الارتكاس الثقافي

ما من شك في أن الممارسة الثقافية تعيش على إيقاع ارتكاسة حقيقية في مجتمعاتنا العربية، بل انتكاسة مُهْوِلة ومُفْزِعة، تفرض على الفاعل الثقافي/ المثقف الحامل لمشروع ثقافي وتصوّر عميق لأهمية العلم والمعرفة داخل المجتمع، ودوره في التقدم والتطوّر، طرح الأسئلة العميقة تُّجَاهَ هذا المصير الكارثي، الذي يتعرض له هذا الإرث الرمزي من تبخيس وتنقيص من دوره في زرع بذور القيم النبيلة، وإشاعة الحوار والعقل والجدل.
وفي اعتقادنا المتواضع نقرّ بأن دواعي/ أسباب هذا الارتكاس متداخلة، متواشجة ومتشابكة، فأولها الأوضاع المتأزمة التي يَمُر ُّبها المجتمع العربي، فالتردي الاقتصادي والسياسي والاجتماعي هو العنوان البارز، الذي سَبُبُهُ الإقصاء الممنهج لما هو تربوي تعليمي، فالمنظومة التربوية والتعليمية تشهد أزمة خانقة وترديا لم يشهدهما تاريخ الأمة، منذ عقود خلتْ، نتيجة السياسات المتّبعة من لدن السلطة الحاكمة في هذا المجال الحيوي والأساسي، التي ترمي من ورائها إلى القضاء على كل أمل لدى المواطن العربي في منظومة تربوية ناجعة، لأن القيّمين على هذا القطاع في العالم العربي يعتمدون في منظومة التربية على برامج تعليمية متآكلة ومتهالكة، بعيدة كل البعد عن حاجيات المتعلمين وانتظاراتهم، ومتناقضة كل التناقض مع المستجدات والتحولات التي مسّت جوهر الحياة والإنسان والاقتصاد والفكر، ما جعل مؤسسة المدرسة خارج السياق التاريخي والحضاري الجديد، الذي قوامه عولمة قاتلة للعقل وللقيم ولجوهر الإنسان، ومتخلّفة عن مسايرة العصر؛ فهي لم تستطع خلق متعلّم قادر على إعمال العقل؛ واستثمار المعرفة بطريقة جادّة ومثمرة من أجل الإبداع والخلق والابتكار، واقتحام الغامض والملتبس في الثقافة الإنسانية، بقدر ما فَلَحَتْ في تلْقينه معرفة منتهية الصلاحية؛ لا تلبّي رغباته واحتياجاته المختلفة عمّا كان سائدا.
إضافة إلى تخلّي المربّي عن دوره التربوي والتعليمي لتمكين المتعلّم من معرفة بمستطاعها التحفيز على القراءة المنتجة والرغبة في الإبداع، نتيجة الوضع الكارثي اجتماعيا واقتصاديا ووظيفيا، لهذا المربّي الذي أصبح عاجزا عن تلبية حاجياته البسيطة من مأكل ومشرب ومسكن، ليسقط رهينة متطلبات الحياة اليومية، هذه العوامل كانت سببا من بين أسباب أخرى في تخليه عن القراءة وأداء مهامّه على الشّكل الأمثل والأنجح. ومن ثم لا تنتظر من مربٍّ لا يقرأ ولا يبحث ولا يجتهد، أن يسهم في الإبداع والابتكار، وأن يبذل قصارى جهده لتحبيب القراءة للمتعلمين، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
كل هذا كان له الأثر الجلي في الممارسة الثقافية التي غدت رهينة هذه الوضعية المأزومة، بل إن الخراب الذي لحق القيم منبعه الأساسي تهميش التربية والانكباب نحو ثقافة استهلاكية، حوّلت الإنسان إلى مجرد كائن مستهلك لا منتج، ما أفضى إلى سيادة عقلية التواكل والغش والاحتيال في المعرفة والعلم والمسؤولية. ولا غرابة في هذا الوضع الكارثي للثقافة؛ مادام العقل العربي قد تمّ تجميده منذ عقود خَلَتْ، وأيضا مادام التعليم جثة هامدة لا روح فيه ولا حياة، ومادام الفعل الثقافي مشلولا بفعل سياسة التبضيع والتسليع، وغلبة ثقافة الماكدونالد والساندويتش وهلّما توصيفا ونعوتا. ومن ثمّ يغدو الفعل الثقافي تحت رحمة التهميش والإقصاء، لأن السّاهرين على المؤسسات الثقافية لا همّ لهم سوى الحفاظ على ثقافة الأمر الواقع، والعمل على نشر ثقافة التيئيس. وهذا طبيعي لأن مقصدهم تكريس ثقافة السلطة، ثقافة التهريج والتسطيح، ثقافة الضحالة والتّفاهة، ثقافة الجمود وعبادة الأصنام، ثقافة التكفير والتنفير.
والسبب الثاني: صورة جامعاتنا خير شاهد على ذلك، فَجُلُّها يكرّس ثقافة الأولياء والأضرحة البعيدة كل البعد عن روح العصر، ومجلاها الأطاريح الجامعية السائدة، في الآونة الأخيرة، حجّة ساطعة على هذه الانتكاسة الثقافية. فزاد هذا من تأزيم الوضع الثقافي الذي أصبح تحت رحمة التراجعات المخيفة والمربكة لكل من يحمل فكرا متنوّرا؛ ويرغب في تحطيم الصنمية الثقافية المهيمِنة منذ قرون، ومن ثمّ لم تعد في الجامعة، اليوم، فرصة للتأمل وإعمال العقل، أمّا البحث العلمي الجامعي فقد تمّ إقباره على يد الفاعلين الجامعيين، وعليه فإن ثقافة التبعية والاحتذاء وتكريس محاضرات بائتة على المدرجّات الجامعية هي السائدة والمهيمنة، ممّا يعكس أزمة العقل العربي؛ ويكشف عن وضعية الفكر العقلاني الذي يتعرّض للحصار والتضييق من لدن أوصياء الدرس الجامعي الرجعيين الخارجين عن منطق التاريخ وأسئلته، والأنكى من ذلك نجد «بعض الجامعيين المتنوّرين» يسيرون على هدْي أعداء العقل، من خلال إعلان الحرب ضد العقلانية المستنيرة، وضد كل مثقف أو طالب نَبِيهٍ يحاول تحطيم صنمية السائد . أضف إلى هذا أن المؤسسات الثقافية من اتحادات للكتاب هي الأخرى فقدت بوصلة الفعل الثقافي، الذي سيسهم في تطوير المجتمع والرقي بالمعرفة إلى مصاف الانشغال اليومي للمهتمين وللمجتمع؛ لكونها تفتقد لمشروع ثقافي منبثق من تحولات المجتمع العربي وأسئلته الحارقة؛ ومستجيب لانتظارات الفئات الاجتماعية والمثقفة، بل إن هذه المؤسسات تحوّلت إلى بوق للسلطة الحاكمة، تابعة أي ذيلية. منفعلة لا فاعلة، بقدر ما هي مستجيبة لأوامر أهل الحلّ والعقد، وراضخة لأوهام المناصب، مبتعدة بذلك عن الانشغالات الحقيقية التي يحسُن بالثقافة والمثقفين إثارتها والمشاركة الفعلية في مقارباتها، ولا غرابة في الأمر فالثقافة الإنسانية سقطت في فخ العولمة، هذه الأخيرة التي تسعى بكل ما تملك من قوة ووسائل إلى تكريس ثقافة الاستهلاك، التسليع والتسطيح. فغدا العقل البشري عدوّا لكل القيم المتنورة التي ضحّى من أجلها الإنسان منذ قرون، ولم يعد هاجسه إخراج البشرية من ظلمات عولمة جارفة، بل تحوّل إلى معوّق من معوّقات التطور، فاليوم انتشرت أفكار توجّه سهام النقد والانتقاد لمفاهيم المساواة والعدالة والديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان، متسائلة عن جدواها، ما يعكس بوضوح أن ما أنتجه عمالقة الفكر والعقل من نتاج ثقافي، وجد نفسه في مهب التبخيس ومعرضا للإبادة، وتلك طامة كبرى وعظمى يتخبط فيها العقل الإنساني، كما يمكننا الحديث عن انهيار حضاري مخيف لكل مَنْ يحمِل في روحه ذرة نور وعقل وإنسانية، ويعتبر السبب الثالث من هذه الانتكاسة الثقافية.
ولابد من الإشارة إلى أن مناولة الجانب الثقافي تعود إلى القلق الذي يساور الفاعل والمنشغل بالهم الثقافي، على اعتبار أن الثقافة وجه من وجوه الحضور التاريخي والحضاري لأي مجتمع أو أمة، وهي الرأسمال الرمزي والمعنوي الذي يجعلها قادرة على مجابهة التحديات والدفاع عن هويتها وخصوصيتها. فالأمم الرازحة تحت نير الجهل والأمية، والتي تعادي الممارسة الثقافية أمم فاقدة لوجودها، وتكون تحت رحمة الاستلاب وعبودية الآخر، ومقيّدة بأغلال التبعية العمياء، ما يفرض عليها ان تظل رهينة الظلام والجهل، التخلّف والانحسار؛ ومهدّدة بالاندثار. هذا القلق الثقافي منبعه المنعطفات التي تمرّ بها المجتمعات العربية والمتّصفة بانهيار السرديات الكبرى، والتشرذم الذي يزيد الأوضاع كارثية على كافة الأصعدة، الشيء الذي جعل الفعل الثقافي يفقد تأثيره في نسقية اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، تعيش على حافة الانهيار، والسبب الرابع يكمن في كون أسئلة النهضة التي طرحت لم تحدث أثرا ما في النسقية الثقافية المهيمنة، بقدر ما تناولت قضايا عصرها، بدون التفكير في الكيفيات السليمة لترسيخها داخل المجتمع، رغم العديد من المحاولات الجادة التي قام بها بعض مفكرينا النهضويين أمثال الطهطاوي وطه حسين وسلامة موسى وغيرهم. لكن على ما يبدو أن ثقافة الاجترار وعبودية الثابت كان حليفها الانتصار.
إن طرح هذه القضية نابع من الأوضاع الكارثية التي توجد عليها الثقافة العربية، ومن الشعور بألم وحيرة تجاه الحضارة العربية التي تعيش على إيقاع الامّحاق إذا لم نكثّف من جهودنا حتى يستعيد العقل العربي الدور المنوط به؛ وزرع بذور الأمل في أرض الأجيال القادمة. وناتج عن المآلات المجهولة التي تنتظر المجتمعات العربية، إذا لم تفكّر في إيجاد حلول ناجعة من أجل نهضة جديدة تعيد للأمة العربية دورها التاريخي والحضاري بين الأمم.

٭ شاعر من المغرب

الارتكاس الثقافي

صالح لبريني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية