الاستغواء الثقافي وتداخل الوظائف

حجم الخط
2

تابعت قصة الفقيه التي كانت وراء قطع العلاقة بين السعودية وإيران، كما تتبعت ردود الأفعال حول الحدث في وسائل الإعلام المتضاربة بخصوص الرجل. وحاولت متابعة أخباره بالصوت والصورة علني أفهم سيرته وخطابه، ولاسيما بعد أن اعتبر لدى جهة، آية من آيات الله، وعدَّ عند فئة داعية إلى الإصلاح. استمعت إلى خطابات الرجل بانتباه، وترصدت حركاته المختلفة وهو يخطب، فلم أجد نفسي سوى ما أسميه الاستغواء الثقافي. وأن الأجمة وراءها ما وراءها. أقصد بالاستغواء، ممارسة الغواية، باصطناع مختلف «الحيل» بالمعنى العربي القديم، و»التقنيات» بالمعنى الغربي المعاصر، بقصد لإثارة وشد الأنظار، والعزف على أوتار الأهواء والنعرات. واتضح لي وأنا أعمل على ربط الأشياء ببعضها، والنظر في مقاماتها وسياقاتها، من خلال هذه القصة، أن ما يجري في بلاد الشام والعراق يعني بجلاء أن داء العطب قديم، ولكنه متواصل. وأننا بدل أن نفكر، ونبدع أساليب لتجاوز الخيبات التي حصلت في التاريخ، ونبذ سيئات الحاضر، نمارس الاستغواء لإدامة كل ما يتصل بالتاريخ، ووصله بكل ما يرتبط بسيئات الحاضر؛ فإذا بالقصة تتحول إلى مسلسل لا نعمل إلا على تطويله، وكلما انتهت سلسلة أخرجنا أخرى بالطريقة نفسها. وتظل لعبة الاستغواء تطول وهي تدور. لعبة الاستغواء الثقافي مثل لعبة التمثيل في الساحة العمومية أو على خشبة المسرح حيث يبدو الممثل بلباس غير لباسه المعتاد، ويتكلم بخطاب لغيره، ويقدمه وكأنه خطابه. لكن الفرق هو أن الممثل يقدم خطابا تمهل صاحبه في كتابته، وله ميثاق خاص ومعروف يتعاقد عليه هو والمشاهد. أما لعبة الاستغواء الثقافي، فهي تقليد للممثل في حركاته وطريقة عرضه، لأنها تنهض على أساس خطاب شخص يتحدث بما لا يتلاءم مع هيئته وصورته. إنه يرتدي الجبة والعمامة، ويتحدث بخطاب غيره ممن يختلفون عنه صورة وهيئة. وبدل أن يخوض في ما يتصل بوضعه الاعتباري نجده يرتمي إلى حقول أخرى، بعيدة عنه، فتتداخل الخطابات، والوظائف، وهنا يحصل الاستغواء.
وأنا بصدد كتابة هذا المقال وصلني فيديو لواحد من هؤلاء، يؤكد أن البومة كانت طيرا عاديا، وبعد استشهاد الحسين آلت على نفسها أن تصوم النهار وتبكي الليل! وهي في بكائها تنوح على الإمام! ومن يطلع على التعليقات التي صاحبت هذا الخطاب، يدرك المسافة التي صارت بين المتلقي والمتكلم. لقد كان مثل هذا الكلام مؤثرا وذا سطوة في المجتمع العربي التقليدي. أما الآن فقد تغيرت الأمور كثيرا، ولكنني عندما أشاهد صور الحضور في مجلس الفقيه، وهم يتابعون بانتباه واندهاش، أدرك أنهم من الغاوين الذين تنطلي عليهم الغواية ولعبة الاستغواء. إن من ينغوي لمثل هذه الخطابات لا يمكنه إلا أن يكون داعية إلى التطرف لسبب بسيط، هو أنه، وهو يعتقد فيها، يرى أن من لا يشاركه الاعتقاد مارق وكافر ودمه حلال. ولكنهم، وهم يمارسون الغواية والاستغواء، يدفعون عن أنفسهم النزوع التكفيري، معتبرين غيرهم ممن لا يعتقدون عقائدهم أجدر منهم وأحق بهذا النعت. لذلك كثيرا ما أتعجب من حديثهم عن الإرهاب والتطرف، وهم يمارسون التطهير الطائفي، ويستبيحون قتل أعدائهم الذين يعتبرونهم خارجين عن طاعة الإمام؟ فما الذي يجعلهم غير مؤهلين ليكونوا متطرفين وتكفريين وهم يمارسون الاستغواء؟ لكن لعبة الاستغواء لا تمارس فقط من خلال هذه الخطابات العجائبية. إنها تبدو لنا أيضا من خلال بعض القنوات العربية التي تتخذ مظهرا، وتنتج خطابا لا يتلاءم معه. إنها تجعل القرآن الكريم، من خلال بعض الأصوات الرخيمة، في الخلفية، وفي المستوى الأول من الشاشة تتناوب صور المنتجات وأرقام الاتصال للحصول على البضاعات والسلع المعروضة للبيع في مختلف البلاد العربية. وهي لا تقف عند حد المنتوجات المصنعة، ولكنها تتعداها، أيضا، إلى أرقام المعالجين الذين يتصدون لكل الأمراض النفسية والأعراض الجسدية التي تنجم عن السحر وما يتصل به. وتذخر لذلك الأسماء الشخصية التي تنتهي بـلقب «المغربي» أو «المغربية»، اللذين يسود عنهما في المتخيل المشرقي صورة «الساحر» الشاطر، أو تنتهي بلقب يتصل بإحدى الطرق الصوفية المعروفة، وكأن تلك النسبة تقضي بقدرة «المتصوف» على علاج كل الأعطاب، وشفاء كل الأوصاب. أليس هذا الاستغواء دليلا على استمرار ذهنية يتم العمل على تكريسها وترويجها وإدامتها بقول شيء لا يتلاءم مع طبيعة المظهر المعتمد لإنجاح العملية؟ إن السؤال الذي أطرح في مثل هذه السياقات، وأنا أتابع تهجين الخطابات والصور، بطرق تعتمد التشويه هو: لماذا تتخذ سور القرآن الكريم وآياته في الخلفية؟ ماذا لو أنهم يعرضون تجارتهم بالطرق المعهودة ويعتمدون أساليب الترويج التي تطورت في الوقت الحاضر، ويتركون الناس يتخشعون للتلاوات القرآنية في القنوات المخصصة لذلك؟ أم أنهم يريدون بذلك إضفاء الشرعية الدينية على ما يسوقونه للناس من بضائع؟ أليس هذا استغواء؟ وماذا لو ترك المشاهدون يتابعون مسلسلات الخيال العلمي والفانتازيا بدل تقديم خطابات تاريخية مشحونة بالتحولات والمسوخات والتأويلات التي تلحق التاريخ بالأساطير. الاستغواء لعبة مزدوجة: يكون فيها الديكور شيئا، والخطاب شيئا آخر لخلق الالتباس، وللتمويه وتمرير خطاب من خلال آخر يحترمه الناس ويقدسونه. ما الذي يعيب فقيها أن يكون فقيها يعلم الناس أمور دينهم، ويهذب أخلاقهم، ويترك الخطاب السياسي للسياسيين؟ وما الذي يعيب التاجر أن يكون تاجرا، ولا يستغل القرآن الكريم، وهو يعرض بضاعته؟ أليس هذا هو التعبير الأجلى للقول البلاغي الذي يقضي بأن لكل مقام مقال؟ قد يقول قائل: وما العيب في أن يتحدث الفقيه في السياسة أليس الإسلام دينا ودنيا؟ أو أن تمارس التجارة موصولة بالذكر الحكيم؟ وجوابي على هذا الاعتراض هو أن الفقيه، حتى وهو يتحدث في الفقه، يمارس السياسة. لكن سياسة الفقيه غير سياسة السياسي. إن كل عمل ووظيفة ، وكيفما كانت طبيعته، يصب في الدين والدنيا، من عمل منظف الشوارع إلى رأس الهرم في المجتمع. ولكن كل عمل له حدوده وطبيعته ووظيفته. وحين تختلط الوظائف وتتداخل الخطابات، لا ننجز أي عمل أو وظيفة على الوجه الأكمل. وهذا ما هو حاصل في واقعنا العربي حيث تتداخل الاختصاصات، وتتهاجن الخطابات، ويصبح كل من هب ودب مفتيا، وكل تاجر أو متاجر، بأي قضية، يستغل الدين. إن الخطاب الفقهي له شروطه وثقافته التي لا يمكن أن يطورها سوى الفقيه إذا ما انبرى لها بكليته، وخصص له وقته. وثقافتنا في حاجة إلى تطوير هذا الاختصاص للإجابة عن الأسئلة التي يفرضها علينا العصر. ولكن الفقيه الذي يشتغل بخطاب خارج تخصصه، لا يمكنه أن يطور خطابه وثقافته في مجاله، وما الفتاوى المضحكات التي صارت مطروحة في الطريق، ويتندر بها الناس في المجالس، سوى دليل على ذلك، وتعبير واضح عما وصل إليه الخطاب الديني الذي صار مطية الجميع. لذلك بات الاستغواء وتداخل الخطابات مشكلة هذه الأمة. قد يلاحظ علي قارئ متابع بالقول: وما شأنك أنت بالخطاب الديني؟ ألست مهتما بالسرد وأنك تمارس اللعبة نفسها؟ وجوابي هو أني أدافع عن الاختصاص، وأرى في الدراسة الأدبية، ما أراه في غيرها. عندما نحترم الاختصاص، ونعمل على تعميقه نطور واقعنا، وإلا فنحن نمارس الاستغواء وندعو إلى الغواية.

كاتب مغربي

سعيد يقطين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية