بعد الكشف عن الارشيف النووي الإيراني، خرج كثيرون بأقوال سلبية عما وصفه بعضهم «بالعرض». والجميع أكثروا بالطبع من المديح لأسرة الاستخبارات، بما فيها الموساد، ولكنهم لم يضنوا بسوط لسانهم عن العرض الذي قدمه رئيس الوزراء.
كان هناك من أشاروا إلى أن الكشف سيلحق أضراراً بقدرات الموساد العملياتية، إذ ان عملياته تبقى بشكل عام قيد السر. غير أنه في هذه الحالة لا يدور الحديث عن حملة استخباراتية خفية عن العدو حتى بعد أن تنتهي، إذ ان الإيرانيين علموا بالحدث بكامل معناه ما ان دخلوا إلى المخزن فوجدوا الخزانات الفارغة. ولم يضف كشف رئيس الوزراء لهم أي عنصر هام، وبالتالي فإن الادعاء ليس مصداقا. ومع ذلك، لا ينبغي جعل هذا الامر عادة، ويجب ابقاء عمليات الموساد طي الكتمان.
ولكن الادعاء يطرح سؤالا مبدئيا: لمن تعود المعلومات الاستخباراتية التي تجنيها أسرة الاستخبارات؟ في الدولة الديمقراطية ينبغي أن يكون واضحا بأنها تعود للدولة وليس للهيئات الاستخباراتية. وينبغي لاستخدامها أن يكون بقرار الدولة ورئيسها، في ظل اخذ المقرر بالحسبان قيود واحتياجات محافل استخبارات، ولا سيما حفظ أمن المصادر والمقاتلين وعدم كشف طرق عملهم. يوجد ضابط امن في كل هيئة استخبارات وينبغي السماع لمواضع قلقه، ولكن الويل للدولة فيما إذا كانت اعتبارات رئيس الوزراء مشابهة لاعتبارات ضابط الامن. فعلى رئيس الوزراء أن يأخذ عموم الجوانب وأن يتخذ القرار وفقا للاعتبارات الاوسع. لقد سبق لإسرائيل أن فعلت هذا في الماضي، لان على الاستخبارات أن تخدم احتياجات الدولة. ولهذا الغرض تبذل الجهود لجمع المعلومات الاستخباراتية.
والان إلى الادعاء المركزي: لم يكن في العرض مسدس مدخن لخرق الاتفاق، ولا معلومات جديدة ايضا، ولهذا فإن الحدث زائد ولن يحقق شيئا. المناسب هو فحص هذا القرار المركب بتفاصيله.
مع أنه «لا يوجد مسدس مدخن» على خرق إيراني للاتفاق، إذ لا يمكن أن يكون مثل هذا المسدس المدخن، حيث أن الارشيف جمع المادة لفترة تنتهي في 2003، ويبدو أنهم اغلقوه مع او بعد التوقيع على الاتفاق. بطبيعة الحال، فما اخفي قبل الاتفاق لا يمكن ان يكون دليلا على خرق الاتفاق. وعليه فهذا ادعاء سخيف.
فضلا عن ذلك، حذر رئيس الوزراء، حتى قبل كشف الارشيف بأن الاتفاق جيد جدا لإيران، فلماذا بالتالي يخرقونه؟ حين يكون للإيرانيين حسب الاتفاق امكانية لتطوير الجيل التالي والاسرع عشرة اضعاف من اجهزة الطرد المركزي، فيما يكون بوسعهم تطوير صواريخ تصل إلى مسافات ابعد، اذ لا ذكر لهذا في الاتفاق، وفي نهاية فترة الاتفاق يكون بوسع الإيرانيين العودة إلى الارشيف وبسرعة التدحرج إلى القنبلة، من دون أن يتمكن أحد من وقفهم فلماذا يخرقون الاتفاق؟ يجب أن نفهم، ليس للإيرانيين سبب يجعلهم يخرقون الاتفاق. وفي صالح المشروع النووي يتعين عليهم أن يحموه من كل ضير. اما الانجاز فسيحصدونه في نهايته، بعد سبع سنوات. خطأ من جانبهم خرقه.
ولكن هل بالفعل لا يوجد «ما هو جديد»؟ برأيي، في الكشف حتى الان ثلاثة امور جديدة هامة، ولا أدري ما يوجد في المادة الاضافية.
أولا، يوجد جديد في أن الادعاءات بوجود البرنامج النووي الإيراني ليست اكثر من تقدير استخباراتي يمكن دوما التشكيك فيه، والكثيرون فعلوا ذلك في ظل استخدام النموذج العراقي («هناك اخطأتم ـ من يقول انكم لا تخطئون هنا ايضا؟ انتم تبالغون ومهووسون»). كما ان الادعاء بأن الصواريخ الإيرانية مخصصة لحمل رأس متفجر نووي رد بصفته ادعاء غير مصداق. وها هو يوجد جديد، جديد جدا: الإيرانيون انفسهم يفيدون عبر الارشيف بأنه كان في نيتهم ان يبنوا بضعة رؤوس نووية وتحميلها على صواريخ. بسبب هذه المادة الجديدة، فإن الجدال على نيتهم في الماضي انتهى، وهذا الوضوح هو امر جديد كبير. إذا كان رئيس الوزراء قام «بالعرض» فقط كي ينهي الجدال ـ فحسنا. واضح الان: الإيرانيين اعتزموا وعملوا بشكل جدي على تحقيق سلاح نووي، وبالتالي كل جهد التخصيب، الذي تكافح إسرائيل ضده بشدة، يلقى معنى خطيرا اكبر في ضوء قوة المشروع الذي انكشف في الارشيف.
ويوجد جديد آخر. واضح الان ان الإيرانيين خدعوا في موضوع حرج: قدرتهم في مجال بناء السلاح النووي. بفضل الوثائق يتبين ان هناك فجوة حقيقية بين ما اعلنوا انهم فعلوه (او لم يفعلوه) وبين ما فعلوه في الواقع. إذا لم يكن هذا جديدا كبيرا، فما هو الجديد.؟
صحيح انه يمكن دوما القول ان الفرضية الاساس كانت ان الإيرانيين يخدعون وبالتالي فإن طريقة الرقابة التي وضعت في الاتفاق وثيقة جيدا ولكن حتى من يعتقد ان الإيرانيين يخدعون لم يعرف كم، ولم يبن منظومة رقابة مناسبة للواقع الذي يظهر من الوثائق. فلو كان الموقعون على الاتفاق يعرفون عن البرنامج النووي الإيراني ما يعرفونه في اعقاب كشف الارشيف، لكانت تفاصيل الاتفاق ستبدو مختلفة بالتأكيد ولا سيما كل أنظمة المتابعة والرقابة في مجال بناء السلاح، إذ ان نقطة المنطلق عن القدرة الإيرانية كانت ستكون مختلفة. هذا جديد كبير، وبسببه يجب تغيير الاتفاق، حتى لو بقي على حاله. هكذا، مثلا، واضح ان الإيرانيين ملزمون بأجوبة على الكثير من الاسئلة الصعبة، التي لو لم تنكشف الامور الجديدة، لما كان يمكن طرحها. اقدر مثلا بأنه في اعقاب الصور التي توجد في الوثائق، فإنه فقط الاسئلة عن العتاد الذي كان في إيران ويبدو أنه لم يدمر ستكون أكثر من كل الاسئلة التي طرحت على الإيرانيين بعد الاتفاق.
وأخيرا، الجديد الاساس: الإيرانيون حموا من كل ضير كل الوثائق التي تسمح لهم بالعودة إلى البحث وافعل اللذين غايتهما انتاج رؤوس نووية. فالارشيف ومستوى حمايته هما امر جديد حقا، جديد مقلق. هذا الجديد يطرح ايضا سؤال حول عناصر اخرى للبرنامج النووي لم يعرف كيف يسأل عنها، وبخلاف الارشيف لا يعرف بوجودها، اذ ان الارشيف نفسه لم يكن معروفا. فماذا تخفي إيران اكثر، هذا سؤال جديد ينشأ عن كشف الارشيف.
وللادعاء الاخير: «الكشف لن يحقق شيئا». عن هذا عندي ملاحظتات: الاولى هي من لا يحاول لن يفشل أبداً، ولكن بالتأكيد لن يؤثر. الثاني هي انه من المجدي الانتظار لنرى إذا كانت الامور ستؤثر أم لا. فالرئيس ترامب تحدث منذ الان ايجابا عن الكشف، والخبراء الاوروبيون جاؤوا إلى إسرائيل كي يطلعوا على تفاصيل الارشيف، اذ بعد الكشف لم يعد ممكنا تجاهل ادعاءات إسرائيل. وقطع القضاء السلبي على نتيجة العرض سابق لاوانه على الاقل.
وأخيرا ملاحظة فنية: رئيس الوزراء هو المسؤول المباشر والوحيد عن الموساد، ولو انتهت العملية بفشل مدو، لكان تلقى غير قليل من الانتقاد. نجاح العملية يلزمنا باعطاء الحظوة له ايضا.
يعقوب عميدرور
إسرائيل اليوم 8/5/2018