الانتخابات التركية في انتظار الجولة المقبلة: خسارة لأردوغان وليس لـ«العدالة والتنمية»

حجم الخط
1

هل انتهى عصر الرئيس التركي طيب رجب أردوغان، أي مشروعه وطموحه لمواصلة إعادة تشكيل تركيا الكمالية؟ سؤال تسابق المعلقون الغربيون للإجابة عليه في ظل الأداء السيء لحزب العدالة والتنمية الذي يحكم تركيا منذ 13 عاما وتسيد الحياة السياسية فيها ليصبح الحزب الأوحد في تركيا. وبهذه المثابة تحول أردوغان إلى السياسي الأشهر في تركيا الحديثة منذ مصطفى كمال أتاتورك. وجاءت نتائج الانتخابات التركية في 7 حزيران/يونيو لتنزع من أردوغان المبادرة التي كان يريدها من أجل «تركيا جديدة» يعدل فيها الدستور ويصبح رئيسا بصلاحيات دستورية. ولكن تراجع حصة حزب العدالة والتنمية من 50 في المئة في انتخابات عام 2011 إلى 41 في المئة حرمت أردوغان من الغالبية التي يريدها وأدت لخريطة جديدة لم تشهدها الحياة السياسية التركية منذ عقود، فقد دخل الأكراد ولأول مرة في تاريخ تركيا ككتلة تمثل مصالح الأكراد ودخلت الأقلية العلوية التي رشحتها الأحزاب القومية وغير ذلك من ألوان الطيف السياسي التركي. وعادت تركيا إلى حقبة الائتلافات التي تعني بالضرورة عدم الإستقرار السياسي نظرا للتجربة السابقة والتي دائما ما فتحت الطريق أمام عودة العسكر للحكم.

من المسؤول؟

والسؤال هو من المسؤول عن الخسارة التي تعرض لها الحزب؟ يجمع المعلقون الغربيون أن أردوغان هو المسؤول، فالإصلاحي الذي جاء عام 2003 تغير وانقلب على نفسه. وهذا ما بدا في مقالة لفيلكين ديكستر في مجلة «نيويوركر» الذي تحدث عن إنجازات أردوغان من ناحية تحرير الاقتصاد وأعطائه حقوقا للأقلية الكردية المضطهدة وأكثر منحه الغالبية المتدينة في تركيا صوتا لتقرير الكيفية التي تريد أن تحكم نفسها بنفسها. وخلال الفترة الأولى من حكم أردوغان برز كرمز للأمل في العالم الإسلامي ونموذجا عما يمكن للإسلاميين تحقيقه. وفي المحصلة نظر الغرب لأردوغان كجسر بين الشرق والغرب. ولكن الرئيس التركي حسب فيلكين قتل كل الآمال عندما بدأ حملة ملاحقة ضد المؤسسة العلمانية واستهدف قادة الجيش الذين اتهمهم بالتآمر عليه. ومن ثم قمع الحرية الصحافية بدرجة أصبحت فيها تركيا أكثر دولة في العالم قمعا للصحافيين. مع أن هذه التصرفات لم تنل كثيرا من شعبية أردوغان الذي واصل تقدمه وإنجازاته. ويقول فيلكين إن التغيرات في مسيرة أردوغان ليست خطيرة في حد ذاتها بقدر ما تعبر عن رغبة منه للبقاء في السلطة. صحيح أن حزب أردوغان فاز بأكثر المقاعد وليس الغالبية، لكن العملية الانتخابية تعبر عن قوة الناخب التركي الذي رأت الصحافة الغربية أنه أوقف طموح الرئيس التركي مع أنه نظريا يستطيع الدعوة إلى استفتاء على الدستور إن رغب لكن هذا غير محتمل كما تقول «الغارديان». وتساءلت ماذا حدث؟ والجواب السريع هو أن كل طرف في المعادلة التركية سيعيد تشكيل نفسه، كما أن الانتخابات أوقفت الخطوات التي كانت ستجعل تركيا تحت حكم الحزب الأوحد. وعادت إلى التعددية الحزبية التي فشلت في تقديم الإستقرار للبلاد في الماضي. وفي تحليل «الغارديان» لأسباب تراجع الحزب الحاكم ترى أنه مرتبط بأردوغان الذي بدأ حياته السياسية في الطريق الصحيح ثم أنتهى وقد خرب كل شيء. وتعتقد أن كل سياسات أردوغان الاجماعية انتهت انقسامية. وحتى محادثات السلام مع الأكراد فقد كانت تهدف سياسته إلى إضعاف المعارضة. وتضيف أن محاولات أنقرة منع نشوء كيان كردي في شمال سوريا ألب الأكراد ضده وانتقموا منه من خلال حزب الشعوب الكردية الذي يتزعمه صلاح الدين ديمرتاش. وبالمعنى نفسه رأت «فايننشال تايمز» أن ما حصل للعدالة والتنمية هو مسؤولية أردوغان الذي أفشلت الانتخابات محاولته لفرض نظام استبدادي على تركيا. وعلقت على النتائج «إنه يرحب بها بشكل كبير حيث أوقفت طموحات السيد أردوغان نحو الحكم المطلق وللأبد» وأضافت أن نتائج الانتخابات «تثبت أن الكثير من الأتراك عانوا بما فيه الكفاية». وقللت الصحيفة من مخاوف المستثمرين الأجانب حيث قالت إن الاقتصاد التركي يعاني أصلا من تراجع ولم يعد حزب العدالة الحزب الإصلاحي الذي كانه. وتعترف الصحيفة أن أردوغان «ظاهرة سياسية يجب عدم التقليل من شأنها لكن عليه الإعتراف أن الناخبين رفضوا حكمه السلطوي».

لحظة غازي

وتربط التراجع في مصير حزب العدالة بتظاهرات حديقة غازي باسطنبول والتي قمعتها الشرطة التركية عام 2013. وهي لحظة مهمة كما تقول إسراء أوزيرك الباحثة في التاريخ التركي الحديث في مدرسة لندن للاقتصاد. ونقلت عنها صحيفة «واشنطن بوست» «كانت حركة غازي مهمة وبدأ منها خطاب التغيير». وتزامنت التظاهرات مع حرب العدالة والتنمية مع «الدولة الموازية» وجماعة فتح الله غولن وما تبع ذلك تسريب أشرطة عن فساد النخبة الحاكمة وطالت نجل أردوغان نفسه. ولا يمكن فصل خطاب أردوغان الصدامي وتصريحاته المثيرة واهتمام الإعلام التركي بكل ما يقوله حول المرأة والصحافة الأجنبية (بالمناسبة طالبته الغارديان باعتذار) وقاعدته الانتخابية فكل ما قاله أثناء الحملة كان موجها للقاعدة المحافظة التي تدعمه ولكن المعارضة استخدمت كل ما قاله للهجوم عليه. وهو ما يفسر المواقف الغربية الناقدة للرئيس. ومع ذلك فهو لا يزال رغم ما جرى في قلب السلطة ويتمتع بتأثير واسع. وبحسب فرانسيس ريكاردوني السفير الأمريكي السابق في تركيا «لا يزال رئيسا وأمامه أربع سنوات مقبلة ويحظى بسلطات واسعة» وتوقع أن يكون «مؤثرا». وتقترح «واشنطن بوست» في افتتاحية لها: على أردوغان التخلي عن طموحاته وتقديم تنازلات للمعارضة من أجل تفعيل عجلة الاقتصاد من جديد. كما أن دخول الأكراد للبرلمان قد يؤدي إلى الدفع بالعملية السلمية وإكمال المفاوضات. وتعتقد أن أي محاولة من أردوغان للمناورة والدعوة لانتخابات جديدة لن تكون إلا وصفة لعدم الإستقرار. وأفضل شيء هو قبول الرئيس بالواقع وتغيير مساره. فالمشاركة الانتخابية 85 في المئة تتفوق على المشاركة في الانتخابات الأمريكية عام 2012 والتي لم تتجاوز 57 في المئة وهي بالضرورة رسالة «توبيخ» للرئيس كما تقول «نيويورك تايمز». وتضيف أن صورة الرئيس تشوهت رغم بقائه في السلطة والسياسي الذي لا نظير له. ولكنه انحرف عن المسار الديمقراطي، فقمع المتظاهرين والمعارضين وسمح للجهاديين بالعبور إلى سوريا في محاولته التي وصلت حد الهوس للإطاحة بالرئيس بشار الأسد، كما أن رفضه السماح للتحالف الدولي استخدام قواعد بلاده العسكرية لضرب تنظيم الدولة أثار الكثير من علامات الإستفهام حول التزامات تركيا كعضو في الناتو. وتشير الصحيفة إلى أن أردوغان استفاد في الماضي من ضعف المعارضة التي اصطفت هذه المرة وبشكل قوي للرد عليه. وتعتقد أن المرحلة المقبلة ستكون مليئة بالتحديات للرئيس ولحزبه، وتشمل إنعاش الاقتصاد ومليوني لاجئ سوري وتنظيم الدولة الإسلامية وعلاقات مضطربة مع الأكراد الأتراك والغرب بحاجة للإصلاح ولا وقت للتردد في كل هذا.

تركيا المعقدة

خلف التصريحات الصارخة التي أطلقها معلقون «نهاية باكس إردوغان»و «البوتينية» و «إجماع بيجين». ووصف بعضهم الانتخابات بأنها «انفجار نووي في السياسة التركية» كما نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن بولنت عليرزا من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية نزعة انتصارية تتعامى عن واقع لا يفهم تركيا والتغيرات التي حدثت فيها خلال حقبة أردوغان وما قبلها. فالجميع يبدون راضين بالعودة إلى فترة العسكر والائتلافات الحكومية التي جلبت العسكر. وينسون وهم الأعرف أن تركيا بلد ديمقراطي ومعقد في الوقت نفسه. وأشار إلى جزء من الحقيقة ديفيد إغناطيوس في مقاله بصحيفة «واشنطن بوست» قال إن تحليل ما جرى الأحد الماضي ينم عن قوة المؤسسة السياسية مشيرا إلى عراقة الديمقراطية التركية التي مضى عليها قرن تقريبا. ونجت من الحروب الساخنة والباردة والإنقلابات والمتطرفين وعليه يعرف الأتراك أنهم سيخسرون الكثير لو تم اختطاف الديمقراطية. كما أن تركيا بلد فيه ثقافة مجتمع مدني ولديه اقتصاد حر وصحافة حرة ونظام قضائي حر. والكاتب هنا محق في القول لكنه يتهم أردوغان بمحاولة استفزاز كل هذه المؤسسات أو قمعها. ولا يغيب عن الكاتب هنا المفارقة في الصعود الكردي فلولا تشجيع أردوغان لهم لما حلموا بدخول البرلمان. ويرى إغناطيوس أن الانتخابات التركية ليست شأنا محليا في النهاية بل ولها أبعاد دولية لأنها حسب رأيه تحدت فكرة صعود الرجل القوي على طريقة بوتين أو الحكم المطلق في الصين. كل هذا قد يكون صحيحا لكن ما أسفرت عنه الانتخابات هي أن تركيا لا يمكن أن يحكمها شخص واحد ولا حزب واحد كما يقول سونير جاغباتاي من «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» أن أهم ما نجمت عنه تجربة الانتخابات الأخيرة هي عدم قدرة أي حزب حكم تركيا وحده. مشيرا إلى أن المعجزة الاقتصادية التي أسهم أردوغان بصناعتها تحولت عدوا له. فقد أدت لتحويل تركيا إلى مجتمع طبقة متوسطة وجد صوته في البرلمان الذي يعتبر من أكثر برلمانات تركيا تنوعا في تاريخها. وبهذه المثابة سيجد أردوغان نفسه في مواجهة مع الليبراليين. ويرى سونير أن أردوغان وإن توقفت طموحاته سيواصل التأثير من خلال حزب العدالة والتنمية.

سوريا والعالم الإسلامي

وأشار جاغباتاي إلى انعكاسات الانتخابات على المسألة السورية التي سيجد حزب العدالة والتنمية نفسه في مواجهة مساءلات من البرلمان خاصة أن الرئيس وحزبه استثمرا الكثير في المعركة ضد الأسد. ومن هنا قد تجد أنقرة نفسها مضطرة وتحت الضغط الشعبي لتخفيف صداميتها مع سوريا واتخاذ خطوات صغيرة للتخلص من النظام كما تفعل الولايات المتحدة. وتساءلت «كريستيان ساينس مونيتور» عن مستقبل السياسة الخارجية التركية التي كانت في زحف مستمر بعد عام 2011 عندما استقبل أردوغان في العواصم العربية وصلى في ساحة الشهداء بطرابلس- ليبيا. وترى أن انتخابات الأحد الماضي تعتبر نهاية لما يراه محللون نهاية للسياسة الخارجية «الإمبريالية». وفي جردة لهذه السياسة ترى أن تركيا لا سفير لها اليوم في خمس عواصم في الشرق الأوسط من ضمنها إسرائيل ومصر وليبيا وهذا تغيرعن سياسة «صفر مشاكل» التي تبنتها تركيا في الماضي. ونقلت الصحيفة عن حسين باجيك استاذ العلاقات الدولية في جامعة سبانتشي بأنقرة قوله إن الانتخابات تمثل «تحولا في المحاور في السياسة الخارجية فما حاولت تركيا فعله في الشرق الأوسط حدث عكسه»، فلم تتحقق لا ديمقراطية أو استقرار أو أمن.
ومثلما سيتأثر الصراع السوري سينعكس الوضع الجديد على علاقات تركيا مع العالم الإسلامي خاصة حماس والإخوان المسلمين حيث لقيتا دعما من حزب العدالة والتنمية. وفي السياق نفسه قد تجد الحكومة التركية أقلية أم إئتلاف نفسها أمام ضغوط لإعادة النظر بالعلاقات مع الولايات المتحدة التي اتسمت بالبرود خاصة بعد إصرار تركيا على ربط الحرب ضد تنظيم الدولة بالإطاحة بالأسد ومن هنا تجنبت الولايات المتحدة حسب فادي هاكورا من تشاتام هاوس بلندن «إشراك تركيا بالنقاشات الاستراتيجية حول الملف النووي الإيراني وتلك المتعلقة بالتطورات سوريا والإنفجار الحالي في العراق». وستتسم السياسة الخارجية بالتحفظ دون محاولة لعب دور إقليمي لأن تركيز أردوغان وتركيا ما بعد الانتخابات على الداخل أكثر من الخارج. وفي النهاية هل خسر أردوغان؟ نعم ولا ولكنه لا يزال في قمة السلطة وقبضته عليها لم تتراخ. صحيح كما يقول هنري باركي من جامعة ليج ببنسلفنانيا فالانتخابات بالنسبة لأردوغان تعتبر «هزيمة كبيرة» أما «حزب العدالة والتنمية فلم ينهزم ولا يزال الحزب الأكبر ولكن غالبية الناخبين قالت وبوضوح أنها لا تريد أردوغان رئيسا تنفيذيا وبالنسبة له تعتبر خسارة كبيرة». وسؤال أخير هل يعني تخلي الرئيس عن طموحاته؟ الجواب لا. الكل في تركيا يعلم أن أردوغان سياسي صعب وظاهرة معقدة. وكما يقول عليرزا من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية «فلم يتخل أردوغان عن حلمه بتحويل النظام الرئاسي» و»عليه فسيتراجع تكتيكيا ويعزز قواه قبل أن يدفع للأمام مرة أخرى». ونحن إذا بانتظار الجولة الثانية.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية