من المناسب أن أبدأ حديثي عن رواية محمد علوان جبر «ذاكرة أرانجا» بهذا المقتبس من كتاب ريكور «الذاكرة التاريخ النسيان»، وهو يقول في سياق حديثه عن التغيّرات الكثيرة التي نعيشها الآن، وتميّز عصرنا عن عصر الأنوار: إن همّ الأنواريين كان هو الاعتراك مع الاعتقاد الساذج والدجل الفكري. أما اليوم فالمعركة صارت تُخاض ضد الجحود والارتياب وإرادة النسيان.
ويقدم لي هذا المقتبس القصير الكثير من المفاتيح التي تجيب عن أسئلتي الشخصية حول هذا التوجه الروائي العراقي الذي برز بعد التغيير عام 2003، عبر أسماء عديدة، من بينها محمد علوان جبر. وهو اتجاه يكاد يكون ثانويا من حيث الاعتراف النقدي به، فلم تُخصص له ملفات نقدية، أو كتب، ولا أكاد أجد له أثرا كبيرا في الرسائل والأطاريح الجامعية. وقد يكون التبرير النقدي لذلك هو قلة عناية هؤلاء الكتّاب بالتقنية الروائية، وأحيانا تضعف عندهم العناية حتى بالصياغة اللغوية التي لا تخلو من أخطاء. وهذا جدل آخر لا أميل إليه كثيرا بحكم ميلي إلى الاعتراف بأن هذا النوع من الكتابة ظاهرة، وأنها يجب أن تُدرس وأن تُكتشف من داخلها، لا بتطبيق معايير خارجية عنها، أيا كانت تلك المعايير، لأنها لا تمثلها، ولا تؤدي إلا إلى نفيها، النفي الذي لا ينفع الثقافة العراقية التي هي بحاجة إلى هذه الأصوات المختلفة، في إيجاد طرق جديدة للتعامل مع الواقع الذي لا يشك أحد في أنه يحتاج إلى أساليب جديدة، أو لنقل إلى اقتراحات جديدة، في النظر فيه، وفهمه، والتعامل معه، وتمثيله فنيا وسرديا.
وإذا عدت إلى «ذاكرة أرانجا» فإنها من العنوان تقيم نفسها على الذاكرة، أي أنها تذهب إلى دحض النسيان. أيُّ نسيان؟ إنه النسيان الذي تفرضه علينا الأنظمة الشمولية والعقائد والايديولوجيات، وتلك التي تفرغ الإنسان (والكتابة بالتبعية) من محتواه الإنساني، وتجعله تابعا لها، يضحي بكل شيء من أجلها بما في ذلك الجوانب العاطفية التي تقوم عليها حياته كلها، ويمكن أن تكون، أي الذاكرة، موضوعا لسردية مغايرة وفعّالة في إنعاش الحياة وإبعاد شبح الموت عنها – ففي «ذاكرة أرانجا»، و»أرانجا» إحدى تسميات مدينة كركوك، يسترسل الراوي وإحدى شخصيات الراوية «حسن كنيهر» أولا، ثم «هوبي عبد الرزاق» بعد ذلك لأنه غيّر اسمه مضطرا، في سرد ذكرياته بادئا من نشأته في المجرية في العمارة، ثم هربه إلى البصرة وحبه لـ»نجمة»، وعمله مع إخوتها، مارا بهجرته إلى كركوك، والتحاقه بالجيش، ثم سجنه بتهمة الشيوعية، وطرده من الجيش، ثم انتقاله إلى بغداد، وعمله صاحب مقهى، وسجنه مرة أخرى بتهمة الشيوعية ذاتها، وأخيرا استسلامه للزيّ الشعبي والعطالة.
ليست سيرة مثالية هذه، كما يرى القارئ، ولكنها إنسانية لأنها تقوم على ركيزة واحدة وتنشط انطلاقا منها، تلك الركيزة هي الحب، فـ»حسن» يهرب من المجرية لأنه أحب «سليمة» التي كان يخفّ إلى الرعي صحبتها، وذات يوم لحظه أخوها معها، فهدد بقتله. و»حسن» يعمل مع «نعيم» وأخوته في سرقة الأقمشة الفاخرة من مخازن الإنكليز في البصرة، ومعهم في تهريب المجوهرات إلى بغداد، لأنه يحب «نجمة» أختهم، ويسميهم «أخوة نجمة». ولا ينسى أن يلحق بالاسم كلمة «حبيبتي» أينما ورد. وحسن يُسجن بتهمة الشيوعية، لا لأنه شيوعي، ولكن لأنه يحب «شكيبا» الشيوعي. هو لا يعرف شيئا من الشيوعية، ولا عن الشيوعية، ولم ينتظم فيها، ولا يريد.
وفي الأحوال جميعها يصنع الحب له حياته، ومن بعد ذاكرته، وأخيرا سرده الذي يقاوم به النسيان. السرد الذي لا يصدر من مثقف أو كاتب أو مفكر أو يساري، كما عودتنا الروايات غالبا، وإنما من عاشق ومن إنسان بسيط، بل هو لا يصدر من راوٍ يمتلك العالم الروائي كله، ويتحكم فيه، ويبث من خلاله ما يريد أن يبثه، أو يدعي ما يريد أن يدعيه، ولكن من عنصر من عناصر العالم الذي لا يمتلك أي حق، ولا قدرة له على التحكم في مصيره، ولم يعد له إلا الذاكرة التي عليها أن تواجه النسيان القبيح، ذلك الذي يلاحق الإنسان، ويلغي وجوده وتجربته وخصوصيته، في ظل أنظمة عسكرية وشمولية، ويضيّق عليه. مثلما عليها، أي الذاكرة، أن تواجه الجحود والارتياب الناتج عن النسيان، على حد وصف ريكور السابق. ولذا تشارك الأب في السرد شخصيات أخرى من بينها الابن «إبراهيم» كثيرا، وقليلا الابن «سلام» المنغولي. وتأخذ المشاركة في السرد شكل التبادلية الناعمة التي تأتي عبر انتقالات السرد من صوت إلى صوت من دون إعلان، ومن دون ترقيم أو عنونة، ومن دون أي إشعار مسبق، فلا يشعر القارئ إلا أنه انتقل من صوت الأب إلى صوت «إبراهيم» إلى صوت «سلام»، معترضا ومبينا وواصفا. وكل ذلك للتشديد على الذاكرة وتعزيزها، فما يقوله «إبراهيم» لا يضعف الذاكرة ولا يشق لنفسه موقفا فلسفيا أو وجوديا أو ثقافيا منها، ومما يسرده الأب، ولكنه يعمل في موازاتها مشددا على دورها في التخفيف من حدة الارتياب الذي يوّلده غياب الذاكرة، أو تشويهها، أو إحلال العقل محلها، أو استبدالها بما ينبغي أن يكون- أو ما على الأب أن يفعله من أجل أسرته وتجنيبهم ويلات الفقر والمهانة حين يتركهم إلى السجن- أو غيرها من المواقف المسبقة والمثالية التي تكون أسبابا للكره والنبذ.
«إبراهيم» ينسج على منوال الذاكرة ذاتها، ذاكرة أبيه، ويملأ الثغرات التي قد يوّسعها النسيان، ويصل بين الشظايا المتناثرة، ليقلص حجم المسافة بينه وبين الأب، وليمنع أي كره أو تنافر قد يتولد من إضعاف الذاكرة تلك. وهو نجح في النهاية في تقبل الأب- الذي توترت علاقته به أول الأمر- وفي حبّه، وفي العودة إلى البلد بعد هجرة لم تطل كثيرا إلى لبنان.
أليس هذا في المحصلة مقترحا نحتاجه للخروج من مأزقنا الحالي؟!
كاتب عراقي
عقيل عبد الحسين