■ لم تعدّ المطالبة بتحقيق المصالحة والوحدة الوطنية الفلسطينية سوى «كليشيهاً» مبتوراً يتردد على ألسّنة فرقاء الانقسام، الممتد منذ عام 2007، مثلما ينشط عبر دعوات القوى والفصائل وجهودها المتفاوتة، بين حين وآخر، لإنجاز التقارب بين حركتي «فتح» و»حماس»، إلا أن هذا التحرك، كما الكلمة، أضحيّا فارغيّ المضمون والمحتوى وإرادة الهدف الجمعيّ، بحيث لم يعدّ ينطلي على جموع الشعب الفلسطيني.
وبعيداً عن مشاهد التصافح الإعلامية لجلسات حوار ممتدة، بلا نهاية، واتفاقيات ورقيّة متعددة، بين طرفيّ الخلاف، من أجل ترتيب إجراءات المصالحة، التي لم ينجز منها ما يبلغ مبتغاها، فقد باتت الوحدة الوطنية رهينة محبسيّن؛ نتيجة وقوف مسوّغات، بعضها متجّذر فكرياً وعقائدياً، وبعضها الآخر مستحدث سياسياً، بالإضافة إلى بصمّات الأطراف الخارجية المتمايزة، وربما المتضادّة، وراء عقبة لئم جرّح الانقسام، والإقدام على ما يخدم المصلحة والأهداف الوطنية الفلسطينية العليا.
وتلقيّ مثلبة الخلاف بين حركتيّ «فتح» و»حماس» بظلالها القاتمة على مسار «الانتفاضة» الفلسطينية، فرغم أن الشبان الفلسطينيين أخذوا، منذ البداية، زمام مبادرة النهوض بالحراك المنتفض ضدّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بعيداً عن أيّ تنظيم أو فصيل، إلا أن المنتفضين هم، بطبيعة الحال، من النسيج المجتمعيّ الغنيّ بتباين تياراته وتوجهاته، فاصطفت مختلف القوى والفصائل الوطنية جنباً إلى جنب، في وحدّة ميدانية وازنة ولافتة لمجابهة عدوان الاحتلال المتصاعد ضدّ الشعب الفلسطيني، قتلاً وتنكيلاً واستيطاناً وتهويداً واستلاباً، ومن أجل الدفاع عن الوطن والأرض المحتليّن، تحقيقاً لهدف إنهاء الاحتلال، والتحرير وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس المحتلة، وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم، وفق الأهداف المرسومة في الحراك الوطني.
بيدّ أن وحدة الميدان لا تنعكسّ سياسياً؛ فظلت المصالحة مركونة جانباً، خلا عبارات التشدّق بوجوب تحقيقها، فيما استمرّت الاتهامات المتبادلة بين حركتيّ «فتح» وحماس»، حول متوالية المتسبّب في تعطيل الحوار، وانتقاد الإجراءات التي يتخذها كل طرف منهما بحق الآخر في الضفة الغربية وقطاع غزة، رغم أن كليهما في المحصلة تحت الاحتلال، فضلاً عن الانشغال مؤخراً بمسمّى الحراك، بين «الهبّة» و»الانتفاضة» و»الغضب» لما يترتب على ذلك، في منظور المهتميّن به، من تبعات عديدة، فامتلأت المساحة المعتبرة والمفترضّ تعبئة فراغها بالحوار الوطنيّ الجادّ والشامل، لبحث الوجهة والخطوات المقبلة، والطرق والوسائل والأدوات المناسبة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، مما أدى إلى افتقاد الحراك المنتفض لقيادة سياسية تنظيمية موحدة، واستبدالها بتحركات فردية وأدوات مقاومة بسيطة في طبيعتها ولكنها قاطعة في حقها وهدفها الوطنيّ الجمعيّ.
ولذلك؛ ليس غريباً قيام الحراك بتنصيب قيادته السياسية بنفسه، بعيداً عن القيادات السياسية للقوى والفصائل الفلسطينية، من أجل استمرار انتفاضته، بعدما سئم انتظار ما لن يأتي بالمصالحة، في الأفق القريب على الأقل، ونظير ما يجّده من التجاهل الدولي للقضية الفلسطينية، وضعف الدعم العربي الإسلامي، وتراكم الأزمات في الساحة الفلسطينية بدون معالجتها جدّياً، وغياب الأفق السياسي نتيجة التعنت الإسرائيلي. ولاشك أن الأحداث والمتغيرات الجارية في المنطقة، منذ زهاء الخمس سنوات تقريباً، تؤثر جلياً على الأوضاع في الأراضي المحتلة، غير أن الانتفاضة أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة المشهد الإقليمي العربي والدولي مجدداً، بعد غياب طويل، مثلما نشطت المحاولات، الأمريكية الإسرائيلية، لوقفها وإعادة الأمور إلى مربعها الاحتلالي الأول، بما يستلزم «انتفاضة» فتحاوية وحمساوية موحدة على الانقسام، لأجل تحقيق المصالحة والوحدة الوطنية، في ظل ما تواجهه القضية الفلسطينية، اليوم، من مفصل تاريخي حاسّم، يتطلب معه وضع استراتيجية وطنية، محددة بالوسائل والأدوات والمسار، لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
٭ كاتبة أردنية
د. نادية سعد الدين