الامريكان يعبثون بمنطقتنا العربية منذ اكثر من خمسين عام جهارا نهارا وبمعاونة نُخب عربية باختلاف ادوارهم المتعددة ضمن مراحل زمنية مختلفة. فالأمريكان هم من اسس المشروع النووي الايراني ايام الشاه واشرفوا عليه وكانوا يرقبون تطوره اولا بأول وكان الشاه مصدر طمأنينة للمصالح الأمريكية باعتباره شرطي امريكا بالمنطقة، وصمتت امريكا حينما اراد الشاه الاستيلاء على البحرين عام 70 عندها حولت بريطانيا مطامع الشاه نحو جزر الامارات الثلاث.
واليوم يمنح الغرب بزعامة امريكا، ايران تفوقا استراتيجيا في المنطقة وفق الاعتراف بقدراتها النووية وتفاقم هذه القدرات، وليس ادل على ذلك من اعتماد حوار لمدة سبع سنوات وهو زمن غير مسبوق مع دولة كانت تصنفها امريكا بانها مارقة ومهددة للأمن والسلم الدوليين. وامريكا لم تتحاور مع العراق وهي تعلم علم اليقين ان امتلاكه لأسلحة الدمار ليس الا اكذوبة ولم تتحاور مع كوريا الشمالية وشددت العقوبات عليها ولولا دعم الصين وروسيا احيانا لهلكت كوريا في قبضة الامريكان ناهيك عن تخوفها من قدراتها النووية الفعلية التي تهدد شبة الجزيرة الكورية بل واليابان وصولا الى مدن امريكية على وجه التحديد.
والسؤال الذي يطرح نفسه ليس فقط حول خفايا السلوك الامريكي والغربي تجاه ايران بعد ثورة الخميني وما حققته من صدمة كبيرة للامريكان ظن الكثير من العرب ان امريكا واسرائيل انما يخططون لتوجيه ضربة قاصمة للمشروع العسكري الايراني وكشفت الايام ان امريكا تريد تهذيب السلوك السياسي للقادة والدولة الايرانية وادماجهم في مسارات السياسة الدولية وضمنها الاجندة الامريكية وهنا تم التغاضي تدريجيا للتمدد الايراني خاصة في السنوات العشر الاخيرة الامر الذي أوصل ايران الى اربع عواصم عربية اثنتان كانتا محل نفوذ تقليدي للسعودية فحلت ايران مكانها وهما لبنان واليمن وتغول التمدد الايراني في سوريا والعراق وفاعليتها ملموسة في البحرين وهو الأمر الذي يجعل من التمدد الايراني ذي فاعلية كبيرة خاصة محاصرتها للحدود السعودية من اكثر من جهة (الشمال والشرق والجنوب ) ناهيك عن المجموعات والخلايا النائمة التي ستعلن عن نفسها في اول صراع علني اضافة الى طبيعة الانتماءات المذهبية لجماعات محلية تجعل من المذهب ولاء عابر للحدود.
السؤال مرة اخرى لماذا يتصف المجتمع العربي بالقابلية للتدخل من قبل الآخر الاقليمي والدولي وتمكينهم من التغلغل في شؤونه المختلفة. فرغم ثورة التحرر الوطني وظهور نخبة وطنية تولت ادارة النظام السياسي ومع متغيرات اجتماعية وثقافية وتشكل طبقي اظهر فئات وطبقات تنتمي الى الحداثة كفلسفة ومشروع سياسي، مع كل ذلك لم تتبلور الدولة الوطنية وهويتها السياسية الا خلال فترة قصيرة ثم اعقبها نكوص وفق متغيرات في التحالفات السياسية محليا وخارجيا ومعه تغيير ثقافي واسع نجم عنه انهيار الدولة الوطنية بمفاهيمها ودلالاتها وبحاملها البنيوي، وظهرت تحالفات اجتماعية جديدة وفق مسار يرتهن للخارج الغربي والأمريكي خصوصا مع تحالفات محلية بين فئات محدودة الافق سياسيا وبرجوازية طفيلية ارتبط بها جماعات انتهازية متعددة ومتنوعة ولا غرابة هنا ان نجد عموم الوطن العربي يعاني من ضعف كبير في النظام التعليمي وسوء الادارة وفق ارتفاع معدلات الفساد والفقر والبطالة وغياب حالات الابداع والاكتشافات العلمية هنا دخل العرب في حالات تشرذم ونزاعات بينية تعيد انتاج حروب القبيلة من سنوات سابقة.
ان واقع العرب يعكس خللا كبيرا في ميزان القوة مع ايران ومع اسرائيل وهنا عملت النخب العربية على تعطيل مفاعيل الجغرافيا السياسية نظرا لغياب رؤى استراتيجية تتطلب مرتكزات قوية في الادارة والارادة وفي استيعاب وادراك كاملين لدلالات تشكل القوة السياسية وفق الجيو استراتيجي ضمن مسارات اقليمية ودولية متحركة في مواقفها. الجدير بالذكر ان العرب لابد وان يدركوا يقينا ان مصالح الامن القومي الامريكي التي يعرفها الجميع من الخاصة والعامة تعلو على تكتيكات السياسة اليومية للادارة الأمريكية وتعلو على ومصالح الكثير من حلفائها ومنهم العرب، وهو أمر يتم تجاهله من القيادات العربية خاصة الخليجية التي يجب عليها اليوم ان تضع مواقف امريكا محل الشك والدراسة وان تعيد النظر في كل الخطط والاتفاقيات مع الجانب الامريكي وان تسعى لتوسيع علاقاتها مع الصين وروسيا بل ومع دول اخرى ذات ثقل اقتصادي وسياسي.
فاذا كانت امريكا قد اعترفت بإيران نوويا وزادت في المجاملة ان امتدحت دور ايران وحضورها في الدول الاسيوية المستقلة من الاتحاد السوفييي ناهيك عن توافقات كثيرة بينهما وتفاهمات مشتركة ضد داعش والقاعدة، كما ثمنت امريكا مساعدتها في الحملة ضد افغانستان والعراق، ثم صفقة الصواريخ c300 الروسية لإيران وكل هذا يتم والخليج يسلم كل اوراقه السياسية والاستراتيجية للأمريكان مثلما كان السادات يردد بأن 99٪من اوراق اللعبة بيد امريكا. ومع استمرار الفراغ السياسي العربي وتعميم الفوضى وعدم الاستقرار في غالبية الدول العربية وتدمير جيوش خمس دول على الاقل فان موقف الخليج على المدى القريب والمتوسط ناهيك على المدى البعيد لابد وان يثير مخاوف متعددة ومتنوعة ويجعل من استقرار هذه البلدان امرا مشكوك فيه.
ان اهم المخاطر الحقيقية التي تهدد الخليج ربما ترتبط بما هو مسكوت عنه في الاتفاقية مع ايران وهو ما يجعلنا نتساءل هل هناك ملاحق سرية لهذه الاتفاقية، فايران اصبحت اليوم وفق البنية التحتية الممتازة في مجال البحث العلمي والمختبرات الخاصة بالمشروع النووي وعلمائها لا تحتاج الا لوقت قصير جدا لنتج قنبلتها النووية والاعلان عنها وهو امر يدركه الامريكيون وهنا اعتقد ان ما يهم الامريكان هو تغيير السلوك السياسي للقيادة الايرانية وهو امر محل دراسة واهتمام يحقق لأمريكا ضمان عدم مهاجمة اسرائيل وادماج ايران في السياسة الدولية وكتشجيع لإيران سيتم إلغاء جميع العقوبات الدولية ولو تدريجيا هنا لاتزال ايران تتمتع بقدرة عالية على الردع بل والتفوق من حيث نوعية الاسلحة التي تمتلكها وعليه فان عاصفة الحزم ضد اليمن لا تملأ فراغا سياسيا وتحمل رسائل فاشلة تجاه ايران التي تتحدى الخليج جهارا نهارا عبر مناورات عسكرية تتجاوز اربع مرات في العام في بوابة الخليج دون ان تقدم دول خليجية واحدة على القيام بمناورة عسكرية مماثلة خاصة السعودية.
ومن هنا لابد ان تفكر دول الخليج استراتيجيا بعيدا عن غرور القوة المالية تجاه الجيران الاقرب في التاريخ والعروبة ودون نزق سياسي او تفكير يعتمد منطق العنتريات، ان اعتماد رؤية استراتيجية وفق منهج علمي ودراسات موضوعية لواقعها وحاجاتها آنيا ومستقبلا ودراسة محيطها العربي القريب والبعيد كمجال حيوي مهم في هذه الرؤية واعتماد ترتيبات سياسية جديدة في توسيع مجلس التعاون وفي خلق علاقات عربية تستند الى مرتكزات سيادية واستراتيجية حاضرا ومستقبلا يمكن معه وضع اللبنات الأساسية لتشكيل توازن مع ايران وغيرها وفق الوعي الجمعي بمخاطر تهدد العرب عامة في القلب دول الخليج العربي.
لابد ان تكون الثروة النفطية والموقع الجغرافي عاملان اساسيان لمعطيات سياسية قادرة بإرادة وحزم على تفعيل كل مكتسبات الامة ومواردها البشرية والعلمية لصالح ضمان الوجود العربي والخليجي اساسا باعتباره اكثر تعرضا للتهديد في وجوده ارضا وانظمة ونفطا.
لابد من انهاء عاصفة الحزم واعادة تعمير اليمن ودمجها في اطار تعاون خليجي وعربي حتى لا تذهب بعيدا وفق نزق سياسي لمجموعات قد تستملك الدولة طويلا، اليمن بلد حضاري بعمر سبعة آلاف سنة ولا يجوز التعامل معها وفق سفاهة الحكام والنخب الحزبية وانتهازيتها. فاليمن يشكل كتلة سكانية وقتالية كبيرة ناهيك عن جغرافيا مهمة في مسارات خطوط التجارة العالمي ولذا لابد وان تتواجد في تكتل ضمن مشروع عربي يتم تشكيله اقتصاديا وسياسيا وعسكريا لا يستهدف التفاعل مع الحالات الآنية وطبعها الانفعالي بل يستهدف مستقبل الامة وفق مشروع استراتيجي يعيد لها امجادها وهويتها القومية بنظرة متجددة للهوية ودلالاتها كما تفعل ايران ببناء مشروعها السياسي وفق مرتكزها من القومية الفارسية وكما تفعل انقرة في مرتكزها المتمثل بالطورانية كقومية ناظمة للدولة التركية ولامجال للصراع السياسي العسكري بل والثقافي والديني دون ان يستند على مرتكزات تعزز قوة المجتمع الخليجي باستحضار انتمائه العروبي والقومي وباستنهاض روح الابداع والبناء والمقاومة في آن واحد. الخليج لابد ان يفكر استراتيجيا وليس وفق انفعالات نخبة تستعرض قوتها المالية.
٭ اكاديمي يمني
أ. د. فــؤاد الصلاحي