ان يستنكر الإرهابي الاول في التاريخ بنيامين نتنياهو ما سماه «إرهاب السكاكين»، في اشارة إلى الهبة الشعبية الفلسطينية، فلا بد انها احدى علامات الساعة، او احدى اكثر النكات سوداوية في العصر الحديث.
واذا كان بنيامين نتنياهو معروفا بالكذب، حتى بين اقرب حلفاء اسرائيل، فمن الانصاف ان يسجل له انه لايتوقف عن التفوق على نفسه في الامعان والفجور في الكذب. اكبر إرهابي في كيان اسس على الإرهاب، ويعيش على إرهاب الدولة منذئذ، يتهم شبانا وفتيات في عمر الزهور بالإرهاب، فقط لأنهم قرروا الدفاع عن انفسهم ضد اجرام المستوطنين وقوات الاحتلال.
اما ان يتحدث وزير فلسطيني عن انتفاضة شعبه ضد احتلال مجرم ومدان من العالم الحر، باعتبارها «تهمة» ويلقي بالمسؤولية عن اندلاعها على مجرم الحرب نتنياهو، فهذا ما يصعب العثور على كلمات لوصفه.
فقد نقلت وكالات الانباء عن وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي قوله: «نتنياهو يريد التسبب بانتفاضة ثالثة. نتنياهو يريد تحويل الانظار بعيدا عن المشاكل التي يواجهها في الساحتين السياسية والدبلوماسية، حيث فشل فشلا ذريعا».
واضاف ان نتنياهو ارتكب «خطأ فادحا» عبر اختراق الوضع القائم في الحرم القدسي الذي يؤكد الفلسطينيون ان اعدادا متزايدة من اليهود يدخلونه».
وهكذا، وحسب تصريحات الوزير، فان ما يحدث الآن هو نتيجة «خطأ ارتكبه نتنياهو في المسجد الاقصى»، وليس ردا طبيعيا على تراكم الجرائم الصهيونية في مختلف انحاء فلسطين، بما فيها القدس المحتلة والمسجد الاسير.
اما الرسالة التي توجهها مثل هذه التصريحات فهي ان من ينتفض اليوم انما هو في الحقيقة يساهم في تحقيق مخطط نتنياهو، ولا يخرج دفاعا عن نفسه وما تبقى من وطنه ضد احتلال غاشم، وهو الحق الذي تكفله كافة الشرائع الدينية والقانونية عبر التاريخ.
الواقع ان هذه الانتفاضة النبيلة تواجه حصارا داخليا وخارجيا غير مسبوق. خاصة بعد ان اعلنت حركة حماس امس انها لن ترد على الغارات الاسرائيلية «حتى لا تحرف الانتفاضة عن مسارها» كما قال القيادي موسى ابو مرزوق، في الوقت الذي توظف فيه اسرائيل كل امكاناتها العسكرية والامنية ضمن «سياسة القبضة الحديدية» لارتكاب مزيد من المجازر بحق الفلسطينيين. حتى ان اي فتى او فتاة فلسطينية تضع يدها في جيبها بالقرب من جنود الاحتلال او المستوطنين تصبح هدفا مباحا للقتل بدم بارد باعتبار أنها «ربما تخفي سكينا» وتنوي طعن احدهم.
هذه الهيستيريا العنصرية الإرهابية لم يعرفها العالم من قبل حتى من قبل نظام الفصل العنصري المقيت في جنوب افريقيا.
اما على صعيد الحصار الخارجي، فلن نتحدث هنا عن الانظمة التي اختارت اما ان تدفن رأسها في التراب، او تكتفي ببيانات لذر الرماد في العيون، فحواها مطالبة القاتل بأن يرتكب جريمته بقليل من الرحمة ان امكن، او تلك التي تشارك بفاعلية في قمع الانتفاضة عبر منع اي تظاهرة شعبية للتضامن معها، فقد اصبح دورهم واضحا، خاصة ان الانتفاضة جاءت في «توقيت سيئ» بالنسبة إلى بعضهم، نظرا لما تمثله من ازعاج لمخططات محلية واقليمية، تحتاج إلى تعاون مباشر، وان كان غير معلن، مع اسرائيل.
ولكن ماذا عن الشعوب العربية؟ واذا كان البعض مشغولا في ازمات واضطرابات وحروب، فاين البقية؟ بماذا يشعرون عندما يرون صبية غارقين في دمائهم او جنودا مدججين بالسلاح؟ وعندما ارتقت سيدة فلسطينية حامل مع جنينها وطفلتها بهجوم غادر؟
هل اهتموا بمشاهدة شريط الفيديو المنتشر اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي ويظهر فيه طفل فلسطيني ينزف وهو على الارض ويبكي بينما يصرخ عليه احد المارة الاسرائيليين ويشتمه بالفاظ بذيئة ويطلب له الموت؟
لا يتطلب الأمر هنا وجود اعتبارات تتعلق بالقومية او العرق او الدين، فالانسانية وحدها تكفي، الا اذا كانت الصراعات السياسية قد نزعت منا انسانيتنا.
اما الحصار الإعلامي فلا يقل ضراوة بدءا من قنوات ترفض ان تسمي ضحايا النضال من اجل الحرية شهداء، إلى اخرى تأبى الا ان تركز الضوء على معارك اخرى ضمن اجندات متحاربة، إلى اخرى تتصرف وكأنها تبث من اوروبا وقد اغلقت عيونها واذانها عما يحدث من فظائع على مرمى حجر من مكاتبها.
للأسف، تآمر الجميع على هذه الانتفاضة، لكن هيهات ان تسقط شعلة الحرية من تلك الايدي الصغيرة.
رأي القدس