أثارت حادثة الاعتداء بالضرب المبرّح لعامل مصري وافد من قبل أشقاء نائب أردني بحضوره، اشمئزاز الغالبيّة العظمى من الأردنيين من هذا التصرف، الذي لا يمثل الأخلاق الأردنيّة. وبدلاً من التعامل مع هذه الحادثة بعقليّة العصابة والبلطجَة، كان يتعين على النائب أن ينتظر دوره مثل بقية الزبائن، ونقل شكواه بكل أدب واحترام إلى إدارة المطعم.
لسوء حظ النائب تم تصوير الاعتداء بالكامل وقامت غالبيّة المواقع الأردنيّة الإلكترونيّة بنشر هذا التسجيل، ضمن تعاطف شعبي أردني مع الوافد الشقيق من جمهورية مصر العربيّة، حيث كان واضحاً أن العامل كان مسالماً وهو واقف بين بلطجية النائب وإشقائه وحاشيته يَستمعُ لهم قبل أن ينهالوا عليه بالضرب الهمجي المبرّح. الأجهزة الأردنيّة الأمنيّة والقضائيّة قامت بدورها الوطنيّ وتعاملت مع الحدث، حيث تم اعتقال أشقاء النائب وإخلاء سراحهم بكفالة، قبل أن تتم إعادة اعتقالهم إدارياً بأمر من محافظ مدينة العقبة، حيث تمت المصالحة وتنازل العامل الوافد عن حقه الشخصي. وتبقى بالتأكيد مسألة الحق العام التي بسببها حكمت المحكمة بسجن كل المعتدين واستبدال السجن بغرامة في ضوء المصالحة، وهي عقوبة قاسيّة ورادعة، لأنها تعني سِجّلاً إجرامياً لكل المُعتدين، وحرمانهم من قيد «حُسن السلوك» من أجل التوظيف في القطاع العام وحق مزاولة العديد من المهن حتى في ظل القطاع الخاص.
هذه الحادثة التي هي ضمن تجاوزات ومخالفات قانونيّة متراكمة لأعضاء مجلس النواب الأردني تفتح موضوع ضرورة إعادة تقييم الحصانة النيابيّة في الأردن، التي أسوة ببرلمانات الدول الديمقراطيّة يجب حصرها فقط بحماية النائب الأردني فيما يقوله تحت قبة البرلمان، في سياق مداخلاته الرسميّة، وبغير ذلك فإن النائب يجب أن يكون خاضعاً للقانون من دون الحاجة إلى تصويتٍ من مجلس النواب الأردني لرفع حصانته النيابيّة. ففي المملكة المتحدة مثلاً نلاحظ أن الحصانة النيابيّة، التي تمتد أصولها القضائية والتشريعيّة إلى الأعوام 1429 و1512 و1689 محدودة بمسائل مدنيّة متعلقه بما يُقال داخل البرلمان، ولا تشمل الحماية من أي مخالفات (خارج مجلس العموم أو اللوردات البريطاني). فالنائب يخضع بشكل كامل لقانون العقوبات، وهو معرض للاعتقال والتحقيق مثله مثل أي مواطن بريطاني. فمن ناحية تاريخيّة كان يتم اعتقال النواب البريطانيين ويتم القاء القبض عليهم حتى داخل البرلمان البريطاني، لعدم الوفاء بالديون، ولم تتوقف هذه الاعتقالات الإ بعد عام 1870 عندما خرج عدم الوفاء بالدين المدني عن نطاق قانون العقوبات البريطاني. وتقدر الإحصائيات الموّثقة أنه ما بين 1987-1991 تم اعتقال 15 نائباً بريطانياً لمخالفات قانونيّة ارتكبوها.
كذلك تفرض هذه الحادثة تفعيل قانون العقوبات الأردني لحماية حقوق العمالة الوافدة للأردن من الاعتداءات، مدعّمة بحملة وطنيّة للتوعية بضرورة احترام العامل المغترب، وعدم إيذائه تحت طائلة القانون. هذه بكل أسف مشكلة حقيقيّة تطال العمالة الوافدة، وأذكر شخصياً أنه عندما كُنّا في فترة الدراسة الطلابيّة في عمان، أن عاملاً مصرياً كان قد وصل للتو للأردن صُفع على وجهه لأنه سأل أحد المحليين عن عنوان كان بيده، فتلقى الجواب صفعة وقال له المعتدي: «وهل تعتقد أنك تتحدث مع مركز معلومات لتسألني مثل هذا السؤال؟».
وأذكر أنني فور أن رأيت ما حدث ذهبت لهذا العامل الوافد معتذراً منه عما حدث مُقّبلاً وجنته التي صُفعت ماسحاً دموعه التي انهمرت في ظل ارتباكه الشديد. ومن أجل «جبر خاطره» أصررّت أيضاً على أن أكون خادمه، بحمل حقائب سفره طالباً من صديق لنا أن يرافقناً في بحثنا عن العنوان الذي يريده، وإن لم نجده فسيكون ضيفي الشخصي، حيث كان الوقت ليلاً. ولكن بعد اكثر من ساعة من البحث وجدنا العنوان الذي كان يريد، وشربنا الشاي المصري الأصيل في ضيافة زملائه الوافديين المصريين الذين كانوا بانتظاره، فيما تبدلت حزن ودمعة هذا العامل الوافد إلى إبتسامة وتقدير للأردن وأهله، في ظل قناعته أن ما حدث له سابقاً من المعتدي المحلي لا يمثل أخلاقنا الأردنيّة العربيّة الأصيلة.
العوامل التي أفرزت مثل هذه العينة البلطجيّة من النواب في مؤسسة ذات حضور وطني مشهود له تاريخياً مثل مجلس النواب الأردني، غنيّة عن التعريف. وما تقدم ذكره من بلطجة مبيّته من قبل النائب الأردني وأشقائه في ظل الغياب التام لحملة تعبئة معنوية عامة في الأردن لاستعادة الثقة الوطنيّة للشباب الأردني، هي مدعاة اليوم لتعزيز الإرث الهاشمي العروبي للأردن، القائم على مكنونٍ أخلاقيٍّ وحرصٍ على مقدرات الوطن ونهضته. ورغم تشكيك الكثيرين ورهانهم على انفجارٍ أردنيّ، فلقد احتكم الملك عبالله الثاني إلى منظومة أخلاقيّة وإرث هاشمي في تعامله الأمني وبشكل افتقده العديد من الدول المجاورة، رغم ضجيج شعارتها القوميّة التي تمزقها اليوم الطائفيّة والتدخلات الإقليمية والدولية، بعد تهجير الملايين من سكانها. فلقد أثبت الربيع العربي أن كوادرنا الأردنيّة (الأمنية والعسكرية) عند التزامها بالإرث الهاشميّ الأخلاقيّ فإنها تُعتبر بحق كوادر الوطن والمواطن وليست حِكراً لنظام دمويٍّ، لا سيما في انضباطها المشهود له في ظل التوجهات الدقيقة للملك بحُسن معاملة المواطن الأردني، حتى عندما تجاوزت هتافات المعارضة الأردنيّة الحدود الأدبيّة في اعتدائها غير المقبول في الوصف الشخصي للملك عبدالله الثاني وأسرته الخاصة. هذا الإنجاز المهم في المحافظة على الأردن كوطنٍ وكقيمةٍ حضاريّة بفضل تكاتف كل الجهود الوطنيّة المخلصة، كان يجب ترجمته الفوريّة إلى حركة شعبيّة ووطنية واثقة الخطى من أجل النهوض بالأردن سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وتعزيز دوره الإقليمي كمثال يحتذى. فالأردن لم يتجاوز امتحان الربيع العربي بقبضةٍ أمنية غليظة، وكذلك لم يصمد بفضل إنزالات وغارات جوية أجنبيّة. فأحداث 2011 وما تلاها لم تكن عام 1958 ومطالبات بعض تحزبات المعارضة بتقليل صلاحيات الملك كانت تُعّبر فقط عن وجهة نظر أفراد مسيسين معزولين لا تعبر آراؤهم مطلقاً عن رأي الغالبيّة العظمى من الشعب الأردني، التي رأت في الملك عبدالله الثاني وصلاحياته صمام أمان ورمزا للعنفوان الوطني الأردني.
كذلك لا يجوز أن يكون الأردن جزءا مُكملاً لهذه الدوامة العبثيّة الدائمة التي تضرب بالشرق الأوسط تارة باسم القوميّة الثوريّة، وتارة باسم العلمانيّة الماديّة أو الدينيّة الإرهابيّة في حروب أيديولوجيّة عقيمة من أجل تثبيت المواقع السياسية والاجتماعيّة لمرّوجيها في نزاعات أزليّة مُدمِرة تبدأ ولا تنتهي، يدفع ثمنها المواطن البسيط بتشتيته، تتأجج إلى احتلالات وانقسامات جغرافيّة ومعارك طائفيّة وتصفيات سياسيّة وتدخلات عسكرية شبه استعماريّة للقوى الدوليّة. هذا التشتيت والبُعد عن التركيز المطلق على الملف الداخلي الأردني يترك الساحة فارغة للفاسدين والانتهازيين والمتسلقين الاجتماعيين للصول والجول والتسلّط على حقوق المواطن البسيط وتسميم براءة الطرح الوطني الأردني.
كل ما تقدم هو مدعاةٌ اليوم لأن يركز الأردن طاقاته على الجبهة الداخليّة، بشكل يؤدي إلى تغيرات ملموسة في واقع المواطن الأردني، في تأصيل وقوننة محاربة المحسوبيّة، وتفعيل هيبة القانون الأردني بشكل عملي يتجاوز حدود الشعارات، في جعل الأردن مركزاً إقليمياً في تصدير قيم النزاهة والاحترافية المهنيّة على الصعيدين العام والخاص. هذا الإنجاز لن يتم الإ بمراجعة شاملة ورادعة في تعريف قانوني دقيق للفساد ليشمل الوساطة والمحسوبيّة، وتوضيح لا يقبل اللبس أنه لحماية حقوق الشباب الأردني فإن كل مظاهر المحسوبيّة في الوظائف العليا هي ظاهرة يجب القضاء عليها تحت طائلة القانون. المقصود هنا هو نقلة نوعيّة حقيقيّة تتعامل مع هذه المعضلة بدقة إحصائية وإكلينيكية مُطلقة. فلو سألنا اليوم الغالبية العظمى من رؤساء وزرائنا وسفرائنا وكبار موظفينا، وتتبعنا بدقة منهجيّة كيفية وصول كل واحدٍ منهم لموقعة الرسميّ، لوجدنا لكل منهم قصته الخاصة في المحسوبيّة والتسلق الاجتماعي، في إجابات تُعّرّي كل شعاراتنا الرسميّة الأردنيّة وحرصنا المصطنع على مستقبل شبابنا الأردني. ورغم البهرجة الرسميّة فإن الأردن اليوم بالنسبة لمئات الالاف من شبابه ليس أكثر من حلقات مغلقة من الشلليّة والمحسوبيّة الممنهجة، وبغير الصدق مع النفس والمسؤولية المطلقة في التعامل مع هذه المسألة وغيرها من المسائل الداخليّة المستعصيّة فإننا جميعاً نساهم بخذلان شبابنا الأردني ونلقي به لقمة سهلة لمروجي الأحقاد والفتن والتطرف.
هذا يقتضي تعريفا منهجيا وطنيا دقيقا للقيم الهاشميّة العُليا وتعزيز حضورها العقائدي والمادي، في كافة المرافق الرسميّة للدولة الأردنيّة. فرسالة الأردن وهويته العروبيّة الهاشميّة تكمن في أنه مُلتقى للقيم العربيّة الأصيلة لتأكيد حضورٍ دوليٍ حضاريٍ يُفعّل سيادة القانون وأعلى درجات الشفافيّة والنزاهة..
٭ أكاديمي أردني
د. لؤي منور الريماوي