الانتخابات المصرية… ما زال الطريق طويلا

حجم الخط
10

علنت اللجنة العليا للانتخابات في مصر امس الجمعة ان النسبة الاجمالية للمشاركة بلغت 28٪.، ما يعني ان حوالى 15 مليونا فقط من اصل 53 مليون شخص (ناخب) ادلوا باصواتهم.
وهكذا تمخض الماراثون الانتخابي فولد هذا البرلمان الذي يشكك كثيرون، بمن في ذلك العديد من مؤيدي النظام، في صدقية تمثيله للشعب المصري، ناهيك عن قدرته على تحمل المسؤولية في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ مصر.
وبعيدا عن ظواهر المال السياسي والمخالفات الدعائية وضعف التصويت، فان ثمة قضايا حظيت باهتمام اقل من وسائل الاعلام لكنها في الحقيقة لا تقل خطورة، ومنها ظهور الدعاية الطائفية خاصة في الدوائر ذات الحضور المسيحي، بل ونجاحها في حسم بعض المقاعد المهمة لمصلحة مرشحين محسوبين على الفلول بشكل خاص، وكذلك الفشل في اشراك المصريين في الخارج الذين يزيد عددهم على عشرة ملايين مواطن، حيث لم يزد المشاركون منهم في جولة الاعادة الاخيرة عن 17 الفا، ناهيك عن ارتفاع نسبة الاصوات الباطلة اما لعدم معرفة الناخبين بنظام التصويت، او احتجاجا على النظام او الانتخابات او كليهما.
ومن المهم التوقف دون شك امام محافظات تصدرت الاقل تصويتا مثل القاهرة والسويس، وبلغت المشاركة فيهما 19 و 18 في المئة على الترتيب. ولابد ان النظام سيشعر بقلق خاص تجاه هذ الارقام، حيث ان هاتين المحافظتين المهمتين لعبتا دورا مفتاحيا في الموجات الثورية والاحتجاجية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل لا يمكن اهمال عوامل اساسية في هذه الانتخابات، مثل غياب تدخل الدولة المباشر بالتزوير في النتائج، وتراجع حضور الاسلام السياسي ممثلا في حزب النور السلفي من 22 بالمئة في البرلمان الماضي إلى اثنين بالمئة فقط في هذا البرلمان الجديد، وهو ما يستحق دراسة معمقة لتفسيره. اما الدور السلبي للاعلام فكان واضحا منذ البداية، اذ قامت احزاب، وخاصة المدعومة من رجال اعمال بتجنيد الفضائيات التي يملكونها لدعم مرشحين باعينهم. فيما لم تتورع قنوات عديدة عن خرق الصمت الانتخابي اكثر من مرة، ما اضطر اللجنة العليا إلى فرض عقوبات عليها في بداية المرحلة الثانية.
اما الاحزاب فقد جاءت الانتخابات لتكشف ما كان معروفا بالضرورة، وهو عدم استعدادها سياسيا اوتنظيميا لخوضها، وهو ما بدا في العجز عن التعبئة الشعبية والتمويل، وتوصيل رسالتها إلى الناخبين. ولم يكن مفاجئا ان تتمكن احزاب رجال الاعمال من شغل المراكز الثلاثة الاولى في السباق وهي، «المصريون الاحرار» و»مستقبل وطن» و»الوفد». اما المستقلون الذين حصدوا نحو ثلثي المقاعد، فقلوبهم وانتماءاتهم واجنداتهم شتى، ويصعب في هذه اللحظة توقع سلوكهم السياسي تحت القبة، وان كان السعي إلى تمثيل النظام اوالاستفادة من الاقتراب منه سيكون قاسما مشتركا للكثيرين.
وسيكون من المهم كذلك مراقبة حصول المرأة على نحو سبعة وثمانين مقعدا بفضل نظام القائمة، وهو عدد غير مسبوق في الحياة البرلمانية المصرية، من جهة تأثيره على القضايا الملحة للمرأة والاسرة والتي لا تقل اهمية عن غيرها. كما استفاد التمثيل القبطي من نظام القائمة ايضا، ليبلغ نحو خمسة في المئة لاول مرة. وثمة قضايا صعبة تنتظر هؤلاء النواب الاقباط من حيث امكانية ان يتمتعوا باستقلال عن الكنيسة، وطرح قضايا شائكة مثل انهاء التمييز للنقاش تحت القبة.
اما فوز توفيق عكاشة ومرتضى منصور باعلى نسبة من الاصوات في جولة الاعادة الاخيرة، فليس سوى دليل جديد على القوة الطاغية للاعلام اجتماعيا وخاصة بين الاقل وعيا، وخطر بقاء نسبة الامية المرتفعة، وان عوامل القبلية والعصبية تبقى مهمة في الانتخابات المصرية، حتى اشعار آخر.
انها صورة مختلطة، وربما عشوائية، تشي بأن الانتخابات اجريت على عجل، رغم تأخرها، وبقانون معيب اشتكى منه الجميع تقريبا، وان كان من المستبعد ان يؤدي إلى حل البرلمان، بعد ما تعرض له النظام من احراج اثناء الانتخابات.
واخيرا فان وجود برلمان، ربما يعفي النظام من بعض الضغوط الخارجية بشكل خاص، إلا ان الزعم بأنه يعني انتهاء خارطة الطريق، فليس سوى دعاية سياسية جوفاء، اذ ان الطريق إلى الاستقرار بمعناه الاشمل مازال طويلا.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية