الاستفتاء واستهلاك الإرادة خطأ الأكراد الفادح هو اختيار توقيت غير مناسب للمضي وراء قرار الانفصال

حجم الخط
2

بناء الدولة الكردية قبل أن يكون مشروعا سياسيا أو حزبيا هو مطلب الشعب الكردي المشتت بين الدول والكيانات المختلفة. ولكن مصالح الدول العظمى اقتضت إرجاء تحول هذا الحلم إلى حقيقة واقعة، وإنْ بدا في بعض منعطفات تاريخية أن قيام الدولة الكردية قد أصبح جزءاً من التركيبة الجغرافية للمنطقة لكن سرعان ما اصطدمت مطامح الأكراد في إقامة دولة مستقلة بتحولات دراماتيكية في سياسة الدول التي زعم الأكراد بأنهم ضمن صفوف حلفائها. ربما ما صرح به السفير الأمريكي السابق روبرت فورد قبل أشهر بأنَّ بلاده ستتخلى عن الأكراد وسيتكرر سيناريو إخماد الثورة الكردية في سنة 1975، اعتبره البعضُ توقعاً لا تسانده معطيات الواقع. ومن المعلوم أن هنري كيسنغر قد بارك إبرام اتفاقية الجزائر بين شاه إيران وصدام حسين، التي بموجبها توقف دعم إيران للحركة الكردية مقابل الحصول على الامتيازات في مياه الخليج. لكن إجراءات الحكومة العراقية وتململ الدول المجاورة للعراق عقب إجراء الاستفتاء في إقليم كردستان حيث شمل المناطق المتنازع عليها أيضاً (كركوك وأخواتها) ومن ثم مساندة التحالف الدولي في الحرب ضد «تنظيم الدولة» (داعش) متمثلا بأمريكا وبريطانيا وفرنسا لاستعادة الحكومة الاتحادية السيطرة على كركوك المدينة العائمة على بحر من النفط وتأكيد المجتمع الدولي على ضرورة الحفاظ على وحدة العراق. هذه التطورات المتلاحقة كلها كشفت بأن ما ورد على لسان المسؤول الأمريكي لم يكن عبثاً أو زلة لسان، وأبانت خطأً في حسابات القادة الكرد. ولعل خطأهم الفادح هو اختيار توقيت غير المناسب للاستفتاء والمضي وراء قرار الانفصال على رغم مناشدات دولية وإقليمية وتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بالتوسط لتسوية الخلافات بين الإقليم والمركز شريطة تأجيل الاستفتاء. فعلاً لم تكن الظروف مواتيةً لاسيما أن مخاطر الإرهاب لم تختفِ وأن اندحار «داعش» لا يعني طي صفحة العنف والإرهاب نهائياً. أكثر من ذلك هناك ملفات حساسة تتصدر لائحة اهتمام دول الغرب مثل انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي ومخاوف من انفراط عقدة القارة العجوز، كما لا يوجد ما يفوق أهمية من متابعة المشكلة الكورية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية في هذه المرحلة، فضلا عن مساعي الإدارة الجديدة لإعادة صياغة السياسة الخارجية في منطقة الشرق الأوسط بحيث تتمكن من استعادة أوراق اللعبة، بعد اختلال ميزان القوة جراء تواجد روسيا عسكريا وتعاظم دورها سياسياً.
غابت هذه الحقائق عن القادة الكرد فيما يعاني شعبهم من ضائقة اقتصادية مضنية منذ أربع سنوات ما أثر على كل مفاصل حياة المواطنين. هذا الأمر يُعد حقيقة ماثلة أمامهم. أضف إلى ذلك ما يمر به الإقليم من حالة عطب السلطة التشريعية والخلافات الناشئة نتيجة تمديد ولاية رئيس الإقليم في سنة 2013 ما أحدث شرخاً بين الأطراف السياسية. ولم يلتئم المشهد السياسي الكردي حتى بعد إعلان مشروع الاستفتاء، وإن تمكن زعيم الحزب الديموقراطي من استدراج جميع الأحزاب السياسية الأخرى لتأييد قراره معلناً في السليمانية أمام حشود جماهيرية بأنّه لم يعدْ هناك حزب غير حزب كردستان في إشارة إلى توحيد الجميع وراء الاستفتاء، لكن كل ذلك لم يكن كافيا لمواجهة تحديات مرحلة ما بعد الاستفتاء. وضرب المسؤولون الأكراد بنصائح الدول الصديقة عرض الحائط، وكان هناك نوع من الاستخفاف بتحذير الولايات المتحدة بعدم تحمل تبعات التعنت الكردي وعواقب وخيمة لخطوتهم غير المحسوبة.
لقد اقتنع الكرد بما ينشر من دراسات وترويج بعض المراكز السياسية لمفهوم إعادة رسم خرائط المنطقة وحتمية تعديل ما استقر عليه شكل دولها منذ الحرب العالمية الأولى. وفاتهم أنَّ خريطة المنطقة بتشكيلتها الحالية هي وليدة مخاضات الحرب وتوافقات بين الدول الكبرى وأنَّ إحداث أي تغيرات في رسم الخريطة يعني وقوع حروب مدمرة وكارثية وهذا ما لا تريده حتى الأطراف المتصارعة. ولا استغرب في تقاطع السياسة الأمريكية والإيرانية في تعزيز موقع السلطة الاتحادية في العراق ودعم مطالب الأخيرة لبسط السيطرة على مصادر الطاقة والمنافذ الحدودية. إن الأخطر في تطورات يوم 16 أكتوبر هو تداعياته على مستوى البيت الكردي، إذ يلاحظ المراقبون أعراض تصدع كبير في إدارة الإقليم. ومن المتوقع أن تنجح الحروب الإعلامية الساخنة بين الحزبين الرئيسيين إلى ما هو أسوأ وبذلك يتعمق الجرح الكردي أكثر إذ ما انفك منذ أن كرت سبحة العمليات الانسحابية يلقي كل طرف باللائمة على طرف آخر. ومن غير المستبعد استقلال إدارة السليمانية عن أربيل. عطفاً على ما سبق فإنَّ الخلافات تغلغلت بين قادة بعض الأحزاب السياسية. وبهذا يبدو أن القضية الكردية تمر بأيام عصيبة وحالة القادة الأكراد صعبة إذ أدار ما سمي بحلفاء الأكراد وجههم بعيداً عن الحلم الكردي التاريخي، ولم يكن الاستفتاء إلا استهلاكاً لإرادة شعب طالما ضحى من أجل قيام دولة مستقلة. لقد أعلن رئيس الوزراء العراقي بعد سيطرة الجيش العراقي على كركوك أن الاستفتاء أصبح من الماضي، غير أن ما حققه العبادي على المستوى العسكري رافقته الدعوة إلى الحوار مع حكومة الإقليم. ولا يحتاج الأمر إلى البحث عن السبب وراء تسارع الإقليم للترحيب بدعوة الحكومة الاتحادية فقد يكون هناك تفهم لدى القادة الأكراد لموقف الدول الكبرى التي لا تحيد عن السياسة التي تحسب المشكلة الكردية جزءاً من المسألة الداخلية في العراق. وإذا خرجت عن هذه القاعدة مؤقتاً في تعاملها مع الكرد فإن ذلك يأتي خدمة لمصالح مرحلة ليس أكثر. مما يؤسفُ له ونحن نشهد فصلاً آخر من محنة الشعب الكردي هو إدراك قادته لهذه الحقائق جاء متأخرا ما يكلف الشعب الكردي خسائر كبيرة في الأرواح والمكاسب. إن أي حوار سيجري بين الإقليم والحكومة الاتحادية لا يكون متكافئاً، إضافة إلى أن ما كان يتمتع به الأكراد من مناصب سيادية ومواقع حساسة سيفقدها في الأيام المقبلة. وقد يتساءل البعضُ عن السيناريو الأسوأ فنقول هو انضمام القوى الكردية إلى لعبة الاستقطابات الإقليمية.

الاستفتاء واستهلاك الإرادة خطأ الأكراد الفادح هو اختيار توقيت غير مناسب للمضي وراء قرار الانفصال

كه يلان محمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية