الاضطرابات الداخلية في المنطقة وتأثيرها على تماسك التحالف ضد تنظيم «الدولة»

حجم الخط
3

كثيرا ما يقول جهاديو تنظيم «الدولة» إنهم يعتمدون على المطاولة أكثر من المناجزة في حربهم المستعرة منذ سنوات مع القوى الإقليمية والدولية، التي تتفوق عليهم بأغلب الموازين وتشكل تحالفا صلبا، ما يجعل من مجرد نجاح التنظيم بالمطاولة والبقاء في هذه المرحلة هدفا يسعى إليه قياسا بموازين القوى الحالية.
ولا شك أن دوام تماسك هذا التحالف لفترة زمنية طويلة ليس أمرا مضمونا، ويستشهد الجهاديون بمواقعهم ببعض الآيات التي تمنحهم الأمل بذلك، ولعل أبرزها ما يتحدث عن سنة التدافع «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض»، لكن بعيدا عن الأدبيات الدينية التي تتحدث عن سنن التاريخ، ثمة قراءات تشير إلى أن انفكاك قوى التحالف الدولي من خلال تصدعات مواقع ارتكازه الاقليمية ليس بالامر المستبعد، ولكن على مدى زمني بعيد ربما،  فبعض التطورات الداخلية في المنطقة قد تضعف تماسك هذا التحالف، وهي تتعلق بثلاث قوى في مناطق سنية تمثل دعامات أساسية ومرتكزات للتحالف هي كردستان العراق، السعودية وتركيا.
 رغم أن ايران نفسها تعاني أيضا من بعض حركات التمرد في الاحواز وكردستان، ورغم النزاعات التي تحدث بين القوى الموالية لإيران، في بغداد وميليشياتها الشيعية المتنافسة بين صدريين وبدريين وغيرها من شقاقات تصعد للسطح حينا بين القوى الشيعية بالعراق، إلى نظام الاسد وحزب الله، إلا أن ايران تبدو قادرة للآن وعلى المدى المنظور مستقبلا، على لجم أي مشاكسات بين افراد بيتها الشيعي المتماسك عقائديا، لذلك ليس من الواضح حدوث اهتزازات عميقة في الحلف الايراني قريبا. بعيدا عن إيران ثمة حلقات رخوة في التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة»، وهي كما قلنا في دول سنية مرشحة لتشهد اضطرابات أمنية وسياسية تتعلق بالنزاع الداخلي السلطوي، تجعلها خواصر ضعيفة، وقد تتحول لبؤر لاستقطاب ودعم الحركات الجهادية بعد أن كانت منطلقا لمحاربتها، وموطئ قدم لخصومها.
فكردستان رغم أنها ليست الأكثر ترشيحا لتكون ساحة جديدة للجهاديين إلا أن نزاعات قياداتها إذا استعرت أكثر قد تضعف الضغط على مناطق التنظيم من الموصل حتى جزيرة الفرات، التنافس يزداد يوما بعد يوم بين تيار الطالباني والبارزاني، الأول أقرب لايران والثاني لتركيا، الأول يساري معاد للإسلاميين أقرب إلى الـ»بي كي كي» الانفصالي، والثاني ينتمي لعائلة صوفية وهو متصالح مع التيار الاسلامي السني المعتدل، الذي يمثل أنصاره كتلة اجتماعية ليست بالقليلة بين اكراد العراق، ومنذ فترة تتصاعد النزاعات بين الطالباني والبارزاني على كل شيء تقريبا، آبار النفط في كركوك، استمرار البارزاني كرئيس للإقليم، دور الإقليم في دعم الانفصاليين الأكراد في تركيا وسوريا والإيزيديين في جبل سنجار، وغيرها من الملفات.
وتصطف ايران لجانب طالباني، وترغب بسيطرته على الإقليم لتنهي اي فرصة لنفوذ خارج الوصاية الايرانية في كردستان العراق، من قبل محور بارزاني الاقرب لأنقرة وواشنطن من طهران، وقد يؤدي هذا التجاذب والنزاع بين القطبين الكرديين لانفراط التفاهمات بينهما، ونشوب صدامات مسلحة، يغذيها وجود تيار اسلامي سني ليس بالقليل في كردستان العراق سيشعر بالتهديد من ميول حزب الطالباني اليسارية وموالاته لإيران في الوقت نفسه.
هذا الواقع أدى سابقا لصدامات مسلحة في عدة مناسبات لكنها كانت محدودة،  وقد تقود لمزيد من الصدام مستقبلا، وإن تطورت هذا المواجهة وخرجت عن السيطرة، فإن هذا يعني أن النطاق الكردي في شمال العراق سيصبح منطقة رخوة غير قادرة على تجميع القوى الكردية المسلحة لمواجهة تنظيم «الدولة» في شمال العراق، والأهم أن كردستان العراق لن يكون مرتكزا صلبا لأي تحالف دولي ضد الجهاديين. ورغم ذلك فإن القيادات الكردية تبدو قادرة للآن وربما لفترة مقبلة مستقبلا، على حماية الائتلاف الكردي، يدفعهم حلمهم بتحقيق كيان الدولة الكردية، وقد نجحت بالفعل في تجميد كل الاشتباكات والمواجهات التي نشبت في الفترة السابقة.
أما بالنسبة للسعودية، ورغم أنها لا تشكل حاليا خط مواجهة مباشرة مع تنظيم «الدولة» في العراق وسوريا، إلا أن أهميتها بالغة ومزدوجة في هذا الشأن، فهي البلد الذي يشكل المرتكز الأهم للنظام العربي الرسمي في التحالف الدولي ضد الارهاب، وفي الوقت نفسه يشكل في جزء من بنيته السكانية العشائرية احد اكبر المعاقل التقليدية للسلفية الجهادية، وبالتالي فإن أي تخلخل أمني أو اهتزاز للسلطة في السعودية، إن كان بسبب النزاع الطائفي مع الحوثيين المصحوب بضغوطات بسبب الانكماش الاقتصادي، سيؤدي لنتيجتين تلقائيتين، فقدان اهم مرتكز في المنطقة العربية للتحالف الدولي ضد الجهاديين، وبالمقابل حصول الجهاديين على ساحة جديدة للعمل ستعضد قواهم في العراق وسوريا وتخفف الضغط عليهم، إن كانوا في مدن محاصرة أو في صحراء واودية حوران بعد سنوات، وتبدو الهجمات الحوثية جنوب السعودية هي الاكثر تهديدا لتماسك البلاد، فمزيد من تغلغل الحوثيين وتماديهم في الهجمات سيؤدي لنزاع طائفي يذكي الحركات الأصولية ويضعف قبضة السلطات الأمنية، كما أن ذلك سينعكس مباشرة على عدة مناطق كالأردن وسيناء، وجميعهما تربطهما بالسعودية أراض صحراوية ممتدة لبادية الشام وصحراء الأنبار معاقل التنظيم الخلفية.
في تركيا يبدو المشهد اكثر هدوءا، فالسلطة هناك نجحت في توفير مناخات استقرار سياسية واقتصادية، ولا يبدو أن تهديدا ما يحيق بالسلطة المركزية التي يهيمن عليها الإسلاميون المعتدلون، الذين كانت ستؤدي الاطاحة بهم في الانقلاب الفاشل إلى اشعال حرب اهلية ستضعف تماسك البلاد وتقود لظهور تيارات عنف مسلح اسلامية تتصدى لعسكر الاتاتوركيين، وهذا النزاع إن حصل كان سيربك بلا شك الدور التركي كقاعدة في حرب تنظيم «الدولة»، ولكن يبقى التطور الآخر المهم الذي سيقود لمزيد من بؤر الصراع الأهلية المؤثرة على تماسك الحرب الدولية على الارهاب هو امتداد التهديدات الانفصالية الكردية من مناطق الجنوب الشرقي التركي إلى مناطق جنوب البلاد، حيث عشرات القرى والتجمعات الكردية المختلطة مع السكان الاتراك والعرب من ديار بكر حتى ماردين واورفة..و هي مناطق توازي تماما نطاق الأكراد الانفصاليين في شمال سوريا من الحسكة حتى كوباني فعفرين، وهذه الحرب التي تشنها منذ عقود قوى الانفصال الكردية في جنوب شرق تركيا لا تبدو في طريقها للأفول، وعلى الرغم من وجود نسبة ليست بالقليلة من المجتمع الكردي في تركيا ذات ميول اسلامية تؤيد حزب العدالة الحاكم وترفض طموحات اليساريين الاكراد الانفصالية، الا أن زخم الطموحات الكردية الانفصالية في تركيا يبدو في ازدياد شعبيا ايضا، متأثرا بتنامي قوة الاكراد في العراق وسوريا، ويبدو امتداد هذا النزاع غربا لمناطق الجنوب التركي هو العامل الاكثر تهديدا على تماسك الجبهة التركية ضد تنظيم «الدولة» في شمال سوريا، ولكنها مستبعدة الحدوث في المستقبل القريب، بل هي تصدعات مرشحة على مدى سنوات مقبلة وليس اشهرا.
وثمة من يتساءل ما إذا كان تنظيم «الدولة» سيبقى كل تلك الفترة المقبلة للعامين أو الثلاثة أعوام المقبلة وربما أكثر ليواجه التحالف ضده؟ وهنا نتذكر ما حصل للتنظيم بعد تلاشي قوته بالعراق نهاية عام 2008، إذ تمكن من الانكفاء لصحراء الانبار، حيث نشأ هناك ما يعرف بـ»جيل الصحراء» في مناطق يمكن الاحتماء بها ويصعب الوصول إليها من قبل قوات نظامية مهاجمة. أما في هذه المرحلة، فإن قدرة التنظيم على البقاء في الموصل والرقة وما بينهما لا تزال قائمة للاشهر القريبة المقبلة، وقد ينجح بالبقاء عدة شهور قبل أن يضطر لترك الموصل بعد مقاومة شرسة، لينتقل لسوريا المهيأة اكثر من العراق حاليا لتكون ساحة مطاولة جديدة له قد تمتد لاشهر جديدة في الرقة ودير الزور بعد الموصل، وإن ظلت الحلقة تضيق على مقاتلي التنظيم واضطروا لمغادرة اخر مدن سوريا فإن بادية الشام الممتدة من تدمر ستكون ساحة انكفاء جديدة تضاف لصحراء الانبار، لتخفت جمرة قوتهم، بانتظار أن تهب رياح صراع جديدة توقد نارها من جديد، وقد يكون أحد التطورات التي ذكرناها في المناطق الثلاث محفزا مستقبلا لتلك القيامة، خصوصا ما يتعلق بانعكاسات النزاع مع الحوثي في السعودية، المصحوب بتحديات اخرى مالية واقتصادية في الرياض، ما يؤشر لمرحلة صراع أصولية جديدة مقبلة. 
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

الاضطرابات الداخلية في المنطقة وتأثيرها على تماسك التحالف ضد تنظيم «الدولة»

وائل عصام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية