الاحتجاجات في إقليم كردستان العراق تقسّم الأكراد السوريين هناك إلى طرفين

حجم الخط
0

السليمانية ـ «القدس العربي»: بعد سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين من المتظاهرين وقوات الأمن نتيجة اندلاع احتجاجات سلميّة مطالبة بدفع رواتب الموظفين في إقليم كُردستان العراق خلال الأسبوع الماضي والتي بدأت شرارتها من مدينة السليمانية الواقعة تحت سيطرة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي الأسبّق جلال الطالباني، لتنتقل إلى مدنٍ كُردستانية أخرى، تضاربتْ آراء ومواقف الأكراد السوريين المقيمين في الإقليم من هذا الحدث، لينقّسموا إلى طرفين، الأول موالٍ لتلك الاحتجاجات والآخر معارضٍ لها، إذ لكلٍ منهما أسبابه الخاصة باتخاذ مثل هذا القرار.
فالصحافي الكردي السوري هوزان عَفريني رئيس منظّمة «هاوار لحقوق اللاجئين الكُرد ـ سوريا» والذي يعمل بصورة مستقلة في الصحافة الكردية منذ إقامته في مدينة السليمانية عام 2005، يرى في لقاءٍ مع «القدس العربي» إن «الخلافات القائمة بين حكومة إقليم كُردستان والحكومة العراقية وازدياد الفساد الإداري، قد تسبّبا في سوء الأوضاع الاقتصادية في الإقليم، حتى وصل تأخير موعد استلام رواتب الموظفين هناك لمدةٍ تتجاوز الثلاثة أشهر، وهذا التأخير أدى بدورهِ إلى وضعٍ معيشي صعب خاصة لدى عائلات قوات البيشمّركَة، وهو مــا كــان ســبــبــاً لاندلاع تلك الاحتـــجاجــات» علــى حد وصفهِ.
وتأسف عَفريني على العنف الذي أدى لإحراق بعض مقرّات الحزب الديمقراطي الكردستاني نتيجة اشتباكاتٍ بين المتظاهرين وحرّاس تلك المقرات، حيث استشهد على إثرها 5 مدنيين، إضافة لجرح المئات من المتظاهرين وعناصر الأمن «الآسايش» وفق كلامه، وأضاف «إنّني أتضامن مع المتظاهرين السلمّيين وأرفض إطلاق الرصاص الحيّ عليهم، وإن كانت الأحزاب عاجزة أمام متطلبات الشعب، فالأفضل أن تُغلق مقّراتها حتى تهدأ الأمور، لتتــجـنب مثل هذه الأحداث المؤلمة».
ورداً على سؤالٍ لـ «القدس العربي» حول ربط بعض الجهات الكُرديّة السوريّة لأسباب تلك الاحتجاجات برفضّ بعض الأحزاب الكردية في الإقليم التمديد لفترة رئاسية جديدة للرئيس بارزاني، قال عفريني»لا أظن ذلك، فالوضع الاقتصادي السيء نتيجة عدم دفع رواتب الموظفين، أدى إلى غضبٍ شعبي في الدوائر الحكومية، أما مسألة التمديد لرئيس الإقليم، فهو شأن البرلمان والأطراف السياسية في سدّة الحكم ولا علاقة لهذه الاحتجاجات بها».
أما فيما يتعلّق بتأثير تلك الاحتجاجات على الأكراد السوريين اللاجئين في إقليم كُردستان ودورهم فيها، أكّدَ عفريني إنّ «تأثيرها سيكون مباشراً، فالدوائر الحكومية والمدارس ستُغلق إذا تحوّلت تلك الاحتجاجات إلى اشتباكٍ مسلّح وهذا أمرُ خطير بالنسبة للاجئين السوريين، لا أتمنى حدوثه».
ورفض عفريني موقف الأحزاب الكردية السورية في المجلس الوطني الكُردي الذي انحّاز إلى جانب الحزب الديمقراطي الكُردستاني الذي يقوده البارزاني، منوّهاً إلى أنّ تلك الأحزاب «اتّهمت روسيا وإيران بالوقوف خلف تلك الاحتجاجات، حتى إنهم نعتوا المتظاهرين بالفوضويين والمخرّبين على شبكات التواصل الاجتماعي، وهم بذلك يعمّقون من التوتر الحاصل في الإقليم».
وتابع «بينما الأحزاب الكردية السورية المشاركة في الإدارة الذاتية المدنيّة، هي تطالب حكومة إقليم كُردستان العراق بالتوجّه إلى الحل السلمّي وعدم اللجوء إلى العنف مع المتظاهرين، فالأحزاب الكُرديّة السوريّة ليس لها الحق في تأجيج الخلافات السياسية القائمة بين الأطراف الحاكمة في الإقليم، وعليها أن تكون حيادية للحفاظ على منجزات الشعب الكردي».
وتوافق الإعلامية الكُرديّة السوريّة روشّن قاسّم المقيمة في السليمانية أيضاً منذ عام 2004 وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد الديمقراطيين السوريين على بعض ما جاء في حديث عفريني حول تأثير الأكراد السوريين على تلك الاحتجاجات، وتقول لـ «القدس العربي» على «الكُرد السوريين اللاجئين والمقيمين في الإقليم احترام النظام الديمقراطي وبالتالي احترام مطالب مواطني الإقليم المشروعة، نعم هناك احتجاجات ومظاهرات سلمّية في إقليم كُردستان تحوّلت بعضها إلى إحراق مقرّات الحزب الديمقراطي الكُردستاني الحاكم الفعلي في الإقليم، لكنها ليست المرة الأولى التي يكون فيها ردّ الديمقراطي الكُردستاني بالرصّاص الحيّ على المحتجين كما لو أن مقراّتها مقدّسة» على حد وصفها.
واستمرت قاسم بالقول «لقد ولى زمن هذه العقلية، وعلى الكرد السوريين أن يكونوا مع حقوق المواطنين ومع القانون والدستور في أي بلد يلجئون إليه، لكن للأسف هناك اصطفافات مع هذا الطرف وذاك، واللاجئون لم ينأوا بأنفسهم عن الاصطفافات التي لن تخدمهم بالدرجة الأولى، مثلاً هناك أحزاب كردية سورية موالية للديمقراطي الكردستاني تهاجم حركة الاحتجاجات علانية، وتقذف الاتهامات وتحيك نظريات المؤامرة ظناً منها أن هذا العمل ستكون له نتيجة جيدة».
أما المشرف على مؤسسة «كاوا» للثقافة الكرديّة، المفكّر الكُردي السوري صلاح بدر الدين والمقيم في مدينة أربيل بصورة دائمة منذ عام 1994، فقالَ في لـ«القدس العربي» إنّ «التجربة الديمقراطية في إقليم كردستان العراق حديثة العهد مقارنة بالتجارب الأخرى في المنطقة والعالم. والإقليم ليس دولة مستقلة كاملة المعالم والمؤسسات، بل هو كيان فيدرالي يتبع لمركز بغداد الاتحادي بحسب الدستور ويعيش ظرفا استثنائياً دقيقاً إلى درجة الخطورة مستهدفا بعدة تحديات داخلية وخارجية، كالأزمة المالية الخانقة بسبب حصار حكومة بغداد والدفاع عن شعب الإقليم وأرضه أمام مخاطر إرهابيي تنظيم الدولة منذ أكثر من عام على طول حدود يزيد عن 1050 كم والذين هددوا العاصمة أربيل وما زالوا».
وأضافَ بدر الدين «وكذلك تحمل حكومة الإقليم أعباء والتزامات تمويل وحماية ما يزيد على مليوني لاجئ ونازح بين سوريين من كرد وغيرهم وعراقيين هاربين من إرهابيي تنظيم الدولة ومن مجموعات مذهبية من مناطق عراقية مختلفة، والتحدي الآخر الآتي من فئات سياسية كردية مغامرة أعماها التحزب والتمذهب والمناطقية ووضعت نصب أعينها هدف ضرب انجازات شعب إقليم كردستان، وان عجزت عن ذلك يمكن اللجوء إلى «خيار شمشون» كما يقال أي تقسيم الإقليم وإعلان كانتونات (مقاطعات) موالية لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومراكز القوى المذهبية في بغداد» على حدِ تعبيره.
وتابع «ما حصل في الأيام الأخيرة في مناطق وبلدات تتبع لنفوذ حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة طالباني وحركة التغيّير كوران، بزعامة نشيروان مصطفى، لم يكن من قبيل التظاهرات السلمية المعروفة، بل تجبر الشارع واستغلال النواقص لأغراض حزبية سياسية، وما اقتصار تلك التحركات على مناطق معينة بعينها وعدم شمولها للعاصمة ودهوك وسوران وزاخو التي تشكل الخزان البشري لمنظمات المجتمع المدني والفئات الكادحة وطلاب الجامعات إلا دليلاً آخر على عدم مصداقيتها وخضوعها لتوجيهات حزبية وخاصة من قيادة كوران، والمفارقة أن هذه الحركة مشاركة في الحكومة ولديها وزارات سيادية مثل وزارة البيشمركة وهيئة الاستثمار الوطني وكذلك رئاسة البرلمان وتقوم، بل تزعم تقمص دور المعارضة، علما ًأن منح الحركة تلك المواقع الحساسة الأكبر من حجمها نبع من حكمة وبعد نظر الرئيس مسعود بارزاني وحزبه، وكان بدافع تعزيز الجبهة الداخلية أمام التحديات تمشياً مع مبدأ التوافق الذي يسري في الإقليم منذ عقود كنهج ناجح لتعزيز تحالف وتماسك القوى الكردستانية».
ورداً على سؤالٍ «القدس العربي» حول رؤية بدر الدين لتلك الاحتجاجات، فأكّد إنّه «لا يمكن النظر إلى ما يحدث منذ أسبوع من تحريك الشارع وحرق المقرات والمكاتب وقتل الأبرياء إلا من زاوية تزامنه مع محاولات فئة كردية بدفع مباشر من الجنرال قاسم سليماني للضغط على رئيس الإقليم بهدف التنحي لأنه يرمز إلى استقلالية القرار الكردستاني ويشكل المرجعية القومية المعتدلة المقبولة وينأى بشعبه عن محور الممانعة ويقود بصدق معركة مواجهة الإرهاب الداعشي وغيره ويشكل صمام أمان على المستوى الوطني العراقي وفي مجال الصداقة والتعاون بين الكرد والعرب على مستوى المنطقة، وبالأخير فقد تزامنت الحملة تلك مع الصعود الإيراني وما بعد الاتفـاق النووي والعدوان الروسي على الشعب السوري وثورته والإعلان عن التنسيق المخابراتي الرباعي الملتئم الآن في بغداد».
أما فيما يخص استمرار تلك الاحتجاجات، فأشارَ بدر الدين إلى أنّ «مثل هذه التحركات المبرمجة حزبياً ستسيء إلى شعب كردستان في حال استمرارها، وهي تهدد تجربة الإقليم الديمقراطية وتضرب الحلم الكردي المعاصر في الحرية والخلاص بالصميم، وستخلق المزيد من الإشكالات لشعب الإقليم ولمئات آلاف النازحين والمهجرين من كرد وعرب ومسيحيين وستزيد الأزمة المالية ـ المعيشية تعقيداً، وستشجع كرد العراق على الهجرة وستقدم الدعم لإرهابيي تنظيم الدولة وغيرهم من الجماعات المغامرة لاستباحة الأرض والعرض ولكن الأمل معقود على العقلاء وحكمة رئاسة الإقليم لقطع الطريق على تلك التحديات».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية