الاستخدام السياسي لـ«المرأة» والـ«جنس» في الشعر العربي

حجم الخط
0

استُخدمت «المرأة» موضوعا لـ»تصفية الحسابات» منذ زمن بعيد. وكان الاستخدام السياسي أشد إيلاما للخصوم، من خلال توريطهم في فضائح جنسية مجلجلة، قصد إسكاتهم والانتقام منهم. والواقع الراهن يقدم أمثلة كثيرة عن كيفية إسقاط المنافسين السياسيين، باستعمال المرأة موضوعا للجنس السياسي. وفي هذا الإطار، أتصور أن العودة إلى «عالم الجاسوسية»، بمراجعة العديد من ملفاتها، كفيلة بتبيُّن طبيعة استعمال المرأة/ الجنس، للحصول على الأسرار السياسية للدول والمجتمعات.
الاستخدام السياسي للجنس موضوع واسع، يمكن مقاربته من أكثر من زاوية معرفية، ولذلك، من الأجدر حصر الموضوع في ما له علاقة بالشعر. وفي السياق، يمكن الإشارة إلى تأذي الرسول الكريم من الشعراء، الذين تجرأوا فعَرَّضوا بنسائه. وما أن نتقدم إلى العصر الأموي، زمانا، حتى يتخذ الموضوع شكله وقوته. إن الصراع السياسي، الذي بلغ أوجه حول مسألة الخلافة، سيفرز شعرا سياسيا غزيرا، تعددت أوجهه ومظاهره. وتكفينا الإشارة إلى انحياز عبد الله بن همام السلولي إلى البيت الأموي، بل الخروج في ذلك إلى المبالغة، باستعداده لمبايعة نساء من البيت نفسه. ذلك أن التعصب القوي للأمويين، هو الذي دعاه إلى التطبيع مع مبايعة «هند» أو «رملة»على الرغم من عدم جواز ذلك دينيا وثقافيا… يقول ابن همام:
فإن أتوا برملة أو بهنــــــد نُبايعــْها أميرة مومنــينا
إذا مات كسرى قام كسرى نعدُّ ثلاثة متناسقيـــــنا
وفي المقابل، نلفي التعصب نفسه يستوجب من مروان بن أبي حفصة، وهو بصدد عقد الخليفة العباسي المهدي البيعة لابنه الهادي، التعريض بالعلويين وبعدم أحقيتهم في الخلافة. وقد كانت حجة الشاعر بن أبي حفصة، في ذلك، أن العلويين يتصلون بالرسول عبر طريق «البنت» فاطمة:
أنّى يكون وليس ذاك بكائن لبني البنات وراثة الأعمام
في هذا االخضم المتلاطم، يندرج الحديث عما يمكن تسميته «التشبيب السياسي». وبطبيعة الحال، ينبري الشاعر، ذو الهوى الزبيري، عبيد الله بن قيس الرقيات في الطليعة. ذلك أن هذا الرجل اتخذ التشبيب وسيلة سياسية، للنيل من خصومه السياسيين، أي الأمويين تحديدا. لابن قيس الرقيات أكثر من قصيدة، إلا أن أجرأها تلك التي تغزل فيها بأم البنين، امرأة الوليد بن عبد الملك وبنت عبد العزيز بن مروان. وحتى لا تتأذى الزوجة المُتغزَّل بها، انتهت قصة الشاعر المذكور معها بالقول: إنها مجرد رؤيا منامية. في الأبيات الآتية، أسفله، يبرز الخبث السياسي في أنصع صوره:
ألا هزأت بنا قرشيــــــ ــة يهتــــزُّ موكبــــُها
رأت بي شيبة في الرأ سِ متى ما أغيبــــهـا
فدع هذا ولكـن حــــــــا جة قد كنت أطلبـــهـا
إلى أمّ البنين متــــــــــى يقربـــها مقربـــــــها
أتتني في المنام فقلــــــــ ـت هذا حين أُعقَبُــها
فلما أن فـــرحت بهـــــا ومال عليّ أعذبُهـــــا
شربت بريقها حتــــــى نهلت وبتُّ أشربُهــــا
وإن لم يفحش ابن الرقيات في قصته المنامية، فإن تركيزه على الاتصال السطحي بالـ»قُبل» تجاوز كل حدّ. لم يكن لحوار القبل من نهاية، كأن الشاعر يستقي من ماء أجاج، لا ينطفئ له ظمأ بتاتا. الماء العذب، من شدة عذوبته، يمكن أن تكون له النتيجة نفسها أيضا (عدم بلوغ حالة الارتواء). بموازاة مع ما سبق، ينبغي التوقف عند عبارة «أشربها»، بما تحمله من إصرار وإمعان. من جهة أخرى، نلاحظ أنه كثيرا ما شُبِّه ريق المرأة بالمُدام (الخمر). وقد استغل أحد الشعراء الاشتراك الحاصل في الاسم «مدام» (بين الجارية والخمر)، ليخرج بهذه الصورة العجيبة البديعة:
قل لمن يملك الفؤا د وإن قـــد مُلكْ
قد شربناك مــــدة وبعثنا إليــك بكْ
بالعودة إلى أم المؤمنين، نجد أنها، بغزارة ريق فيها، تقترب من معنى البئر التي لا ينضب معينها. وإذ بالغ ابن الرقيات في التقبيل (أشربها)، بقي الشاعر أبو دلامة عند حدود اللثم. ففي مقابل «بتُّ أشربها»، استعمل عبارة مُخففة «بتُّ ألثمها:
إن كنتَ أصبحتَ مشغوفا بجارية فلا وربِّك لا يشفيك من شغــــفِ
فبتُّ ألثمها طورا وتلثمنـــي طورا ونفعل بعض الشيء في اللُّحُف
مهلا.. مهلا.. فحين لا تتجاوز علاقة صاحبنا بأم البنين مستوى القُبل، نجدها لدى الآخر تأخذ مسارا مُتقدِّما. ذلك أن «حوار القبل»، لدى أبي دلامة، لم يكن إلا مجرد «مُقبِّلات»لما سينتهي في «اللحف». وهل يستطيع ابن الرقيات أكثر من ذلك، حيث الأمر يتعلق بزوجة خليفة؟ وفي موضوع «القبل» دائما، يمكن الإشارة إلى قصة «أم البنين» مع عَزَّة صاحبة الشاعر كُثَيِّر. والقصة أن زوجة الخليفة استخبرت صاحبة الشاعر عن دَيْنها، الذي عليها أداؤه لكُثير في قوله:
قضى كل ذي دين فوفّى غريمه /// وعَزَّة ممطولُ مُعَنُّ غريمُها
لم يكن بيد عزة إلا أن تخبرها بأمر «القُبلة»، التي وعدت كثير بها، فتحرجت من الوفاء بها. أما بالنسبة لموقف أم البنين، تأثرا لحال الشاعر، فقد جاء على الصيغة الطلبية التالية: أنجزيها وعليّ إثمها. ويحكى أنها كفّرت عن طلبها ذاك (وهي أخت الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز) بتحرير أربعين رقبة من العبيد.
لقد شهد العصر الأموي غزلا سياسيا، تعددت صيغه ووجوهه. وفي دراسة، يُحيل صاحبها (أزعم أنه طه حسين) الإفحاش في الغزل إلى السياسة الأموية، التي لجأت إليها لصرف أبناء قريش. في هذا الإطار، يطل الشاعر عمر بن أبي ربيعة برأسه، إضافة إلى الأنصاري المسمى الأحوص. ويُحكى، بخصوص الشاعرين الأخيرين، أن الخليفة عمر بن عبد العزيز استقدمهما إليه، مستعرضا إفحاشهما في الغزل، والوصول به إلى حيث لا ينبغي. وبعد تعهد ابن أبي ربيعة بعدم العودة إلى ذكر النساء، عفا الخليفة عما صدر عنه، من قبيل قوله في نساء بالحج:
فلم أرَ كالتجمير منظر ناظــــــر ولا كليالي الحج أفلتن ذا هــــــــوى
وكم مالئ عينيْه من شيء غيره إذا راح نحو الجمرة البيضُ كالدمى
أما الأحوص، فقد تمّ نفيه، نتيجة جرأته البالغة على الله في قوله:
الله بينـــي وبين قيِّمــــها يهرب منـــي بهــــا وأتّبِعُ
ومثل ابن الرقيات، عُرف الشاعر الأحوص بالتشبُّب بالنساء المتزوجات. وإن لم يكن تشبيبه حاصلا لأهداف سياسية واضحة، إلا أن استخدامه للنيل من خصومه أضحى سمة غالبة في شعره. وغير بعيد عن رؤيا الشاعر الأول المُتخيَّلة، يُحكى أن الأحوص كلَّم امرأة يقال لها «أم ليث»، في أن تسمح له بالتواصل مع جارة لها أنصارية جميلة، عبر «خوخة» فتحتها بينهما. ولأن أم ليث واجهته بالرفض، فما كان من الأحوص إلا أن كافأها بالثأر منها شعرا:
هيهات منكَ بنو عمرو ومسكنُهم إذا تشتَّيتَ قِنِّسرينَ أو حلبـــا
قامت تراءى وقد جدّ الرحيلُ بنا بين السقيفة والباب الذي نُقِبا
إني لمانحها ودّي ومتَّخـــــــــــذُ بأم ليث إلى معروفها سببــــا
وهكذا، شاع بن الناس أنه يجتمع بالأنصارية الجميلة عند أمّ ليث. وفي قصة أخرى، شبَّب الأحوص بأم جعفر، واستمر في ذلك إلى أن جاءته يوما منتقبة وهو بين قومه. وحين بادرته بقضاء ثمن الغنم التي اشتراها منها، أخذ يقسم بأنه لم يبتع منها شيئا، والناس حوله ملتفون يلحون عليه بقضاء حقها. وبتأكيده أنه لا يعرفها، كشفت وجهها قائلة: « يا عدو الله! صدقتَ، والله ما لي عليك حق ولا تعرفني. وقد حلفتَ على ذلك وأنت صادق، وأنا أمّ جعفر، وأنت تقول: قلتُ لأم جعفر، وقالت لي أمُّ جعفر في شعرك! فخجل الأحوص وانكسر عند ذلك، وبرئت عندهم».
وإلى جانب ما ذُكر، استخدم التشبيب في الفخر القبلي. ومن أمثلته، ما قاله الفرزدق في فخره ببني ضبة، الذين سبوا سبية من بني عامر بن صعصعة:
فظلت وظلوا يركبون هبيرها وليس لهم إلا عواليهم سِتْرُ
(وفي شرح للهبير، ورد في العقد الفريد أنه: «المطمئن من الأرض، وإنما أراد ها هنا فرجها»). وفي مقابل النيل من الخصوم، يفتخر الفرزدق بفحولة رجال قومه، وهو واحد منهم بطبيعة الحال:
ومنّا التميميُّ الذي قام أيْرُه ثلاثين يوما قد زادها عشرا
أما الشعوبيون، من الفرس وغيرهم، فقد كانوا يعيرون العرب بفساد نسائهم، اللائي كنّ يُنكحن في الجاهلية، بلا عقد نكاح ولا استبراء من طمث «فكيف يدري أحدهم من أبوه».
وإن بات شعر التشبيب من الماضي، إلا أن الاستخدام السياسي لـ»الجنس» ما يزال قائما، في إطار النيل من الخصوم السياسيين (حقيقة أو افتراء). الوقائع التي بتنا نتابع بعض فصولها، في أكثر من جهة ومكان، ليست ببعيدة عما كان حاصلا، منذ أن كُتب لآدم وحواء النزول إلى الأرض.
كاتب مغربي

 

الاستخدام السياسي لـ«المرأة» والـ«جنس» في الشعر العربيعبد الدين حمروش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية