الانتحار: العدم والمعنى!

تنشأ صيغ الموت معادلا لوجود يحايثه، بل يحاذي بداياته لكي يعطيه ما به، يتأسس من حيث هو جدلية قائمة على الرؤية إلى الاستمرار من خلال الانقطاع، لكنه في نهاية المطاف يؤسس حلوله بوصفه تقويم البيولوجيا لعطبها، أو تقويم النفس للجدوى من الاستمرار داخل متاح التكرار. ومن ثم يعد محوا ذاتيا تمارسه البيولوجيا، أو تفكيرا ضد الحياة بعد محاكمتها واختيار الاستغناء عنها وعن الإقامة بمعيتها في العالم. تجربة الحياة مهددة كلما أشرقت دروب العدم في ذهن الفرد، الذي نجهل كيفية تفكيره، وقدرته على اتخاذ قرار تحرير جسده من عناء التفكير والتوصيفات الاجتماعية والنفسية. ومن هنا ينشأ الانتحار بوصفه ممكنا مضادا للعناء، ممكنا يستقي أسسه الفكرية والنفسية  من فكرة الانتصار النهائي على الرعب الجسدي، والمعنى الذي يتولد عنه، بما يعنيه ذلك من معانقة العدم التي تفضي إلى محو الذات بإثبات سيرة أخرى للكائن تتعالى على جروحه المتعددة، وموضعة الجسد في فضاء الخفة قصد التخلص من الثقل بالبحث عن أفق آخر  لتجديد اللقاء بالكون ضدا على إرباكات العالم.
إن الإقامة فوق الأرض لا تستشعر إلا عند تخوم تمزق قشرتها التي هي الجسد ذاته؛ حيث يعد المستقر- السقف – إفقارا للطوية، وللانفتاح على الذات نفسها قبل أي شيء آخر. لا بارمنيدس ولا هراقليطس يشكلان إمكان إسعاف الذات على موضعة كينونتها حيث تزدهر، لأن هناك ما لا يثبت وما لا يتجدد، وحيث التكرار هو نفي مستمر لتماه وهمي. هل الأدباء هم أكثر الناس معاناة من التباس الحدود، والتباس المعنى، وهو لا يأبى إلا أن يكون حدا؟ إنهم يفضلون السباحة في نهر الحرية التي تذهب بهم إلى التحرر من التاريخ المشترك للجسد والأفعال والحركة. ومن ثم يكون الانتحار خيارا آخر لتجربة أفق كينونة متخيلة كما أعمالهم، كينونة تتخذ هيئة سفر نحو المجهول الذي لم يجرب، بالتغلب على الخوف من أهواله. والتفسير المقنع لرغبتهم هذه في أن يكونوا خارج آلة جسدهم وزمنها، ليس سوى فعل الانتحار ذاته؛ من حيث هو رفض لأن تفرض عليهم الاستجابة لعطالة الوجود التي تتخذ هيئة تطلع ينتهي بالخسارة دوما. فالانكسار الأُنطولوجي المرتبط بتوديع الرغبة – وفق ما يسميه مارتن هيدغر بالإقامة في باحة العالم- يكشف حجم الخواء وترندستالية ميتافيزيقا المنتحر الذي يكافح ضد نفسه، من أجل إثبات جدارته بأن يكون في رحاب المتفادى، وتجربة أفقه.  وكم هو محير العدد من الشعراء الذين ركبوا مغامرة الوجود عند حافة الوجود، فقد أحصت الكاتبة اللبنانية جومانة حداد في كتابها «سيجيء الموت وستكون له عيناك»  انتحار نحو مئة وخمسين شاعراً في القرن العشرين، بينهم خمسة عشر شاعراً عربياً.
يتجاوز الانتحار- إذن- تمرين الإرادة ليصبح خروجا من إمكانات الوجود، ووضع حد للحياة القصيرة أو الطويلة. لكن الشاعر المنتحر لا يقدم على الموت الطوعي إلا بعد استبدال للجسد البيولوجي بآخر رمزي تضطلع  الكتابة بأن تكون سكنا له يقاوم فعل الزمن. أفكر هنا بالشاعر المغربي عبد القادر الحوفي، الذي وضع حدا لحياته في أحد الفنادق في مدينة سيدي بنور تاركا رسالة طويلة جاء فيها «أخفقت في الشعر والكتابة والرسم ولم أوفق حتى في حماقاتي الجميلة في حضن الحياة. وأمام كل الإخفاقات التي واجهتني في الحياة سأقف اليوم قويا في وجه الموت.. وداعا»، والأثر نفسه تركه الشاعر الأردني تيسير سبول مبررا اختياره الانتحار في قصيدة يقول فيها «سأسقط للأبد في جوف الظلام، نبيا قتيلا وما فاه بآية». الأمر ذاته نلمسه في قول  الشاعر الروسي فلاديمير مايكوفسكي «زورق الأحلام اصطدم وتحطم»، هذا القول مهد لتوديعه روسيا، التي طالما كانت سيرة لشعره. وفي السياق نفسه لجأ والتر بنيامين أهم مفكري القرن العشرين في الأدب والتجربة الجمالية إلى الانتحار على الحدود الفرنسية الإسبانية من أجل إنقاذ أصدقائه الفارين من النازية الألمانية. وفي ضفة أقصى الشرق فضل الروائي الياباني يوكيو ميشيما الموت على تقبل تحولات اليابان وهي تتجه نحو الحداثة الغربية المهينة. لم يتقبل ميشيما مأساة هيروشيما وناغازاكي وفضل الانتحار على شاكلة الساموراي أودانوبوناجا عبر طقس «السيبوكو».
وسواء تعلق الأمر بالانتحار الأناني أم الغيري أم الفوضوي أم القدري، على حد تعبير إميل دوركهايم، فإن الانتحار تجربة فريدة تعددت المقاربات التحليلية حولها تبعا لتعدد تخصصات العلوم المسماة إنسانية، وزاوية النظر لدى المنتحر، الذي تشرق شمس الانتحار في ذهنه، فيظهر نهار آخر أمام الذات، غير ذلك الذي كان نوره ظلاما. ولذا علينا إعادة قراءة الانتحار من زاوية أخرى غير الزوايا المعتادة، إنه شكل ما من البحث عن المعنى خارج المعنى ذاته، إنه تعبير عن انسداد يجد الانفتاح في طقس تجربة الموت، لا من حيث هو مأساة، ولكن من حيث هو خلاص أخير من دون رهان على نتائج محددة. هو اختيار لموت ناف لموت مؤلم متكرر. وينبغي على كل القراءات التي تتسلح بالسيكولوجيا، أو السوسيولوجيا أن تعيد التفكير في خلاصاتها في ضوء إشكالية الوجود والمعنى. 
ربما كان الانتحار نشدانا لحياة أخرى ضدا من النوم، بالعودة إلى حضن الوجود الأصيل، حضن ما يكتفي بذاته من دون عناء الأحلام. هل أدرك فرناندو بيسوا ما فكر فيه المنتحرون حين قال «نحن لم نعش الحياة، الحياة هي التي عاشتنا، بالطريقة نفسها التي يرشف فيها النحل الرحيق، نرى، نتكلم ونحيا، الأشجار تنمو، بينما نحن ننام.؟  قد يكون الانتحار رغبة ملحة في توديع زمن المشاريع المكتنزة بالحاجة، ورغبة في الحرية بمعانقة العدم الذي لا نعلم شيئا عنه. وقرار الحرية هذا يجسد المفعول القوي للإرادة الراغبة في تحقيق السعادة في ما وراء كلّ اعتبارات الواقع، على حد تعبير جان بودريار. إنه سوء فهم لشروط الإقامة في العالم يفسرها البعض بكونها نتيجة لأمراض نفسية مثل الاكتئاب، وللمؤثرات الاجتماعية المختلة. وقد يحمل سوء الفهم اتهاما للفلسفة لأنها تقود الفرد المنتسب لصرحها إلى التفكير في ضيعة العدم، مادام التفلسف تدريبا على الموت بتعبير أفلاطون. والنموذج يمثله أكثر الناس حرصا على فن الحياة، وأقصد به الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز. هكذا يصبح الموت الأليم قادرا على تبديد البؤس وخلق حالة من الحسرة والتعاطف على نحو ما نجد في قصيدة الانتحاري لخورخي لويس بورخيس «لن يبقى في الليلِ نَجمٌ، ولن يبقى الليل، سأموت ومعي سيموت العالم الذي لا يُحتَمَل، سأمحو الأهرام، الأوسمة، القارّات والوجوه، أمحو تراكم الماضي، أحوّل التاريخ رماداً، والرمادَ غُباراً، أنظر إلى غروب الشمس الأخير، أصغي إلى العصفور الأخير، والعدم لا أوصي به لأحد».
تطرح الصورة  المنتحر- بوصفه ممارسا لفعل يستند إلى الحرية، ويوصف بكونه لا أخلاقيا  وميتافيزيقيا- جملةً من الأسئلة، خاصة إذا تعلق الأمر بنماذج كانت أكثر تشبثا بالحياة مثل الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز الذي ارتمى مثل طائر من أعلى شرفته الباريسية. لكن هل استجاب بفعله هذا إلى منطق حواسه ضد النمطية والتكرار، وأراد أن ينصت لما هو خارج اللغة تماشيا مع كتابه» النقد والعبارة»، أم أنه أراد أن يجعل صورة موته متحركة ومستمرة في الزمان تماما مثل كتابيه «الصورة الحركة، والصورة الزمان». تكررت صورة الانتصار لفكرة الموت نفسها أيضا مع الروائي الأمريكي إرنست همنغواي الذي انتحر بطلقة رصاص أسكتت الحياة فيه  إلى الأبد، بعدما حصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1954 عن روايته «العجوز والبحر».
ليس الانتحار سوى اختيار حر، مصحوب بالقلق، وانتصار عليه، وهو بذلك يعد محاولة  لتحقيق عدالة أخيرة تذهب بكل أشكال الفوضى إلى نهايتها، إلى حيث التطلع إلى إمكان الفهم الأخير المتروك للعدم كي ينظم وفق صيرورته التلاشي، ويعطيه معنى ما. هكذا يكون الانتحار سؤالا وإجابة في الوقت ذاته، سؤالا ينبني على الشك (ربما كان العالم خيانة للحقيقة) وإجابة تنبني على الممكن (قد تكون الحقيقة واردة بتجريب إمكان الموت). وقد يُقحم الإنسان في هذا الاختيار النهائي أعوز الناس عنده، ألتوسير لم يتردد في قتل حبيبته هيلين ريثمان، وعلى الرغم من التقرير الطبي الذي دبجه صديقه جاك لاكان لينقذه من حكم قاس، فإن خلف فعله يتخفى الإحساس بخيانة العالم للحقيقة.
الانتحار- إذن- اغتيال علني للجسد بوصفه حجابا، ولتاريخه بوصفه خيانة له، وإعلاء من فكرة الرضا المتعالية بما يمحو الرضا عن عالم لا يستجيب للصلابة، ويهدد بالزوال، ومن ثمة فهو تسريع بما يعد ألما لا بد منه من أجل تجاوزه بتحديه. وقد يعبر المنتحرون عن هذا التسريع بأشكال مختلفة، فقد يكون إرضاء لتيموس المنتحر الراغب في التغلب على النسيان، وتحقيق الخلود (حالة يوكيو ميشيما)، أو رغبة في تدمير الذات من أجل إدانة رمزية للعنف وللقهر السياسي (حالة كريم حوماري)، أو إحساسا باكتمال يفرغ الحياة من المعنى (همنغواي). لكن وراء رفض الحياة هناك أسمى درجات التمسك بها وفق طريقة لا يراها إلا الممسكون بجمرة الإرادة. ومن أشرقت فكرة الانتحار في ذهنه حتما لن يعمر طويلا.

كاتب مغربي

عبد السلام دخان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية