لم يكن فوز الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي نظمت الأسبوع الماضي مفاجئا إلا للمعارضة التركية التي صدقت أنها في الطريق لكسر الدينامية السياسية التي سيطر فيها حزب العدالة والتنمية على المسار السياسي في البلاد منذ 15 عاما. وكان فوزه وحزبه يوم 24 حزيران (يونيو) مفاجئا لاستطلاعات الرأي والمعلقين الأجانب الذين أعطونا فكرة أن اردوغان إن لم يكن في طريقه للهزيمة فستجبره المعارضة المتحدة هذه المرة على جولة ثانية ستعقد في الشهر المقبل. ويبدو أن كذبة نهاية حقبة اردوغان كانت قوية لدرجة أن الجميع بات يترقب الطريقة التي سيتنحى فيها «السلطان» عن السلطة ويقبل فيها بنتائج الانتخابات. فالسرد الذي ساد الجولة الانتخابية الأخيرة أدى لغموض على الساحة وأن الحزب التركي المتجذر في الصحوة الإسلامية قد أنهى مبررات وجوده في الحكم، خاصة مع انهيار العملة التركية التي أخذها البعض باعتبارها نذيرا للتغيير القادم في تركيا.
مقامرة خاطئة
وفات الكثير من المعلقين والمعارضة المتحمسة واستطلاعات الرأي أن اردوغان الذي لم يخسر ولا جولة انتخابية منذ عام 2003 لم يكن ليقامر بمسيرته السياسية ويخوض انتخابات مبكرة لتأكيد نتائج الاستفتاء الذي عقد العام الماضي وبسلطات دستورية جديدة في البلاد. فهو كما قال ستيفن كوك الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، يحضر لهذه اللحظة منذ عام 2007. ففي مقاله بمجلة «فورين بوليسي» (22/6/2018) ذكر فيها بانتخابات عام 2015 التي خسر فيها الحزب غالبيته المطلقة في البرلمان، وعندما حاول رئيس الوزراء في حينه أحمد داوود اوغلو التفاوض مع الأحزاب الفائزة لتشكيل حكومة ائتلافية عمل اردوغان جهده لتخريب مفاوضاته ولم يهنأ له بال حتى نظم انتخابات جديدة في نهاية ذلك العام استعاد فيها الحزب الأغلبية البرلمانية بشكل سمح له وضع 18 تعديلا دستوريا في استفتاء عام 2017 والذي فاز فيه بهامش 51 في المئة. ويقول كوك إن انتخابات 2015 واستفتاء 2017 يجب أن تكون تذكيرا لمن يريد التكهن بنهاية الرئيس التركي، فما حدث كان ضروريا لوضع التعديلات الدستورية محل التطبيق معززة موقع الرئيس اردوغان كأهم زعيم تركي منذ 80 عاما. وبناء على النظام الجديد فلن يكون منصب الرئيس رمزيا بل سيتمتع بسلطات تنفيذية تؤهله لتعيين الحكومات والقضاة وإصدار المراسيم وبالضرورة إنهاء الحقبة الكمالية لأسباب جيدة أو سلبية. وتساءل كوك إن كان الرئيس اردوغان سيترك هذه الفرصة تتسرب منه ويضحي بكل ما أنجزه. صحيح ان المعارضة خاصة محرم اينجه، زعيم حزب الشعب الجمهوري قدم رؤية جديدة أخذت السرد أو بعضه من اردوغان وبدا شعبويا في خطابه وحاول الدخول لمعاقل حزب التنمية، إلا أن التحالف الذي شكله لم يكن قادرا في النهاية إلا على حصاد نسبة 30 في المئة من الأصوات فيما حصد حزب الشعوب الكردية بزعامة رئيسه صلاح الدين تمرتاش السجين على نسبة أكثر من 10في المئة. ولم تتعد نسبة مرشحة حزب الخير ميرال أكشنار 7 في المئة.
وفاء بالوعود
ومن هنا فالدرس الأهم من الانتخابات الأخيرة هي أن اردوغان وحزبه يعرفون كيف يحققون انتصارات خاصة أن سردهم يقوم على الوفاء بالوعود الانتخابية وتغيير حياة المواطنين للأحسن، وبالمجمل يعرف اردوغان رغم ما ينتقد به من نزعة ديكتاتورية وقمع للحريات، كيف يفوز ويعرف السبب الذي يجعله يفوز ويجعل الناخب التركي يختاره لا غيره. ويقول بورزو دراغاهي في «فورين بوليسي» (25/6/2018) أن اردوغان سياسي بارع أكثر مما يحظى به من تقدير في الخارج، ولهذا ظلت شعبيته تتصاعد خلال السنوات الماضية، فهو شخصية جذابة وله حضور ومتحدث جيد وكان واضحا في حديثه بعد الفوز أنه لم يتعب بعد من الانتصارات مؤكدا أن المنتصر «هي ديمقراطيتنا، والسياسة القائمة على الخدمات والإرادة الوطنية العظيمة وتركيا والأمة التركية والمنطقة المستضعفة والشعوب المستضعفة في العالم». ويعترف معارضوه بأنه هو أكثر الزعماء الأتراك شعبية.
ورغم ما يقال عن عدم عدالة الحملات الانتخابية والفترات التلفزيونية التي منحت للمعارضة، إلا أن الحزب لم يسرق الأصوات. وحسب أزغي باسران منسقة برنامج تركيا في مركز الدراسات الأوروبية بجامعة أوكسفورد فاردوغان: «حيوان سياسي وساحر وخطيب جيد» و «ليس مفاجئا انه فاز ولم يكن سرا فالشعبوية هي استراتيجية وليست أيديولوجية». وتقوم شعبوية اردوغان التي قام بتعديلها خلال مسيرته السياسية، على القومية والخطاب الطبقي وكذا الخدمات العامة خاصة المشاريع الواضحة التي تؤكد نمو البلد، فكعمدة لمدينة اسطنبول ورئيس وزراء ما بين 2003 – 2014 ورئيس الجمهورية منذ ذلك الوقت بنى اردوغان سمعته على الجدارة وحتى في ظل الاتهامات الموجهة له ولحزبه بالفساد منذ صعودهم السياسي عام 2002 إلا أن معدل الدخل القومي للفرد تضاعف ثلاث مرات. ويقول إيجمن باغيس، الوزير السابق في حكومة اردوغان: «صوت الناس للخدمات التي قدمت لهم» و «يعيش الناس في أوضاع مريحة اليوم مقارنة مع قبل 16 عاما. وينظر الناس لما حققناه ويعرفون أنه قادر على تقديم الأفضل». ومن هنا فالأتراك يحكمون على اردوغان بالنتائج التي يرونها أمام أعينهم: طرق سريعة جديدة، مطارات، جامعات، مدارس، جسور، مساجد، مراكز تسوق، أنفاق، موانئ والخطوة المقبلة هي القناة التي ستربط ما بين البحر الأسود وبحر مرمرة وبعدها مشاريع كبرى أخرى. ويعلق باغيس قائلا: «لو قرأت برنامج حزب العدالة والتنمية عام 2001 وفحصت ما تم إنجازه لاكتشفت أن هذا الرجل يفي بوعوده». وبالإضافة لهذا فقد بنى اردوغان علاقة وثيقة مع قاعدته المتجذرة بسياسة الهوية. ولهذا فهو يعرف كيف يحرك مشاعر الجماهير ويجعلها مهتمة بالانتخابات ويستطيع استحضار التاريخ الماضي وفكرة نحن وهم. وهناك عامل وراء النجاح هو تكيفه مع التغيرات في التوجهات السياسية، فقد بدأ إسلاميا معتدلا وداعيا للتنوع وفي هذه الفترة تقدم ملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي وحصل الأكراد والأرمن على اعتراف وحقوق أكبر إلا أنه شعر في نقطة معينة بأهمية تبني القومية التركية والواضحة من خلال تحالفه مع حزب الحركة القومية اليميني الذي يتسم بالعداء لأي مفاوضات مع الأكراد وانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. ومن هنا يحاول التأكيد على جذوره في الأناضول وكونه ابن قبطان عمل في البحر الأسود قبل انتقاله إلى اسطنبول. وعادة ما يهاجم النخبة المتنعمة في خطاباته ويؤكد على الجذور المحافظة لتركيا. وأهم ما يميز اردوغان كما تقول باسران التي تدعم المعارضة، هو عمله الدؤوب ومقابلاته وأحاديثه الطويلة والعمل الجاد يثمر. وأهم ما في الأمر هو أن الرئيس يظل في مزاج انتخابي، وهو لم يعد يطرق الأبواب كما كان يفعل في قاسم باشا بل يجول البلاد طولا وعرضا ويستمع للأتراك.
تركيا الجديدة
تعلم فترة اردوغان الرئاسية الجديدة بداية مرحلة للجمهورية التركية وربما نهاية للكمالية حسب مجلة «إيكونوميست» (28/6/2018) فنحن أمام تركيا متجذرة في القومية الإسلامية والنوستالجيا العثمانية. ولم يفت المجلة الإشارة مثل غيرها من المؤسسات الإعلامية لعدم عدالة الحملات الانتخابية معتمدة في حكمها على تقرير لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي رحبت بنسبة المشاركة 88 في المئة لكنها لاحظت أن اردوغان وحزبه تمتعوا بالتغطية الإعلامية الكبيرة وأساءوا استخدام قانون الطوارئ الذي يحظر التجمعات. وهي المؤسسة نفسها التي شككت بنزاهة استفتاء عام 2017. والغريب أن الإعلام تحدث عن انتخابات تركيا في ظل قانون الطوارئ ونسي أن الانتخابات الفرنسية العام الماضي عقدت في الظروف نفسها. وترى «إيكونوميست» أن الانتخابات الأخيرة هي الخطوة الأخيرة لإعادة تشكيل تركيا الكمالية ومنح سلطات واسعة للرئيس حيث سيختفي منصب رئيس الوزراء وسيتأكد نواب العدالة والتنمية في البرلمان من تحويل كل كلمة يقولها الرئيس إلى قانون. وتشير إلى أن تحالف اردوغان مع دولت بهتشلي زعيم الحركة القومية يعني ميولا أكبر نحو الوطنية القومية. ونقلت عن سولي أوزيل المعلق التركي المعروف قوله إن اردوغان حصل على الرئاسة وهذا جيد لكنه أصبح «أسيرا في يد بهتشلي». ولا تتوقع المجلة أن يتوقف الرئيس التركي عن ملاحقة معارضيه حتى لو ألغى قوانين الطوارئ. وتعتقد أنه سيجد صعوبة في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة العلمانية. وتعتقد أن تركيا التي يحكمها اردوغان اليوم منقسمة بين المحافظين المسلمين والقوميين من جهة والعلمانيين والليبراليين والأكراد من جهة أخرى. ويرى سونير تشاغابتاي، مؤلف كتاب عن اردوغان إن أي توقعات لقيام الرئيس رأب الصدع ساذجة لأن الشمولية في الحكم هي طريقة عقلانية للبقاء في السلطة وليست جنونا.
نخبة جديدة
إلا أن الانتخابات الأخيرة كشفت حسب الباحث خليل كارفيلي بمقاله الذي نشرته دورية «فورين أفيرز» (25/6/2018) عن النخبة السياسية في المستقبل، فلأول مرة ومنذ أن قدم إلى السلطة على اردوغان أن يتعامل مع منافسين يمثلون توجهات اجتماعية متنامية: الديمقراطية الاجتماعية واليمين القومي. وبالإضافة للتحدي اليساري من انجه كان على اردوغان مواجهة اكشنار عن حزب الخير القومي اليميني حيث ان ثلثي الشعب التركي هم إما متدينون أو قوميون أو محافظون، وأقل من الثلث يعتبر يساريا أو ديمقراطيا اجتماعيا أو شيوعيا. ولكن تحولا قد يكون في مرحلة التكون. وقد سادت الأحزاب اليمينية السياسية التركية لفترة طويلة ولم يفز في الانتخابات حزب ديمقراطي اجتماعي منذ 1977. وحظي اليمين بتأييد جماهيري بإعادة صياغة الصراع الطبقي على أنه حرب ثقافية. واردوغان هو آخر – وأنجح – زعيم محافظ في لعب دور المدافع عن الناس العاديين ضد سكان المدينة الأثرياء. وقبل انجه، وقع اليسار في فخ المحافظين بتبني توجه نخبوي اعتبر المتدينين رجعيين. ويبدو أنه تعلم من التاريخ، ففي سبعينات القرن الماضي كان مراهقا وانضم حينها إلى حزب الشعب الجمهوري، وينحدر من بلدة صغيرة ويصف نفسه بأنه «الابن الثائر من عائلة محافظة». ولكنه أيضا متدين ويحضر صلاة الجمعة. وليس عنده مشكلة مع الحجاب أو الآباء الذين يرسلون أبناءهم لمدارس دينية. كما أنه تجنب استخدام كلمة «علمانية» خلال حملته الانتخابية. وهذا حرم اردواغان من نعته بممثل نخبة أثرياء المدينة وبدلا من ذلك قام انجه باستخدام سلاح الطبقات ضد اردوغان باتهامه بأنه يمثل الأثرياء مع أنه يدعي أنه واحد من الشعب. وتقدم بالتواصل مع الأكراد. وأشار إلى معارضته للأساليب القمعية التي تتبعها الحكومة مع الأكراد.
أما المرشحة الرئيسية المعارضة الأخرى اكشنار فهي مبغوضة من الأكراد حيث كانت وزيرة للداخلية في أواسط تسعينات القرن الماضي عندما كانت الأجهزة الأمنية تقوم بحرب قذرة في مناطق الأكراد وتم خلالها اغتيال سياسيين ومفكرين ورجال أعمال أكراد. وأكسبتها قسوتها لقب المرأة الحديدية. وتركت في عام 2016 حزب الحركة القومية اليميني المتطرف وشكلت حزب الخير، ولكنها التزمت بموقفها القومي المعادي للأكراد. وتعهدت بحل مشكلة الأكراد خلال ستة أشهر، ربما باستخدام المزيد من أساليب مكافحة التمرد القاسية. إلا أن القومية التي تتبناها اكشنار تختلف قليلا عن تلك التي يتبناها اردوغان في السنوات الأخيرة والتي تتناغم مع غالبية الأتراك. ولكن ما يهم في كل هذا أن التغيير الذي حققه حزب اردوغان على حياة الناس كان مهما في انتصاره الأخير والناس تكافأ من يخدمهم جيدا.
إبراهيم درويش