القاهرة ــ «القدس العربي»: لم يزل الجنوب يحتفظ بأسراره وأساطيره التي توحي للفنان بمحاولات تجسيد هذا العالم حسب رؤيته وانفعالاته. هذا السِحر الذي يحاول الفنان القبض عليه في لحظة خلال اللوحة لتحكي الكثير من التفاصيل الكامنة في العلاقة ما بين المكان والشخوص، وبين الموروث الثقافي والتراثي الهائل. تزامن أن يُقام في القاهرة الآن معرض كل من الفنان عبد الفتاح البدري في قاعة «دوم للفنون» ومعرض الفنان إيهاب لطفي في كاليري «دروب». كل منهما يحاول عبر لوحاته الكشف عن حياة الجنوب، الصعيد كما صوّره البدري في أفراحه وألعابه وبيئته الخاصة التي لا نظير لها، وبيئة أخرى تجاهد الاندثار، وتبدو أكثر إلحاحاً على الذاكرة، وهو ما يجسدها لطفي خلال أعماله عن بلاد النوبة المفقودة، والتي تم اختطاف عالمها من الزمن والمكان خِلسه، ليبدو الحِس التوثيقي لهذه الحياة أقرب.
الصخب
تحمل لوحات البدري نغمة صاخبة في كل تفاصيلها بداية من الألوان الحارة ودرجاتها، وصولاً إلى الإصرار على تجسيد الحركة الدائمة، هناك فعل دائم في اللوحة، حتى وإن كانت الشخوص في حالة من الثبات، كلوحة عازفي آلات النفخ/المزامير، وهذه الموسيقى التي تبدو في انفعالات الجسد الثابت، والمدهش أن العازفين تم تجسيدهم عبر ضربة لونية سواء لوجوههم أو عماماتهم، فلا توجد تفاصيل لوجه، فقط ضربة لونية يتوحد معها الجميع، وهي حالة ذكية مقصودة لتبدوا شخوص اللوحة متوحدة مع الموسيقى المعزوفة، وتكون للمتلقي أقرب وكأنها نغمة تجريدية يحكمها الإيقاع فقط. هذا الإيقاع الصاخب أيضاً نراه في لوحة تجمع الفتيات في ألوانهن الزاهية، وهن يقفن في صف شبه مُحكم، في بروفايل يُذكّر بالرسومات الفرعونية، إلا ان تفاصيل أجسادهن وضفائرهن التي تتأرجح تخلق حالة من الحركة والإيقاع، وتوحي عبر اللون الأحمر ودرجاته عن مدى الدفء والحياة في أجساد الفتيات. الإيقاع نفسه وإن كان في شكل حاد يصوّره البدري في ألعاب الأطفال ــ لعبة الرقص بالعصا ــ أولاد وبنات صغار، في شبه دائرة، فالحركة سواء في شكل الجسد أو التكوين العام للوحة تتجلى بقوة وبساطة في حِس تجريدي، لتبدو الأجساد وكأنها رسوم قديمة في كهوف الجبال، وهي حالة تواصل دائم مع تراث يتنفسه الجميع، حتى وإن كان دون وعي، ويتمثل في لعب الأطفال. هذه الألعاب التي يُصر عبد الفتاح البدري على تجسيدها تبدو في لقطة بارعة لمجموعة من الرجال يقومون بلعبة التحطيب، وهي أحد الألعاب الكاشفة عن قوة الرجل ومهارته في توجيه الضربات بالعصا وتفاديها من الخصم، هنا اللعبة يراها البدري من زاوية عالية، وكأنه يراقبهم من بعيد، ويترك للمتلقي التوحد مع الشخوص والحركة التي لا تهدأ، فلا يوجد جسد في حالة سكون، وتشمل الحركة التكوين العام للوحة، كوضع الشخوص في تكوين أقرب للدائرة، كما أن إطار اللوحة ينغلق على رجُلين يُشكلان ما يُشبه الخط الوهمي، الذي يصل بينهما في رهافة دون أي افتعال، هذا على المستوى الجمالي، ويبدو ان هذا العالم مغلق على أصحابه، فالمساحات الفارغة ضئيلة للغاية، والكل في حالة من التناغم التام، سواء اللاعبين الفعليين، أو جمهورهم الذي يتحرك جسد كل منهم مع حركة اللاعبين في لا إرادية، وكأنه مُنخرط تماماً في هذا العالم، وإن كان يتخذ شكل اللعبة.
الغنائية
على خلاف الجو الاحتفالي الصاخب الذي جسده عبد الفتاح البدري، تأتي أعمال إيهاب لطفي لتختزل عالم بلاد النوبة وتفاصيله الدقيقة في ألوان هادئة، كالأصفر ومشتقاته، والرماديات التي توحي بالقِدم، إضافة إلى الخطوط الحادة والقوية التي تحدد تفاصيل الأجساد من رجال ونساء، وحتى الخطوط المنحنية تظهر على استحياء في أدوات هذه البيئة، كالجرار الفخارية وما شابه، وهو ما جعل الفنان يعرض هذه الأدوات في لوحات مُستقله تُنسب لأعمال الطبيعة الصامتة. حالة من السكون التام تبدو في حركة الأجساد وملامح أصحابها، ولا تتولد الحركة إلا من خلال التكرار وترتيب عناصر اللوحة وعلاقة الشخوص بالمكان … إحدى الأشجار الضخمة تتصدر اللوحة، وبيوت في العمق، ونساء يسرن نحو مقدمة الكادر، ونهر النيل الساكن على اليسار، وامرأة تجلس بالقرب منه. ولوحة أخرى تقترب كثيراً من الجداريات الفرعونية، من حيث تكوين الأجساد والوجوه .. مجموعة من الرجال يتكتلون في يمين الكادر، وتميل وجوههم نحو اليسار ليسير معهم خط النظر لتبدو امرأة ووشاحها يكاد يقارب مساحة وجوه الرجال جميعاً، وهي لا تنظر إليهم وتتجه نحو اليسار، هذا التكرار في خط النظر هو ما يخلق الحركة والإيقاع الهادئ جداً. هكذا يجسد لطفي الحركة في أعماله، حركة هادئة تقوم على تكرار الإيماء أو اللفتات، هذا الهدوء الظاهر يكشف ما يُخفيه من انفعالات لا تهدأ، وتواطؤ بين نظرات الرجال والمرأة التي لا تلتقي في اللوحة، لكنها عنصرها الأساس ومُحركها النفسي. سلوك البشر والبيئة جسده إيهاب لطفي في حِرفية ظاهرة، فلا زخارف ولا زيادة لونية، فقط خطوط تختزل عالم بأكمله، كاشفة عن علاقاته وطبيعته. ونظراً لأن هذا العالم يكاد لا يحيا إلا في مخيلة أصحابه ومَن يتوارثه منهم ــ تم تهجير النوبيين من أماكنهم الحقيقية نهائياً عند تنفيذ مشروع السد العالي ــ لذا نجد معظم الأعمال التي تتناول هذه البيئة وتراثها، تسيطر عليها الغنائية، في نغمة من التأسي لعالم كان ولم يعد، هنا ينكشف الحِس التوثيقي لهذا العالم، وقد نجح لطفي في الإشارة إليه، دون التورّط في فخ الغنائية المفرطة.
محمد عبد الرحيم