سنة 2015 بكل مساوئها هي ايضا السنة التي مات فيها الادعاء في النقاش الجماهيري في إسرائيل. الادعاء هو المبنى المنطقي الذي يتكون من حقائق وفرضيات تؤدي بشكل منطقي إلى استنتاج مطلوب يمكن نقاشه بشكل عقلاني. ذلك الادعاء المطلوب جدا لاحداث نقاش جدي بين موقفين مختلفين، قد مات. واستبدلوه بأقوال لا أساس لها تتخفى على أنها حقائق، نبوءات غضب مموهة بالدلائل والمشاعر قُدمت على أنها حقائق.
من الصعب التهجم على احصائي مثل عضو الكنيست بتسلئيل سموتريتش (البيت اليهودي) الذي زعم أن تقرير الفقر للتأمين الوطني مبالغ فيه، وبناء على حقيقة أنه ليس من الصحيح أن 2 من كل 5 اولاد هم فقراء. بنفس الميزان يمكن القول إنه إذا لم يعمل أحد من أولاد سموتريتش في «ميغا» فان المعطيات التي تقول إنه يوجد في «ميغا» 3500 عامل هي معطيات مبالغ فيها. من السهل ايضا الاستخفاف بالباحث في الأدب، الوزير نفتالي بينيت، الذي حتى بدون أن يقرأ قصة «جدار حي» أخرج من داخلها اقتباسات تثبت أن الكتاب يصور الجنود الإسرائيليين على أنهم ساديون. بنفس القدر يمكن القول إن دوستوفسكي اعتبر قتل العجائز فرصة لبناء الطابع، حيث أن رسكولنيكوب يعترف بـ «قتلت من اجل ذاتي».
ولكن حينما يفوز البروفيسور آسا كيشر بجائزة إسرائيل يقوم بنشر ملاحظة في الفيس بوك يستخدم فيها الادعاء الذي يصور «نحطم الصمت» كـ «منظمة لإبعاد الانسانية عن الجيش الإسرائيلي»، لا أقل من ذلك. يمكن القول بشكل رسمي إن الادعاء في النقاش الجماهيري الإسرائيلي قد مات.
ادعاء كيشر مركب من قسمين: الاول «لا يجب الاحتجاج على الجيش الإسرائيلي بسبب تواجده في المناطق». هذا صحيح ـ الجيش الإسرائيلي ليس مسؤولا عن الاحتلال فهو يمثل سياسة الحكومة التي ترسل الجنود من اجل السيطرة على السكان الفلسطينيين. القسم الثاني هو «من حق الانسان الادعاء وانتقاد الحكومة الحالية أو أي حكومة لأنها لم تقرر الانسحاب أو عدم اجراء المفاوضات مع الفلسطينيين أو أي طرف آخر». هذه ايضا فرضية صحيحة: واضح أنه للمواطنين في الدولة الديمقراطية حق الانتقاد للسلطة التي لا تسعى إلى انهاء الاحتلال. ولكن هنا يستخلص البروفيسور كيشر الخلاصة التي تقول «طريقة منظمة نحطم الصمت من اجل تحقيق الهدف السياسي هي عدم أنسنة الجيش الإسرائيلي».
إن جوابي الاول على هذا الادعاء هو كيف وصلنا إلى عدم أنسنة الجيش الإسرائيلي؟ هل هذه نكتة؟ هل سيطر أحد على بروفايل الفيس بوك لكيشر ونفذ القفزة المنطقية الكبيرة في الكرة الارضية؟.
كيشر هو بروفيسور محترم في الفلسفة، وعمله هو بناء الادعاءات. لكن من الواضح أنه من تلك الفرضيات يمكن الوصول إلى استنتاجات مختلفة تماما. مثلا هل من غير المقبول أن طريقة «نحطم الصمت» عدم أنسنة الجيش الإسرائيلي بل زيادة الوعي لدى الجمهور حول ما يحدث في المناطق؟ الحقيقة هي أن هدفهم كما صيغ في موقعهم هو «زيادة وعي الجمهور حول الواقع اليومي في المناطق المحتلة وخلق نقاش جماهيري حول الثمن الاخلاقي للسيطرة العسكرية على السكان المدنيين والاحتلال الذي يمتد منذ سنوات».
يبدو أنه يصعب على البروفيسور كيشر سماع الشهادات. لأنها يمكن أن تسبب له التفكير بالجيش الإسرائيلي أنه غير انساني، لكن نشطاء «نحطم الصمت» لم يزعموا أبدا أن الجيش الإسرائيلي غير انساني، بل قالوا إنهم محاربون يتحدثون عن أنفسهم أولا وقبل كل شيء وعن الواقع المعقد الذي وجدوا أنفسهم فيه. هل هذا يحولهم إلى منظمة غير اخلاقية، كما يقول كيشر؟.
يمكن القيام بتمرين ذهني. لنفرض للحظة أنه بدلا من «نحطم الصمت» توجد منظمة اخرى هي «الحديث مع الاصدقاء». وهي منظمة من المحاربين الذين قرروا اطلاع الجمهور على الافعال الجيدة للجيش الإسرائيلي في المناطق. نشطاء المنظمة كانوا سيتحدثون عن توزيع الحلوى في الحواجز والابتسامات السخية بحق الفلسطينيين والمراعاة على الحواجز والهدايا التي يقدمها الجنود للاولاد في رام الله. حسب منطق كيشر فان هذه ايضا منظمة غير اخلاقية لأن طريقتها هي تصوير الجيش الإسرائيلي بمثالية وبذلك تحاول التأثير على سياسة الحكومة للاستمرار في الاحتلال. حسب منطق كيشر فان منظمة «حقيقتي» مثلا التي جمعت المقاتلين والضباط من اجل العمل ضد «نحطم الصمت» هي منظمة غير شرعية. فالشهادات الايجابية عن الجيش الإسرائيلي تثبت أنه يمكن وجود احتلال اخلاقي، وبذلك يظهرون أنه لا حاجة إلى الخروج من المناطق. لماذا إذا لم ينفجر غضب البروفيسور عليهم؟.
الاجابة على هذا السؤال توجد في كتابات كيشر نفسه. حيث يزعم البروفيسور أن «ذراع السيطرة العسكرية لدولة ما في مناطق معينة لا يكون غير انساني بالضرورة… وحين يكون غير اخلاقي فانه بحاجة إلى اصلاح». هنا تتضح الاستعدادية لدى كيشر وكذلك الاستخدام الغريب لمفهوم «اللاانسانية». لقد عمل كيشر لسنوات من اجل اقناعنا أن الاحتلال في جوهره ليس بالضرورة أن يكون غير أخلاقي. إنه يوافق على أن الاحتلال قد يكون له تشوه، لكن هذا أمر موضعي ويحتاج إلى اصلاح.
الشهادات الكثيرة لـ «نحطم الصمت» تهدد قناعة كيشر بطريقتين: أولا، العدد الكبير من الشهادات يثبت أن الحديث ليس عن احداث موضعية. والثاني أن اغلبية الشهادات ليست لا انسانية بالضرورة. الجزء الاكبر منها هو اعتيادي ومعروف لكل شخص خدم في المناطق. وتُظهر الشهادات لكل شخص مستعد للنظر أن ليس التشوهات الاستثنائية بل روتين الاحتلال هو الذي لا يلائم مباديء الاخلاق الاساسية التي نقبلها بشكل مفروغ منه.
لقد صدق البروفيسور كيشر عندما ادعى أن «الذراع العسكري لدولة معينة في منطقة معينة ليس بالضرورة أن يكون لا انساني». المسألة هي أنه بين اللاانساني والمثالي يوجد قوس واسع من الاحتمالات. السيطرة على المناطق يمكن أن تتم بالتسليم بيوم آخر على الحاجز أو بمراقبة اعتيادية لساحة بيت قريب من المعسكر. إلا أن السوء يبدأ بالظهور هناك وبمبدأ السيطرة على السكان المدنيين المعادين يعرف الجندي أنه لم يتربَ على ذلك. الاحتلال ليس غير اخلاقي لأن هذا الجندي أو ذاك فقد انسانيته، بل بالذات لأن معظم الجنود يتصرفون فيه كروتين طبيعي.
كان من الافضل لو أشركنا كيشر بمشاعره الشخصية تجاه «نحطم الصمت». الكثير من الاشخاص في إسرائيل لا يهضمون الشهادات التي تتكاثر حول ما يحدث في المناطق. ولكن لا يجب الخلط بين المشاعر والاستنتاجات. الصياغة المرتبة لكيشر حول الفرضيات والاستنتاجات تزيد من ابراز المنطق الفاشل في موقفه وتكشف عن الفرضيات الغير مؤسسة جيدا لموقفه الاخلاقي.
هآرتس 26/1/2016
يانيف اتسكوفيتش