تعرّض الشعب المصري أمس لهزّة جديدة كبيرة تمثّلت في اعتداءين دمويين على كنيستي مار جرجس في طنطا والكرازة المرقسية في الاسكندرية وخلّف الحادثان عشرات القتلى والجرحى من المدنيين ورجال الأمن.
الاعتداءان يعتبران نموذجا للإرهاب، الذي يتعمد الضرب بدور العبادة بقصد قتل أكبر عدد من الضحايا المدنيين. ويحمل الاعتداءان دلالة رمزيّة كبيرة فقد تم تنفيذهما في عيد «أحد السعف» (الشعانين) وهو اليوم الذي يبدأ ما يسمى في اللاهوت المسيحي بـ«أسبوع الآلام» ويرافق ذكرى دخول المسيح إلى مدينة القدس التي استقبله أهلها بالسعف والزيتون، وفي هذا العيد الذي يعتبر في بلاد الشام مناسبة عائلية يحضر الأطفال الكنيسة مع فروع من أشجار الزيتون والنخيل.
وكما هي العادة في الهجمات الدموية التي يتعرّض لها الأقباط فقد ساد شعور شعبيّ كبير بالتقصير الأمني، فإضافة إلى أن مهاجم كنيسة طنطا استطاع اجتياز الحواجز والإجراءات المفترضة وقام بزرع عبوة داخل الكنيسة، فإن هذا التقصير لم يحفز إجراءات أمنية سريعة لحماية الكنائس الأخرى، وخصوصاً الكنيسة المرقسية التي كان يقدّم عظتها بابا الكنيسة القبطية تواضروس الثاني شخصيا.
استهتار السلطات المصرية بحياة شعبها، لا الأقباط منهم فحسب، أمر مفروغ منه وهو لا يحلّ، للأسف، بإجراءات أمنية فحسب ويستدعي قراءة سياسية للسياق المعاصر للوضع المصري.
على الصعيد الداخليّ لا يمكن فصل ما يجري حاليّاً في كل أنحاء البلاد عن الاستعصاء الذي أدخل الجيش المصري البلاد فيه بانقلابه على أول حكم مدنيّ مصري قائم على الانتخابات، وقد ساهمت هذه الأزمة السياسية الكبرى في شحن الأزمات المصرية المزمنة الأخرى، اقتصادية واجتماعية بحيث يغدو التدهور الأمني تحصيل حاصل ما يعني فشل التعاطي معه بأسلوب أمني يؤجّج المسألة بتجاهل أسبابها الحقيقية.
أحد المعارضين الأقباط وضع أصبعه على هذه المسألة في تصريح لـ«القدس العربي» ينشر اليوم قال فيه إن «لعنة الدم تطارد الجميع من أول نقطة سالت في ميدان التحرير حتى مذبحة رابعة مرورا بأحداث ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء. آلاف الأبرياء سقطوا دون ذنب سوى إيمانهم بالحرية».
دار الإفتاء المصرية لمست، ولكن بطريقة مقلوبة، علاقة ما يحصل بالخارج، فاعتبرت التفجيرات رداً على «النتائج الإيجابية لزيارات السيسي الخارجية»، والمقصود طبعاً زيارة الرئيس المصري للولايات المتحدة الأمريكية والتي اعتبر أنها أعطت حكم السيسي غطاء شرعيّا من الدولة العظمى، وقد فهمت إدارة السيسي أن الزيارة تدعم توجهاتها الداخليّة والإقليمية وتطلق يدها في «مكافحة الإرهاب» وكذلك في «مقاولة» تسويق الحلّ الإسرائيلي للقضية الفلسطينية، وقد رأينا محاولات في هذا الاتجاه في القمة العربية الأخيرة في البحر الميت.
ردود الفعل الشعبية السريعة على الاعتداءات الإرهابية والانتقادات الجذرية لكل النظام السياسي المصري وترديد هتافات الغضب والاحتجاج المريرة ضد السلطات كشفت خواء شرعيّة النظام وانعدام أهليته للتعاطي الحقيقي مع الأزمات الطاحنة لأنه، في حقيقته، هو سبب هذه الأزمات التي يعتبر التدهور الأمني تفصيلاً من تفاصيلها.
الرئيس المصري، من جهته، دعا مجلس الأمن الوطني للانعقاد بشكل عاجل «لبحث الأوضاع الأمنية التي تشهدها مصر»، وقال المتحدث باسمه إن السيسي «يدين ببالغ الشدة حادث التفجير الغاشم»، كما لو أنه الأمين العام للأمم المتحدة المسؤول الكونيّ عن تصريحات الإدانة والشعور بالقلق وليس الرئيس الذي يُفترض أن يعتذر من شعبه على الكارثة التي أوصله إليها والتي لا يمكن، طالما كان على رأس السلطة، أن يحلّها، لأنه هو أسّ المصيبة ورمزها الأكبر.
رأي القدس