الاحتلال الإسرائيلي يمنع التواصل في الداخل وعلى الحدود

تتصف المعركة الدائرة بين القوات الإسرائيلية من جهة، والأهالي في قرية «العراقيب» بالنقب الفلسطيني المحتل من جهة ثانية، ومع غيرها من القرى والتجمعات الفلسطينية، إن كان في النقب أو في غيره من مناطق الضفة الغربية، خصوصا في القدس وحواليها، بأبعاد عالية المستوى في المواجهة ومحاولة كسر إرادة الأهالي.
السلطات الإسرائيلية واصلت وتواصل هدم قرية «العراقيب» منذ نحو ثلاث سنوات، بحجة أنها مقامة على أملاك دولة وبلا ترخيص، وأن سكانها «غزاة كغيرهم من سكان النقب الفلسطينيين، واحتلوا الأراضي من دون وجه حق». علما بأن الأراضي هي من الأملاك الخاصة بالقبائل والأفراد من الفلسطينيين وقد ورثوها أبا عن جد.
وقد بلغت مرات الهدم لقرية «العراقيب» على سبيل المثال نحو 70 مرة في نحو ثلاث سنوات، ويزداد عدد مرات الهدم بين يوم وآخر، إلا أن السكان يعاودون مع بعض مناصريهم من اليهود الإسرائيليين وغيرهم من الأجانب، إعادة بناء ما تم هدمه من بيوت بدائية، أغلبها مكون من خيم الشعر والخيش والخشب والزينكو والأترنت، وحتى من عجلات السيارات المستعملة، وإعادة بناء «سير» بدائية لماشية السكان، بعد أن تم تشريدهم عبر الجرافات وآليات السلطة الإسرائيلية المهاجمة.
كل ذلك من أجل كسر إرادة السكان، ونقلهم إلى معازل وتجمعات محدودة، وحتى مسيجة لتقلل من تحركاتهم وتحد من تنقلاتهم في أراض هي من أملاكهم، اعتادوا على التنقل فيها هم وماشيتهم بحثا عن الكلأ والماء، علما بأن هناك في النقب وفي أماكن أخرى من الضفة، توجد عشرات القرى والتجمعات تحرمها السلطات الإسرائيلية من بنى تحتية مهمة لاستمرار الحياة، كالكهرباء والماء والطرق والمدارس والمستوصفات وغيرها، بحجة أنها مقامة على أملاك دولة، كما تدعي السلطة. في حين أن السكان يؤكدون أنها من أملاكهم الخاصة، وأن الدولة العثمانية ثم السلطات البريطانية التي أدارت البلاد بعد الحرب العالمية الأولى، كانت تعترف بتلك الملكية. وكان مخطط برافر – بيغن وما زال، يسعى إلى مصادرة آلاف الدونمات من أراضي أهل النقب الفلسطينيين، وباشرت القوات الإسرائيلية بتوجيه قوات عسكرية ضخمة لتنفيذ المخطط في العام الماضي؛ إلا أن هبة التضامن التي انطلقت من جميع الأراضي الفلسطينية، والزحف إلى المناطق المستهدفة، أرجأ تنفيذ ذلك المخطط. كما أن القوى والكتل الحزبية الإسرائيلية ارتأت تأجيل تنفيذ المخطط أيضا، نظرا لخلافات تكتيكية بينها، إلا أن ما كان يخطط لتنفيذه بالجملة، أخذت تنفذه السلطات الإسرائيلية بالمفرق، وها هي مصادرات الأراضي تتوالى في النقب وفي أراضي الضفة كلها، خصوصا في القدس والمناطق المحيطة بها، إذ تغولت مستعمرة «معاليه أدوميم»، وأضافت إلى مساحتها مئات الدونمات من أراضي شرق القدس، ووصل عدد سكانها إلى ما يزيد عن أربعين ألف مستوطن، وما زال غولها وغول دولتها يصادر ويلتهم في كل يوم عشرات الدونمات من أراضي الفلسطينيين.

التواصل ممنوع

لم تكتف السلطات الإسرائيلية ببناء جدار الفصل العنصري الذي صادر آلاف الدونمات من الأراضي في الضفة، وأوجد حالات «سيريالية» غريبة عجيبة من اقتطاعات لأراض متواصلة، أصبحت مقطعة ومفرقة ولا تواصل بينها. وأوجدت بيوتا صادرت هي نصفها، وأبقت الباقي للمالك، او أنها استولت لصالح الجدار على ربع قرية ما أو نصفها، ومنعت أقارب من التواصل في ما بينهم، أو أن طرقها الالتفافية، التفت على كل ما هو طبيعي ومتواصل بين القرى والمدن الفلسطينية، وقطعت وفصلت ومنعت التواصل، وصعبت حالات التنقل والانتقال والتجارة والتواصل الإنساني والقرابي والتجاري بين القرى والبلدات والمدن الفلسطينية، وصادرت وتصادر آلاف الدونمات من الأراضي، وهدمت وتهدم في كل يوم عشرات البيوت والمضارب، كما تشرد مئات السكان من أراضيهم وأملاكهم وبيوتهم، كما ويقلع ويقص مستعمروها مئات الأشجار المثمرة يوميا، وتنبت المستعمرات كالفطر السام بين ليلة وضحاها في أي مكان ترتئيه القيادات المشبعة بالعنصرية والإيذاء والتخريب. ذكر سليمان أبو زيد الناطق باسم مؤسسة «النقب الأرض والإنسان» أن السلطات الإسرائيلية دمرت نحو 50 منزلا لأهالي النقب، منذ بداية العام الحالي، وذكر أنها دمرت مئات المنازل في العام الماضي، بحجة أنها غير مرخصة رسميا للبناء، علما بأن مئات الطلبات يتم تقديمها، إلا أن السلطات ترفضها.
من ضمن بنود البرنامج الذي وضعته القائمة العربية الموحدة، لوحظ وجود نص – بحسب ما ذكره المحامي أيمن عودة رئيس القائمة، هو السعي لمحاولة تشريع وقوننة نحو 30 ألف بيت، تدعي السلطات الإسرائيلية أنها غير مرخصة في الأراضي المحتلة عام 1948، بما في ذلك النقب بطبيعة الحال. كما أن السلطات الإسرائيلية قامت بهدم نحو 100 منزل في القدس منذ أوائل هذا العام وحتى اليوم، والهدم ما زال مستمرا في كل يوم، وفي كل الأنحاء.
وفي محاولة منها لمنع أي تواصل مع الأراضي الأردنية، خصوصا في منطقة الأغوار، يبدو أن سلطات الاحتلال جادة في توسيع المستعمرات في المنطقة وفي غيرها، خصوصا مستعمرة «معاليه أدوميم» وصادرت مئات الدونمات من الأراضي لهذا الغرض، وحرمت وتحرم سكانها الفلسطينيين من زراعتها أو إقامة أي مشاريع فيها، بحجة أنها مساحات يحتاجها الجيش الإسرائيلي كي يقيم فيها منشآت له، وأنها تصلح لإقامة تدريبات لقواه الأمنية والعسكرية، وتأمر السكان بمغادرة المكان لأيام أو لأسابيع، أو حتى بالمغادرة النهائية، بحجة إقامة مناورات بالذخيرة الحية.
في الثامن من آذار/ مارس ذكرت أجهزة الإعلام أن الجرافات تساندها قوات كبيرة من الشرطة، كانت توالي حرث وتدمير آلاف الدونمات الزراعية التابعة للمواطنين الفلسطينيين في منطقة اللقية وأبو كف ورهط، وأراضي عشيرة الهزيل وبقية القرى التي لا تعترف بها سلطات الاحتلال. ما يجري اليوم، وقد يتواصل في الغد، مصادرات للأراضي وهدم للبيوت ومضايقات ومطاردات للسكان، ووضع العوائق والعراقيل، وإقامة المستعمرات، وكل ذلك بهدف منع التواصل في الداخل الفلسطيني المحتل، ومصادرة أراض وطرد السكان من المناطق المحاذية للحدود مع الأردن في منطقة الأغوار – نحو ربع مساحة الضفة الغربية – وما يزيد الطين بلة أن هناك من لم يزل يتحدث عن استئناف مفاوضات وإقامة دولتين.. وتبادل للأراضي. فهل سيبقي الاحتلال منها ما يستحق عناء ما يمكن التباحث عنه وحوله؟

٭ كاتب فلسطيني

سليمان الشّيخ

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية