الاختبار الأسهل لفرنسا أم مولد بطل كأس العالم التاسع؟

حجم الخط
0

 لندن ـ «القدس العربي»: ضرب المنتخب الكرواتي موعدا مع التاريخ، بتحقيق ما عجزت عنه يوغوسلافيا بأكملها قبل التفكك منتصف التسعينات، بالترشح للمباراة النهائية لكأس العالم عن جدارة واستحقاق، بعد الفوز الهيتشكوكي الذي تحقق على حساب وطن كرة القدم المنتخب الإنكليزي، بهدفين لهدف في سهرة الأربعاء الماضي، ليكتمل المشهد الختامي للمونديال الأوروبي (قلبا وقالبا)، بمعركة ثأرية لا تقبل القسمة على اثنين بين كرواتيا وفرنسا، لتحديد هوية بطل العالم الجديد الذي سيفرض نفسه على الصحف ووكالات الأنباء الدولية ويكون حديث الكرة الأرضية مساء اليوم الأحد.
 
طريق كرواتيا

أعاد منتخب الأربعة مليون نسمة إلى الأذهان سيناريو البرازيل 2002، عندما تأهلت للنهائيات بصعوبة شديدة، ثم فاجأت العالم بعروض لم تمح من الذاكرة إلى الآن، كذلك الكروات كانوا قاب قوسين أو أدنى من الابتعاد عن المونديال الروسي، بالتخلي عن صدارة المجموعة الخامسة بعد الخسارة أمام تركيا والتعادل مع فنلندا، لتذهب الصدارة للمنتخب الأيسلندي، فيما اُجبر المنتخب الكرواتي على خوض ملحق التصفيات ضد اليونان، لضمان المشاركة المونديالية الخامسة بعد أعوام (1998 و2002 و2006 و2014)، قبل أن تتكشف نوايا المدرب زلاتكو داليتش بمُجرد بدء كأس العالم، مُطبقا المعنى الحرفي للمقولة الشهيرة «البطل يُولد من رحم البطولة»، نظرا لأن الترشيحات كانت تصب أكثر لمصلحة أسماء أخرى أكثر خبرة من كرواتيا، مثل البرازيل وإسبانيا وألمانيا، لكن على أرض الواقع، كان ممثل شرق أوروبا يأكل الأخضر واليابس، بإسقاط خصومه واحدا تلو الآخر، بداية باصطياد النسر النيجيري بثنائية نظيفة في اللقاء الافتتاحي، ثم بعثرة ليو ميسي ورفاقه الارجنتينيين بثلاثية نكراء مع الرأفة، بعدها انضمت آيسلندا لقائمة الضحايا في ختام الدور الأول، وتبعها الدنمارك وروسيا في الأدوار الإقصائية بمساعدة ركلات الترجيح، وفي الأخير جاء التأهل التاريخي على حساب الأسود الثلاثة في اللقاء الذي أثبت خلاله مودريتش ورفاقه أنهم الأحق بمواجهة فرنسا في النهائي.
 
كيف قضت كرواتيا على إنكلترا؟

لا شك أبدا في أن أغلب التوقعات كانت تصب في مصلحة المنتخب الإنكليزي، وذلك استنادا للعروض المُقنعة التي قدمها غاريث ساوثغيت ورجاله في المونديال، وأيضا لانخفاض معدل أعمار لاعبيه، مقارنة بالمنتخب الكرواتي الذي يضم لاعبين مُخضرمين فوق الـ30، وهذا تقريبا ما كان يَعول عليه الشعب الإنكليزي، أن يكون عنصر الشباب والحيوية كلمة السر في معركة نصف النهائي، خاصة بعد المجهود البدني الكبير الذي بذله ثالث العالم 1998 أمام الدنمارك وروسيا بخوض شوطين إضافيين في كل مباراة، على عكس الأسود الثلاثة، الذين وصلوا للأشواط الإضافية مرة واحدة أمام كولومبيا، لكن عكس الطبيعة البشرية، بدا المنتخب الكرواتي وكأنه الأقل تعبا والأصغر سنا، باستثناء أوقات تألق الإنكليز في الشوط الأول، التي لم تُستغل على أكمل وجه، بإضاعة فرصتين ولا أسهل، واحدة منها أهدرها هاري كاين وهو على بعد متر واحد من المرمى الخالي من حارسه، ليأتي العقاب بغارات عن طريق إيفان بيريسيتش ولوكا مودريتش وبروسوفيتش وريبتش، لم تتوقف أو تهدأ إلا بإدراك هدف التعادل في منتصف الشوط الثاني، وكان واضحا أن هناك قلة تركيز لدى المدافعين الإنكليز الثلاثة ووكر وستونز وماغواير، على عكس كل المباريات، وتجلى ذلك، في مشاهد الهفوات الساذجة، التي أعطت المنافس هدايا مجانية، مثل فرصة بيريستش التي ارتدت من القائم الأيسر للحارس المجتهد بيكفورد. 
وعلى عكس التوقعات، تفوق عامل الخبرة الكرواتي على عنصر الشباب الإنكليزي، بذكاء من المدرب زلاتكو داليتش، بتعديل أفكاره واستراتيجيته بين الشوطين، بقلب طريقته من 4-2-3-1 التي بدأ بها المباراة، لـ4-1-4-1 عندما تكون الكرة في حوزته، وهذا ما تسبب في تعطيل المنظومة الإنكليزية، التي تعتمد على تدوير الكرة واللعب من لمسة واحدة بشكل طولي (أقرب لطريقة بناء مانشستر سيتي هجماته مع غوارديولا)، والأهم من ذلك، نجح المدرب الكرواتي في وضع ظهيري الأسود الثلاثة أشلي يانغ وكيران تريبير في موقف دفاعي بحت بدلاً من الهجوم على طول الخط، كما يُعذبان الخصوم منذ بداية البطولة، بالكاد حّول أحد نقاط قوة المنتخب الإنكليزي لنقطة ضعف، اُستغلت بشكل مثالي بقوة وضغط مُكثف من على الأطراف، قابلها ضعف وقلة تركيز في الدفاع الإنكليزي، وقبل أي شيء، يُحسب لمدرب اللياقة البدنية لهذا المنتخب، نجاحه في الحفاظ على المعدلات البدنية للاعبين، رغم أن كرواتيا أكثر ثاني منتخب في التاريخ خاض أشواطا اضافية في نهائيات كأس العالم (6 أشواط)، مثل إنكلترا في 1990، الفارق الوحيد أن ممثل يوغوسلافيا سابقا، وصل للنهائي، أما المنتخب الإنكليزي فقد انتهى مشواره في نصف النهائي أمام ألمانيا بلعنة ركلات الترجيح، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل سيتملك التعب من الكروات؟ أم الوصول للنهائي سيصنع المعجزات؟
 
طريق الديوك

على عكس كرواتيا، لم تجد فرنسا صعوبة بالغة في الحصول على تأشيرة اللعب مباشرة في المونديال، بحجز صدارة المجموعة الأولى، التي كانت تضم هولندا والسويد وبلغاريا ولوكسمبورغ وروسيا البيضاء، وبنفس الأريحية، حسم منتخب الديوك صدارة مجموعته المتوسطة في كأس العالم على حساب أستراليا وبيرو والدنمارك، لتأتي لحظة الحقيقة في أهم وأقوى اختبار عملي لديديه ديشان وكتيبته ضد المنتخب الأرجنتيني بقيادة نجمه الاستثنائي ليو ميسي، في افتتاح مواجهات دور الـ16، وحسنا فعل المنتخب الفرنسي، بإقصاء راقصي التانغو في واحدة من أجمل وأمتع مباريات المونديال، والتي شهدت ظهور كيليان مبابي بمستو مشابه جدا لأسطورة البرازيل رونالدو، في الانطلاقات العنترية بالكرة وبدونها، لبث الرعب في قلوب مدافعي الأرجنتين، لذلك، حالفه التوفيق في تسجيل هدفين ومنح منتخبه ركلة الجزاء التي سجل منها أنطوان غريزمان الهدف الأول، ليُصبح أول لاعب بعمر أقل من 20 عاما يُسجل هدفين في مباراة واحدة في كأس العالم، منذ فعلها بيليه في أواخر حقبة الخمسينات من القرن الماضي، وفي الاختبار التالي، لم يجد أحفاد نابليون بونابرت صعوبة بالغة في إقصاء ثعالب أوروغواي، بانتصار أقل ما يُقال عنه «اقتصادي»، بهدفين نظيفين، ولولا الإفراط في استعراض المهارة، لانتهى اللقاء بنتيجة عريضة.
 
كيف حُسمت معركة الجيران؟

من المعروف مُسبقا أن المنتخب البلجيكي من الصعب مجاراته في ألعاب الهواء، بفضل الطول الفارع الذي يتميز به أغلب اللاعبين في كل المراكز، بداية بأطول حارس مرمى في كأس العالم تيبو كورتوا، مرورا بعمالقة الدفاع ومروان فيلايني في الوسط، نهاية بالوحش روميلو لوكاكو، لكن بالنظر إلى لغة الأرقام، سنجد أن المنتخب الفرنسي تفوق على جاره في حوارات الفضاء، بفضل الثنائي أوليفييه جيرو وبول بوغبا، فكانت النتيجة حسم 13 التحاما هوائيا مقابل 8 لمنتخب الشياطين الحمر، ومعروف مسبقا كذلك، أن المنتخب البلجيكي لديه قدرة هائلة على الاحتفاظ بالكرة واللعب بشكل إيجابي أطول فترة ممكنة بدون ملل، وهذا ما عكسته إحصائية عدد التمريرات، التي وصلت لـ565 تمريرة في مواجهة نصف النهائي، لكن حدثني عن الإيجابية، كانت بالعامية «في خبر كان»، فقط 360 تمريرة من نصيب فيرتونخن وكومباني وناصر الشاذلي والدرفيريلد، وهذا في حد ذاته، يعكس لنا مدى السلبية التي اُجبر عليها المنتخب البلجيكي، وكأن ديشان ترك الكرة لمنافسه يفعل بها ما يحلو له، إلا الاقتراب من المناطق المحظورة، باستثناء فترة التفوق في أول 20 دقيقة، لينقلب بعد ذلك اللقاء، بحكم الفارق في القدرات والإمكانات، التي ظهرت بوضوح في المباريات الخاصة بين النجوم، كما فعل نغولو كانتي، بتضييق الخناق على دي بروين، لإجباره على التمرير من منتصف ملعبه، وبوغبا مع فيلايني ومبابي مع ثلاثي الدفاع، يكفي ما فعله وهو مُحاصر بين ثلاثة مدافعين، وفي الأخير و ضع بافار وجها لوجه مع تيبو كورتوا.  لا ننسى أن المدرب روبرتو مارتينز لم يكن موفقا في إدارته للمباراة، بإقحام ناصر الشاذلي في مركز الظهير الأيمن، والاعتماد على موسى ديمبيلي كلاعب وسط ثالث برفقة مروان فيلايني واكسل فيتسيل، وفي بعض الأوقات كان يتحول لمركز الظهير الأيسر، ما تسبب في تخبط المنتخب البلجيكي، وجعله يظهر وكأن نجومه يلعبون مع بعضهم بعضا للمرة الأولى، بشكل مغاير لما كان عليه أمام البرازيل وفي الشوط الثاني أمام اليابان، في المقابل كان المنتخب الفرنسي أكثر واقعية وتنظيما، ونُلاحظ شيئا لا ينبغي تجاهله، وهو أن المنتخب الفرنسي أظهر شخصية البطل، بإيجاد الحلول في المواقف الصعبة، على غرار ما فعله مع المنتخب الأرجنتيني، عندما تقدم أولاً في النتيجة، ثم تأخر بهدفين لهدف. هنا ظهر المعدن الحقيقي للاعبين، لم يتأثروا نفسيا أو يُحبطوا، بل حدث العكس، وبعد ذلك، أظهر منتخب الديوك أنه نموذج مثالي للكرة الحديثة، بإبداع في الهجوم والهجمات المعاكسة، وكذلك في الدفاع، عندما تفرض عليه الظروف اللعب بطريقة دفاعية، تماما بنفس سيناريو مباراة بلجيكا، التي استحوذ دي بروين ورفاقه على شوطها الثاني، لكن بلا فائدة.
 
من الأوفر حظا؟ 

اتفقنا منذ بداية المونديال، أنه من الصعب جدا على أعتى وأفضل محللي كرة القدم توقع نتيجة أو أحداث أي مباراة، وهذا لتقارب مستوى المنتخبات بطريقة غير مسبوقة منذ فترة طويلة، والدليل على ذلك، ظهور وجه غير تقليدي في النهائي، حتى المنتخب الفرنسي، رغم أنه البلد الذي أثرى العالم بفكرة كأس العالم ودوري الأبطال وغيرها من البطولات، إلا أنه لم يُسّطر تاريخه بشكل حقيقي إلا في أواخر التسعينات وبداية الألفية الجديدة، بالجيل الأسطوري، الذي فاز باللقب الذي نظمته فرنسا عام 1998، وبعد عامين أكمل الحلم «بسرقة» اليورو من إيطاليا بهدف دافيد تريزيغيه الذهبي، ويُحسب لديشان، أنه نجح وباقتدار في إعادة الهيبة الفرنسية المفقودة منذ اعتزال زميل الأمس زين الدين زيدان وبقية رفاق دربه بعد 2006، بقيادة المنتخب للوصول لنهائي اليورو وكأس العالم في غضون عامين، كأول مدرب في بلاده يُحقق هذا الإنجاز، ولأنه كان قائد الجيل الذهبي الذي تسلم الكأس من الرئيس الأسبق جاك شيراك في مقصورة ملعب «سان دوني»، تمكن من استنساخ روح 1998، بتوليفة سحرية تكاد تكون كربونية من توليفة 1998 التي كانت تكتسي بالصبغة الأفريقية، بنجوم من نوعية باتريك فييرا وليليان تورام وتييري هنري والبقية، كما هو الحال الآن مع كيليان مبابي وبول بوغبا وصامويل أومتيتي وصاحب الثلاث رئات نغولو كانتي والآخرين. 
وبخلاف أن ديشان أصبح قاب قوسين أو أدنى أن يكون ثالث من حصلوا على المونديال كلاعب ومدرب بعد فرانز بيكنباور مع ألمانيا والعجوز ماريو زاغالو مع البرازيل، فيُمكن القول أن كل الطرق تؤدي لحصوله على الكأس بنفس سيناريو 1998. نُلاحظ أن هناك ثلاثة مدافعين سجلوا للديوك في هذه البطولة صامويل أومتيتي ورافايل فاران وبنيامين بافار، نفس سيناريو بطولة اللقب الوحيد، آنذاك سجل كل من فيسنتي ليزارازو ولوران بلان وليليان تورام، والمفارقة هنا، أن الأخير لم يُسجل في حياته سوى هدفين قادا بهما منتخبه لتجاوز كرواتيا في نصف النهائي، نفس الأمر فعله أومتيتي بتسجيل هدفه الرسمي الأول في بلجيكا، مثل فاران، سجل هدفه الرسمي الأول مع فرنسا في شباك أوروغواي، أما الفارق الجوهري بين الجيلين، هو ضعف مركز رأس الحربة، متمثلا في مهاجم آرسنال السابق وتشلسي الحالي أوليفييه جيرو، الذي لم يُسدد ولو كرة واحدة بين القائمين والعارضة في ست مباريات، لكن بشكل عملي، يجب عدم التقليل من الدور الكبير الذي يقوم به، بالتأخر إلى الوراء، لسحب المدافعين للأمام لفتح مساحات وثغرات للعداء مبابي وللحاسم غريزمان، الذي شارك في 11 مباراة في آخر 7 مباريات إقصائية لمنتخب بلاده سواء في اليورو أو المونديال، بواقع 7 أهداف من توقيعه وصناعة 4.

هل كرواتيا لقمة سائغة؟

هذه ليست حقيقة على الإطلاق، إذا كان على الورق المنتخب الفرنسي هو الأقوى والأوفر حظا، فمنطق كرة القدم بوجه عام وكأس العالم في هذه النسخة بالذات، لا يعترف بهذه الأشياء، يكفي أن المنتخب الكرواتي خالف كل التوقعات، ليس بنتائجه، بل بالمجهود الخرافي المبذول على أرض الملعب، مثلاً أمام الدنمارك، لعب الفريق أشواطا إضافية، بمعدل ركض جماعي 132 كيلومترا، وفي المعركة البدنية الأصعب والأشرس أمام البلد المنظم روسيا، لعبت أيضا 120 دقيقة، لكن بمعدل ركض أعلى وصل لـ139 كيلومترا، والمدهش حقا، هو ارتفاع معدل الركض أمام الإنكليز (عكس كل التوقعات)، وصل لنحو 143 كيلومترا، وهذا معناه، إما سيخوض الكروات النهائي بالدم والعرق، أو ستكون نهاية الصمود وانهيار معدلات البدنية، وإن تأثروا بدنيا، فهذا في حد ذاته، سيكون مفتاح فوز الفرنسيين باللقب، ولمّ لا؟ قد تكون نزهة أو بالأحرى أسهل اختبار للمنتخب الفرنسي في المسابقة، بنفس سيناريو ثلاثية البرازيل التاريخية، إلا إذا ظلت أقدماء مودريتش ورفاقه الموهوبين صلبة على أرض الملعب، ليس فقط لإعادة كتابة التاريخ بإدخال بلادهم قائمة العظماء التسعة الذين نالوا شرف الفوز بكأس العالم، بل أيضا لرد الدين لفرنسا التي أخرجتهم من نصف النهائي قبل 20 عاما، فمن سيكون أوفر حظا الليلة؟ دعونا نستمتع ونترقب البطل الذي سيحتفل به العالم مساء اليوم.

الاختبار الأسهل لفرنسا أم مولد بطل كأس العالم التاسع؟
نهائي مونديال 2018
عادل منصور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية