الانتخابات البلدية في تونس محور جدل واسع

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي» ـ روعة قاسم: الحدث في تونس هذه الأيام هو الانتخابات المحلية أو البلدية كما يسميها التونسيون، وستجرى يوم الثامن من أيار/مايو المقبل، وانطلقت حملتها منذ أيام. وتتنافس في هذه الانتخابات، التي تنهي رسميا المرحلة الانتقالية، قوائم حزبية، ومستقلة تبدو حظوظها وافرة للفوز باعتبار صغر الدوائر الانتخابية ومعرفة الناس لبعضها البعض، خلافا للانتخابات التشريعية حيث تتسع فيها الدوائر ويصعب معرفة المرشحين ما يجعل الناس تتوجه إلى الأحزاب.
ويبدو من خلال استطلاعات الرأي، أن نسبة الإقبال ستكون ضعيفة جدا بالمقارنة مع انتخابات المجلس التأسيسي في 2011 والانتخابات الرئاسية والتشريعية في 2014. ذلك أن نسبة هامة من التونسيين باتت على قناعة أن الانتخابات، أو الديمقراطية، ليست الحل الأمثل للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعانون منها وتزداد استفحالا يوما بعد يوم.
ولعل الملاحظ في هذه الحملة الانتخابية هو الفوضى العارمة الحاصلة على مستوى الوعود والبرامج التي تتجاوز الاختصاصات والصلاحيات الممنوحة للجماعات المحلية والقائمين عليها. فالبعض يقدم وعودا لا يستطيع تنفيذها إلا رئيس جمهورية والبعض الآخر تداخلت في ذهنه صلاحيات الوزير مع تلك التي تخص رئيس البلدية، وآخرون يبدو أنه لا علم لهم بوجود إدارات جهوية تمثل الإدارة المركزية في إطار اللامحورية الإدارية ولديها اختصاصات سطا على بعضها مرشحون وعدوا الناس بوعود لا يمكنهم الوفاء بها.
ويقول صبري الثابتي الباحث في المركز المغاربي للبحوث والدراسات والتوثيق في تونس لـ»القدس العربي» أن الأمور اختلطت في أذهان كثير من المترشحين للانتخابات البلدية حتى باتوا لا يميزون بين اختصاصات المجلس البلدي ورئيس الجمهورية ومجلس النواب والحكومة، وانعكس ذلك على البرامج الانتخابية والوعود التي يقدمها المترشحون. ويعود ذلك إلى سببين، أولهما أن الأحزاب التونسية كعادتها لم تكن في مستوى الحدث ولم تراع المصلحة الوطنية في عملية اختيار المترشحين الذين يجب ان يكونوا على درجة من الكفاءة تجعلهم يميزون بين الاختصاصات، وثانيهما أن قانون الجماعات المحلية ما زال لم يصدر بعد وهو الذي يحدد اختصاصها، وبالتالي لم يكن جائزا أخلاقيا أن تدفع بعض الأطراف السياسية باتجاه التعجيل بإجراء الانتخابات البلدية رغبة في سيطرتها على الحكم دون احترام للناخب الذي ستتوجه إليه برامج هلامية، فعلى أي أساس ستنجز هذه البرامج؟ وألا يعتبر ذلك عملية احتيال يدعي من خلالها المترشحون قدرتهم على إنجاز أشياء يدركون سلفا أنها قد لا تدخل في حدود اختصاصهم مع صدور القانون الجديد؟

مجرمون محليون

ويضيف: «إضافة إلى عدم اشتراط القانون الانتخابي لمستوى علمي للمترشح، الأمر الذي فتح الباب لمن هب ودب ليقدم ترشحه. ولم يشترط القانون أيضا نقاوة السجل العدلي للمترشح من السوابق. وبالتالي بات من الممكن أن يصبح قاتل الأرواح وتاجر المخدرات واللص والمتورط في جرائم أخلاقية وغيرهم رؤساء للبلديات أو أعضاء للمجلس البلدي.
ويبدو أن الأحزاب السياسية التي أعدت كتلها في البرلمان القانون الانتخابي المثير للجدل لا يهمها أمر البلاد في شيء، وما يهمها فقط هو أن توصل أكبر قدر ممكن من المترشحين إلى المجالس البلدية. والغاية من كل ذلك هي زيادة السيطرة على مفاصل الدولة من خلال هؤلاء المترشحين، وفي مختلف جهات البلاد، وذلك استعدادا للانتخابات التشريعية السنة المقبلة والتي ستكون حاسمة».
ويقول «من المفروض أن تتوقف هذه المهزلة التي لم يحصل لها مثيل عبر التاريخ وعلى مستوى العالم، حتى في الديمقراطيات الناشئة، أي مهزلة الوعود التي لا تتحقق والمترشحين الذين اختلطت عليهم الاختصاصات ووعدوا الناخبين وعودا رغم علمهم أنهم لن يفوا بها. ماذا سيفعل هؤلاء غدا مع ناخبيهم وهم الذين لا قدرة لهم على الإيفاء بالوعد خاصة وأن الناخبين على تواصل مباشر معهم نظرا لصغر الدائرة الانتخابية؟».
ويشار إلى أن هذه الانتخابات ستشهد لأول مرة في تاريخ تونس مشاركة الأمنيين والعسكريين الذين يرى البعض أن أصواتهم ستكون مؤثرة إلى حد بعيد. فيما يرى آخرون أنها لن تؤثر وأن النداء والنهضة سيواصلان السيطرة على مقاليد الحكم وأنهما سيقتسمان البلديات فيما بينهما وأنه يصعب بل يستحيل أن ينافسهما أي طرف سياسي حتى المستقلين.
وقد حصل جدل واسع حول مشاركة الأمنيين والعسكريين في هذه الانتخابات باعتبار يفترض في القوى الحاملة للسلاح أن تلتزم الحياد وتقف على مسافة واحدة بين مختلف الفرقاء السياسيين. وترى أطراف أخرى أن من حق الأمني والعسكري الدافع للضرائب أن يختار ممثليه في المجالس المحلية باعتبار ان الخدمات التي تقدمها البلدية تمس حياته اليومية مباشرة.
وستعوض المجالس المنتخبة الجديدة ما كان يعرف بـ»النيابات الخصوصية» وهي شبه مجالس بلدية يتم اختيارها بصورة مؤقتة وبالتعيين دون انتخاب، لتتولى الشأن المحلي في انتظار اجراء الانتخابات. وقد ترأست هذه المجالس في وقت ما شخصيات معروفة من قبل أهل تلك المنطقة أو أشخاص عينوا بالمحاباة من خلال قربهم من هذا الحزب أو ذاك وتزلفهم له، ومؤخرا أصبح المعتمد وهو ممثل الإدارة المركزية على المستوى المحلي هو رئيس هذه النيابة الخصوصية.
وهذه المجالس المؤقتة هي ملء للفراغ الذي حصل إبان الثورة نتيجة لعمليات الحل التي طالت المجالس البلدية التي كانت تدير الشأن المحلي زمن زين العابدين بن علي. ومنذ 2011 وتونس بلا مجالس محلية منتخبة وتهتم بشؤونها المحلية مجالس تم تعيين أفرادها في انتظار إجراء الانتخابات البلدية التي تأجلت في السابق ليتم الاتفاق على إجرائها بداية الشهر المقبل.

الانتخابات البلدية في تونس محور جدل واسع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية