ضاعت القضية العربية، منذ بداية الألفية الثالثة، بين مستهدف ومُستَعْدٍ. ورغم مرور عقد ونصف، من الزمان، يبدو ألا حل لضياعها، بل هي معرضة لأكثر من ضياع. وكأن الأزمة، وهي تزداد تشتد، لا تريد أن تنفرج؟ لكن التاريخ يعلمنا أن لكل نهاية بداية جديدة. وكل نهاية حقبة لا بد أن تخرج منها بداية جديدة؟
تاريخ استهداف الوطن العربي ليس وليد بداية القرن الحادي والعشرين. لقد كانت ثمة بداية سابقة للاستهداف في مطلع القرن العشرين حين كانت الخلافة العثمانية تلقي بظلالها الداكنة على قسم كبير من الخارطة العربية. وتم التنازع والتجاذب من لدن الغرب الاستعماري على تركة الرجل المريض، كما كانوا يسمونه. فحل الاستعمار محله، مقسما التركة إلى إمارات ودويلات لم يراع فيها الجغرافيا ولا التاريخ، ولكن مصالح المتقاسمين، وفق قدراتهم على التفاوض وقوتهم العسكرية والاقتصادية. وكان زرع إسرائيل في حنجرة تلك الخارطة أهم استهداف للوطن العربي. وكان الاستعداء.
هل كان الاستعمار الذي استهدف الوطن العربي، من ثمار عصر النهضة، أم من عصارات فكر عصر الأنوار؟ أم أنه وليد العقلانية والعلمانية والثورة الفرنسية؟ أم أنه امتداد طبيعي للعصور الوسطى وحروبها الصليبية؟
نعم إن ثمة استهدافا سابقا، لخارطة ديار العربية والإسلام، على مطلع القرن العشرين. إنه تاريخ الحروب الصليبية، وتاريخ محاكم التفتيش، واجتثات العروبة والإسلام من الجزيرة الإيبرية، وغزو السواحل المغربية والعمانية على طول تاريخ ما قبل الاستعمار.
ليس الاستهداف وليد اليوم فقط. إن له تاريخا طويلا عريضا، يبين بالملموس أن للجغرافيا الثقافية دورا كبيرا فيه. ولم تكن تلك الجغرافيا مختزلة إلا في فلسطين، التي ظلت مبأرة في القدس. دامت الحروب الصليبية قرونا. ولم يكن لها من هدف محوري سوى تحرير القدس من يد المسلمين. ولم تأت الاستهدافات الحديثة والمعاصرة سوى امتداد لتلك الحروب الطويلة. وما زرع إسرائيل في فلسطين سوى تأكيد على مسيحية الغرب ويهوديته ضد وحدانية الشرق التي تعززت بالإسلام. وإذا كانت مسيحية الغرب أعلنت تشبثها بفلسطين بوازع الدين، ها هي ذي مسيحية الغرب تتدعم بيهودية الاقتصاد والمال لتبرير استيلائها على الشرق الأوسط، واستهدافها، للوطن العربي برمته، باسم نشر الحضارة الغربية «الحديثة»، في مطلع القرن العشرين، وباسم «الديموقراطية» و»حقوق الإنسان» في مطلع الألفية الثالثة. فما أشبه الليلة بالبارحة؟
من رأى في استئصال شأفة الخلافة العثمانية هدفا للتقدم، هرب إلى الأمام، ودافع عن الغرب باعتباره «المنقذ». ومن تمسك بالخلافة ضد الغرب، هرب إلى الوراء، متشبثا بالسلف الصالح، باعتباره «الخلاص».وعندما اشتد الصراع بين الغرب الرأسمالي، والشرق الاشتراكي، هرب آخرون إلى الاشتراكية بصفتها المحرر مما اعتبر منقذا أو خلاصا. ووسط كل أشكال الهروب، كان الشعب يريد قطعة خبز، وحياة كريمة. وظل الحاكم يحكم باسم الشعب، متدثرا بعباءة الدين تارة، وبرابطة عنق العلمانية طورا. فلا «الخلافة» تحققت، ولا «الوحدة» تجسدت، ولا «الأممية» جاءت بالرفاه، وها عنق «الإمامة» يشرئب. وظل الاستهداف قائما، بل ازداد مع انهيار جدار برلين، وها هو الاستعداء يتزايد. وصار كل يهرب ولا يدري إلى أين.
لم يؤد التحالف مع أمريكا في حربها ضد السوفيات في أفغانستان إلى بناء دولة «إسلامية»، ولا إلى تشكيل دولة «ديموقراطية». ولم ينجم عن شنق صدام، نشر الديموقراطية على الطريقة الأمريكية. ولم تؤد أسلو إلى تحرير القدس من براثين الاستيطان. لم ينجم عن كل تاريخ الاستهداف الحديث والمعاصر سوى المزيد من التطرف ضد الغرب، في صورته التقليدية، أو امتداداته الأمريكية. فظهر الإرهاب.
كل الذين يتحدثون عن الإرهاب والتطرف، لا يريدون الذهاب إلى أسبابه الحقيقية والجوهرية. يركزون على جوانب ومبررات، وهم يعرفون جيدا أن سببه الذي سيظل يولده، ويحفز عليه، هو الجغرافيا الثقافية التي أختزلها في كلمة واحدة: القدس. ما لم يعمل العالم على حل قضية فلسطين حلا حقيقيا وعادلا يضمن للفلسطينيين وللديانات السماوية الثلاث التعايش بدون تمييز سيظل الصراع قائما، وسيتخذ وجوها جديدة بدأنا نلمس ملامحها مع الاستهداف المعاصر، والذي جعل التطرف يخرج هذه المرة، ليس فقط من الوطن العربي، ولكن من الغرب نفسه.
عندما أتابع عمليات الاستقطاب الداعشية من دول غربية، ومن سبتة ومليلية المحتلتين، وما عرفته شارلي إيبدو،،، أراني أتذكر الحروب الصليبية، وكيف كان العوام واللصوص والمعدمون يتسلحون بما في أيديهم، وهو يخرجون للحرب المقدسة، بناء على أوامر أمراء الحروب، قادمين من أقصى بريطانيا للتوجه إلى القدس، وهم يحملون الصليب، حالمين بالجنة، وأقارن بهذه «الهجرة» الجهادية من أوربا نحو بلاد الشام والعراق، طمعا في الجنة نفسها، أجدني أطرح سؤال «الجغرافيا الثقافية»، ودورها في صياغة التاريخ، بكيفية جديدة. ويحدث لي الأمر نفسه، وقد صرت أسمع، عبر القنوات: لبيك يا حسين؟ وإلى جانبها، في شعارات الحوثيين: الموت لإسرائيل، ولعلهم يقصدون بذلك أن القدس لهم، وإلى جانبها، مكة، وقد تحولتا معا إلى كربلاء؟ فأجدني أستحضر القادسية القديمة، و»قادسية» صدام الحديثة، فإذا الاستهدافات، شتى، والاستعداءات متواصلة.
ناقد مغربي
سعيد يقطين