سان سياستيان ـ «القدس العربي» من خالد الكطابي: ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان سان سيباستيان الدولي تم إدراج فيلم «ترومان» للمخرج سيسك غاي، الذي ولد في برشلونة سنة 1967. درس السينما في برشلونة ونيويورك، وشارك مع دانيال جيميلبارغ في إخراج أول فيلم له «هوتيل روم» وبعد ذلك فيلمه «كرامباك» «وفيكسيون» و«في المدينة» و»مسدس في كل يد».
يمتلك سيسك نظرة عميقة في بناء شخصياته التي يصورها. نظرة تتميز بالسخرية والدعابة عندما يسلط الضوء على الضعف الإنساني. ويحكي فيلم «ترومان» قصة خوليان، وهو ممثل أرجنتيني يشتغل مع فرقة أوبرا في مدريد، بعد انفصاله عن زوجته وابنه الطالب في هولندا، يعيش لوحده رفقة كلبه ترومان لكن الزيارة المفاجئة لصديقه القادم من كندا لقضاء مدة أربعة أيام معه، سيعيشان فيها أحداثا إنسانية مثيرة وسيتدخل فيها العاطفي والوجداني، حيث يطرح القيم الإنسانية في أبهى تصوراتها، المتمثلة في الصداقة التي يبني عليها المخرج منذ البداية نقطة ارتكازه ليبسط لنا حكايته في قالب تراجيدي تنفلت منه الكوميديا، كما ينفلت الماء من بين الأصابع .
ما يمنح للشريط بعده الإنساني هو اللحظة التي يقرر فيها خوليان تخليه عن العلاج طواعية أمام الطبيب المعالج ،فكان السؤال حارقا حول إمكانية الشفاء من الداء الخبيث في حالة خضوعه للفحوص الكيميائية ومفعولها في القضاء على مرضه والاستمرار في الحياة، وأمام نفي الطبيب ومحاولة صديقه توماس إقناعه بأنه يمكنه من أن يربح بعض الوقت في الحياة في حالة تعاطيه للبرنامج الطبي لكن من دون جدوى .فشخصية جوليان التي أداها ريكاردو دارين تريد العيش بطلاقة حتى آخر رمق، مادام الموت يتهددها في أي لحظة بعد انتشار الداء في الجسد، لكن سرعة انتشار الخبر في محيط أصدقائه ومعارفه في الوسط الفني سيجعل البعض متعاطفا معه كحالـة أحد أصدقائه القدامى، الذي خانه مع زوجته، أو متنصلا منه كحالة الممثلين الذين تجاهلوه بل صمم على تحيتهم ومدير المسرح الذي قام بتسريحه… لكن كل هذا يجعله أكثر تماسكا بفضل توماس (خافيير كامارا) وابنة عمه (دولوريس فونثي) لينخرط في الرقص والشرب والسهر. وتطفو الكوميديا التي تهذب من البعد التراجيدي للفيلم من أجل اقتناص اللحظات الجميلة وعيشها كما ينبغي لها، وكما يليق بفارس يريد أن يترجل متسامحا مع أقاربه وأصدقائه بل حتى أن تذكره لابنه جعله يلبي بل يصر على اقتراح صديقه بإحياء عيد ميلاد ابنه الطالب في أمستردام وزيارتهم الخاطفة له.
لقد شكل توظيف الكلب ترومان بحجمه الكبير وكبرسنه ونظراته السحرية الحزينة ووجوده في كل الأوقات العصيبة في البيت والحانة وفي الفندق والشارع، شعورا دالا بإحساسه بما يجول بخاطر مالكه الذي أصبح يفكر في من يتولى أمره من بعد موته، خاصة أن عمر الكلب لا يشجع الكثيرين على اقتنائه بعد أن فكر خوليان في عرضه للتبني… ولعل ما يثير الضحك كثيرا هو ذلك الموقف الذي عبر عنه الصديق إثر قبول جوليان لعرض امرأة لتبني ترومان بأنها لا يمكن أن تكون متبنية مناسبة للكلب لأنها عنصرية.. لقد ظل جل تفكير خوليان منصبا على مصير كلبه من بعده، في إشارة إلى الوفاء الإنساني، خاصة أنه في إسبانيا يتصاعد الإقبال على تربية الكلاب…
ويطرح الفيلم أيضا سؤال الحق في تقرير المصير كحق إنساني يمنح للفرد حرية كاملة في إنهاء مسلسل حياته بالطريقة التي يراها مناسبة له .فعند اختياره إخبار مجالسيه الأقربين بطريقة وضعه حدا لحياته عبر تناول حبة مخدرة، مما يثير غضب قريبته ومحاولتها ثنيه للعدول عن قراره واحتجاجها على توماس بمطالبته بالتدخل، الذي بدا محترما لقرار صديقه لكن رافضا له في العمق، من خلال نظرات عينيه… لكن عودتها لأخذ سيارتها ستلتقي بتوماس ليجدا نفسيهما متشابكين في علاقة جنسية جعلته يبكي كثيرا، في وقت كان عليه أن ينتشي فرحا وكأن الجنس جاء ليجعل حدا للتوتر ويزيد من شعرية الأحاسيس .وفي الوقت الذي كان ينوي فيه خوليان وداع صديقه سيهيئ له مفاجئة تتمثل في منحه أوراقا تمكنه من تبني ترومان والسفر به إلى كندا …
لقد اختار المخرج أن تكون حركات الكاميرا قريبة من الشخصيات لرصد وضعيتهم النفسية ولمشاعرهم التي يصر المخرج على إظهارها حتى في ساعة سرقة الهزل. ويحاول خوليان أن يستعد للموت عن طريق إقباله على الحياة بدون مركبات نقص للاستمرار في الاحتفال بقيم الصداقة والوفاء وبالضحك حتى آخر رمق.
فالمخرج يعلن أنه ليس من هواة الدراما، بل يحاول أن يعالج موضوعا كان شاهدا عليه عن قرب من خلال فقدانه لأحد المقربين إليه وظل لمدة طويلة يكتب ويراكم من أجل العلاج النفسي، حتى وجد فكرة بناء سيناريو ليحكي لنا عبر شخصيات متخيله السينمائي واقعا يجعل المرء في المحك أمام تجربة الموت .
ومما يفعم الأحاسيس خلال الندوة الصحافية التي أقيمت بعد عرض الفيلم ما عبر عنه الممثل الأرجنتيني ريكاردو دارين، الذي لم يتمالك نفسه وبدأت آثار الدموع على خديه رغم ارتدائه للنظارات عند سؤاله عن الشخصية الرابعة ترومان التي أخذ منها الفيلم عنوانه، وهو كلب لطيف اسمه ترويلو كان يشتغل مع الأطفال المصابين بالتوحد،كان مريضا جدا، توفي قبل ثلاثة أشهر وبأن علاقة قوية نشأت بينهما وبأنه مولوع بتربية الكلاب، حسبما صرح به خافيير كامارا .
فالفيلم أيضا يحكي عبر نظراته الحزينة والعميقة… بل وشكل أيضا عنصر إغاثة لبطل الفيلم الذي يعيش وحيدا لكنه شجاع، إنه بطل من طينة أخرى فسلوكه يشكل درسا في الحياة لكل الآخرين آمل أن تكون لدي مثل هذه الشجاعة عندما تأتي لحظتها… يقول المخرج سيسك غاي معلقا على شخصية الفيلم الرئيسية.
وفي جواب عن سؤالنا عن تماهيه مع شخصية الفيلم خوليان، رد ريكاردو دارين ضاحكا لإزالة الحزن الذي بدا عليه من قبل «هو أرجنتيني وأنا كذلك، سيموت وأنا كذلك» قبل أن يضيف «نعم هناك مجموعة من الأشياء المشتركة بيننا». في حين اعتبرت دولوريس فونثي بأن دورها كان صعبا، فهذا الفيلم يتكلم عن حرية كل فرد منا في تقرير كيف يعيش وكيف يموت» فدوري أنني لا أتفهم قرار خوليان ومبدئيا لا يفهم أنني لن أستوعب ذلك.