن تحسم أي معركة حسماً نهائيّاً لصالحها!
وتقييم الاتفاق النووي في هذا الضوء، يقودنا إلى نتيجة واحدة، أنّ إيران قد وضعت طائعة زمامها النووي في اليد الأمريكيّة، مقابل رفع العقوبات الإقتصاديّة، الّتي أوصلتها إلى حافّة الإنهيار، لولا المتنفّس الإماراتي، الّذي بقي مفتوحاً بإيعازٍ أمريكي، لإيصال إيران إلى حيث تريدها أمريكا أن تصل، والاستثمار فيها، عوضاً عن خنقها خنقاً نهائيّاً!
أمّا الأُبّهة والهيلمان الّذي حَفّ توقيع الإتّفاق وزفّه، فليس إلا ثوباً إعلاميّاً لتزيين نظام المرشد الأعلى، الّذي فقد شعبيّته وإقناعه في عيون الغالبيّة العظمى من الشعب الإيراني، واتكاؤه الفاضح على المؤسسة الأمنيّة، يعيد إلى الأذهان، نظام حكم الشاه، ولجوؤه إلى سياستي البطش والرشوة وهو الأسلوب الّذي تنهجه الأنظمة المفلسة، مستبقةً لحظة سقوطها!
هناك تقارير غربيّة تتحدّث عن الترف الّذي يتمرّغ فيه أبناء الخاصة من الطبقة الحاكمة وأشياعهم، من سيارات بورش وقصور غنّاء، ونبذِ للزهد والالتزام الديني وراء ظهورهم! وهذا ليس سلوكاً مستهجناً لثورة بدأت بتصفيه حلفائها ممن شاركوا في إسقاط حكم الشاه، واضطّرت رئيس جمهوريتها»الحسن بني صدر»إلى هروبٍ بليل!
لقد عجزت السياسة الإيرانيّة عن التغلّب على عقدة صدّام حسين، والتصالح مع محيطها، وظلّت بمسكونة بالعداء والريبة تجاه هذا المحيط!
كما عجزت عن تجاوز العقدة المذهبيّة،والقفز فوق شراك التاريخ الغادرة!
عقدتان ستقودان النظام الإيراني إلى حتفه قريباً،وعقب تسديد الفاتورة السوريّة الّتي ثقلت ديونها ودخلت مرحلة الإستحقاق، وعندها فلن يشفع لها توقيع المعاهدة النوويّة بشيء، بل ستكون إرثاً ثقيلاً على من سيأتي بعدها، وأظن الولايات المتّحدة قصدت استباق الأمور بوضع الأغلال في يدي الدولة الإيرانيّة تحسُّباً لسقوط ٍ وشيكٍ لنظامها!
أمّا الولولة والسخط الّذي يبديه نتانياهو،فهو تعبيرٌ عن الُّرعب المزمن الّذي يسكن قلب إسرائيل ولن يزول إلا بزوالها، ولم يكن إحجام إسرائيل عن توجيه ضربة عسكريّة للمنشآت النوويّة الإيرانيّة، كما فعلت سابقاً مع العراق، إلا لكي لا تحوّل إيران إلى عدوّ حقيقي، بدلاً من عدو شعار، سيبقى محبوساً داخـله و لن يتجـاوزه أبداً!

نزار حسين راشد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية