الانتخابات الرئاسية الفرنسية: احتدام المنافسة بين ماكرون ولوبان وتبادل الاتهامات واستغلال العثرات

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»: تتواصل الحملة الانتخابية الفرنسية بين كل من المرشح الوسطي إيمانويل ماكرون ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان وسط احتدام المنافسة بينهما، وتبادل الاتهامات ومحاولة استغلال كل واحد لعثرات الآخر من أجل تسجيل نقاط ثمينة بالنسبة لجولة الإعادة التي ستجري في السابع من أيار/مايو المقبل.
وتعالت التحذيرات في الأيام الماضية، من طرف عدد من القوى والشخصيات السياسية والفنية، على رأسها الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند الذي أكد أن فوز ماكرون «ليس مضمونا وليس محسوما» وحذر من العواقب «الوخيمة والكارثية» في حال وصول مارين لوبان لقصر الإيليزيه.
وتبقى المعركة الانتخابية الأهم بين ماكرون ولوبان، في السعي الحثيث لاستمالة وإقناع أصوات الناخبين من اليسار واليمين، خصوصا أصوات حزب الجمهوريين ومرشح الحزب الراديكالي اليساري، بعدما حققا 20 في المئة لكل واحد منهما وهو ما يشكل خزانا انتخابيا مهما يقدر بـ 14 مليون صوت.
وخرج مرشح اليسار الراديكالي، جان لوك ميلونشون عن صمته مساء الجمعة، بعدما أثار الكثير من الجدل في الساحة السياسية، وصدم عددا من كبيرا من الفرنسيين، بسبب امتناعه عن توجيه أي توصية إلى ناخبيه، للتصويت في الدورة الثانية في الانتخابات الرئاسية، والاختيار ما بين مرشح «إلى الأمام»، إيمانويل ماكرون، ومرشحة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف. في المقابل، دعا منذ البداية كل من مرشح اليمين المحافظ فرانسوا فيون والمرشح الاشتراكي، بونوا آمون للتصويت بكثافة لصالح ماكرون، أما ميلونشون فقد فضل في «خطاب الإقصاء» ليل الأحد الماضي، بعد الإعلان عن النتائج، الاحتكام إلى مناضلي ومناصري حركته «فرنسا غير الخاضعة» لبلورة موقف جماعي من التصويت في الدورة الثانية، عبر منصة تفاعلية، لكنه تراجع عن قراره، بعدما أحس أن مارين لوبان هي المستفيد الأكبر من هذا الصمت.
وخرج ميلونشون عن صمته بعد نحو أسبوع من الدور الأول، وفي فيديو بث على موقع الحزب مساء الجمعة، توجه لأنصاره قائلا، «هل يوجد من بينكم ولو شخص واحد، يعتقد أنني لن أصوت ضد اليمين المتطرف؟ لنكن واضحين، أنا طبعا ضد اليمين المتطرف وأعرف أن من بين سبعة ملايين شخص الذين صوتوا لي بينهم حفنة صغيرة ستصوت لصالح لوبان، لهذا لا أرغب في تقسيم حركتنا».

لوبان واستمالة اليسار

وأكد ميلونشون أنه سيصوت الأحد المقبل ضد مارين لوبان، لكنه رفض إعطاء تعليمات صريحة بالتصويت لصالح إيمانويل ماكرون:»أصدقائي رغم أنني أرفض إعطاء توجيهات لكم، لكنكم تعرفون حتما لمن سأصوت ولصالح من يجب عليكم التصويت».
ويبدو أن تصريحاته، جاءت ساعات فقط بعدما توجهت مارين لوبان مباشرة لناخبيه، قائلة «أتوجه لناخبي مرشح (فرنسا غير الخاضعة) وأطلب منهم أن يقطعوا الطريق أمام إيمانويل ماكرون». وأضافت «ماكرون مصرفي ومرشح المصارف المالية المتعجرفة التي تسيطر على الاقتصاد العالمي». كما اتهمته بتمثيل ما أسمته «الأوليغارشية المالية الدولية» مستخدمة بذلك تعابير جان لوك ميلونشون الذي هاجم مرارا العولمة، والنظام المالي العالمي، واعتبرهما السبب في تعميق الهوة بين الفقراء والأغنياء في العالم وفي فرنسا.
كما حاولت لوبان استمالة أنصار ميلونشون، بالتطرق لنفس نقاط التوافق بينها، ما يخص رغبتهما بالخروج من الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو والتنديد بما أسمته تحكم «لوبيات دولية في مستقبل الشعوب وإخضاعهم عبر العولمة المتوحشة». كما أكدت أنها ستسعى مثل ميلونشون لتطبيع العلاقات مع روسيا ورفع العقوبات عنها في حال فوزها وقالت إن ماكرون، في حال وصوله للسلطة، سيزيد من تعقيد العلاقات مع موسكو وقد «يتسبب في أزمات خطيرة مع روسيا، مما سيهدد مصالحنا وأمننا».
في المقابل، قال أليكس كوربيار، المتحدث باسم حملة جان لوك ميلونشون، إن «تصريحات مارين لوبان خديعة سياسية وعملية احتيال يجب ألا تنطلي على الناخبين الذين صوتوا لمرشحهم ميلونشون» وأضاف «يجب ألا تحصل مارين لوبان ولو على صوت واحد من أصوات ناخبينا. لقد ساهمنا في تكبيل تقدم اليمين المتطرف في بلادنا ويجب مواصلة المقاومة والتصدي له ومحاربته».
يذكر أن الأمين العام للحزب الاشتراكي، جان كريستوف كامباديليس، كان أول المنتقدين لموقف ميلونشون، الذي هاجم خروج مرشح اليسار الراديكالي عن قاعدة التصدي للجبهة الوطنية، التي توافق عليها اليسار على اختلاف توجهاتهم. وقال كامباديليس إن «عدم الدعوة إلى هزيمة لوبان غلطة سياسية لا تغتفر بالنسبة لليساريين»، في حين اعتبر الأمين العام لحركة «إلى الأمام»، ريشار فيرون، أن ميلونشون «أضاع فرصة تاريخية، وعندما يكون لدينا الخيار بين ماكرون ولوبان لا أفهم كيف يستطيع أن يتردد، ولو ثانية».
والواقع أن عددا كبيرا ممن انتخب ميلونشون، سيمتنعون عن التصويت في جولة الإعادة، لأنهم يرفضون التوجه الليبرالي لماكرون، والخط القومي العنصري لمارين لوبان. وحسب استطلاع للرأي أجراه معهد ايفوب، فإن مسلمي فرنسا صوتوا بنسبة 37 في المئة لميلونشون و24 في المئة لصالح ماكرون، ويمثل المسلمون نحو مليوني صوت.
ويرى مراقبون أن كتلة ميلونشون تمثل وعاء انتخابيا متجانسا إلى حد كبير، يقدر سبعة ملايين صوت، وبالتالي سيكون الأمر حاسما بالنسبة لماكرون، أما لوبان فسيكون من الصعب عليها الاستفادة منه، لأن أفكارها تتقاطع مع ميلونشون في ما يخص الحمائية والخروج من الاتحاد الأوروبي ورفض النظام المالي العالمي. لهذا توالت التحذيرات من خطر الامتناع عن التصويت، واعتبرته قيادات يسارية بأنه سيعزز فرص فوز اليمين المتطرف.

اليمين المحافظ

أما مارين لوبان فتعول على توسيع قاعدتها الشعبية من خلال أصوات اليمين المحافظ، الذين صوتوا لصالح فرانسوا فيون بنسبة 20 في المئة من نسبة الأصوات في الدور الأول أي نحو سبعة ملايين ناخب، وعدد كبير من هذه النسبة، ستصوت لصالح اليمين المتطرف، بينما يرون في إيمانويل ماكرون، مرشحا محسوبا على الحزب الاشتراكي لأنه كان وزيرا للاقتصاد في حكومة فرانسوا أولاند.
كما أن لوبان استفادت من دعم والتحاق نيكولا ديبون اينيون، المرشح القومي المناهض للاتحاد الأوروبي، وصاحب حركة «فرنسا انهضي» الذي حقق 5 في المئة من الأصوات في الدور الأول، والذي أعلن أمس أنه قرر «الالتحاق بحملة مارين لوبان ودعمها من أجل تشكيل حكومة موسعة». وهاجم ديبون اينيون، إيمانويل ماكرون ووصفه بـ «مرشح فرانسوا أولاند، تمت صناعته من طرف وسائل الإعلام والمصارف المالية».
وعقدت مرشحة اليمين المتطرف يوم أمس السبت مؤتمر صحافيا مع زعيم حركة «فرنسا انهضي» وقالت «أشكر نيكولا ديبون اينيون على القرار الممتاز الذي اتخذه من أجل فرنسا. لقد قررنا تشكيل تحالف قوي سيمكننا من الفوز الأسبوع المقبل». وأضافت مارين لوبان: «قررت تعيين نيكولا ديبون اينيون رئيسا للحكومة في حال فوزي، لأنه شخصية قومية ذات كفاءة عالية».
وأثار قرار ديبون أينيون موجة استنكار كبيرة، حتى بين المقربين منه، حيث أعلن نائبه دومينيك جاميه، عن استغرابه وصدمته، وقدم استقالته على الفور. كما وصف فرانسوا بايرو زعيم الحركة الديمقراطية المحسوبة على الوسط القرار بـ»العار».
يذكر أن اليمين المتطرف يعيش فضيحة جديدة، قد تكون مكلفة بالنسبة لمارين لوبان قبيل أسبوع من الدور الثاني، بعدما اضطرت يوم أول أمس إلى تعيين رئيس جديد على رأس الحزب، خلفا لجان فرانسوا جلخ، وهو قيادي في اليمين المتطرف، من أصل لبناني.
وكانت مارين لوبان أعلن بدابة الأسبوع تعيين جان فرانسوا جلخ لخلافتها على رأس الحزب، وهو أحد المقربين منها، كي تتمكن من التركيز فقط على حملتها الانتخابية، ولتسويق نفسها على أنها مرشحة لكل الفرنسيين وليس باسم حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف.
غير أن هذا التعيين لم يدم إلا خمسة أيام، إذ قامت وسائل الإعلام الفرنسية بنبش جزء من تاريخ وفكر جان فرانسوا جلخ العنصري وكشفت بأنه أدلى بحوار في 2005 لإحدى الجرائد الفرنسية وأنكر فيه الإبادة التي تعرَّض لها اليهود في الحرب العالمية الثانية، وهو ما أثار موجة استنكار واسعة في الطبقة السياسية.
وتحاول مارين لوبان منذ سنوات الابتعاد والتبرؤ من التصريحات العنصرية خصوصا تلك المعادية للسامية، التي كان والدها، جان مارين لوبان، لا يتوانى بتبنيها وهو ما كلفــته عدة قضايا أمام المحاكم، وفشل في الوصول على الحكم عام 2002.
وهكذا قرر الحزب اليميني المتطرف، الذي لم يكن له أي خيار آخر، غير استبداله بقيادي آخر هو ستيف بريواس، لقيادته، خلال ما تبقى من فترة الحملة الانتخابية.
وهذا ما أعلنت عنه مارين لوبان، صباح الجمعة، قائلة: «جان فرانسوا جلخ قرّر التخلي عن منصب الرئاسة من أجل التفرغ للدفاع عن نفسه وهو مصدوم من الاتهامات الموجهة ضده وينوي رفع دعوى قضائية».
وتمّ اختيار ستيف بريوا، ويشغل منصب نائب رئيسة الحزب، وعمدة بلدة هينان- بومونت، وأيضا منصب نائب في البرلمان الأوروبي منذ 2014، ويعتبر من المقربين جداً من لوبان، ومن الذين ناصروها بقوة، في التخلص من والدها، جان ماري لوبان على رأس الحزب في عام 2012.
وأشار آخر استطلاع للرأي أجراه معهد «هاريس» قبل يومين، أن إيمانويل ماكرون ما يزال الأوفر حظا في الفوز في جولة الإعادة يوم الأحد المقبل، بنسبة 61 في المئة من نوايا التصويت بينما ستحصل مارين لوبان على 39 في المئة من نوايا التصويت.

الانتخابات الرئاسية الفرنسية: احتدام المنافسة بين ماكرون ولوبان وتبادل الاتهامات واستغلال العثرات

هشام حصحاص

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية