يخيل أحيانا أن الخطاب الجماهيري اليقظ في إسرائيل، والذي لا يزال يعتبر واحدا من العواميد الفقرية للديمقراطية هنا، أُسر هو ايضا في عصر «ما بعد الحقيقة». فردود الفعل الإسرائيلية الحماسية على مؤتمر باريس وقرار مجلس الامن في الأمم المتحدة بشأن الاستيطان، والتي دعت إلى ضم المناطق، نجحت في أن تلغي بدفعة واحدة التحصين للوضع الراهن الوهمي الذي برعايته يعمل مؤيدو الدولة الواحدة لتوسيع المشروع الاستيطاني. ومع ذلك نجحت ردود الفعل في ما لم ينجح مؤيدو حل الدولتين في عمله، منذ انتخاب بنيامين نتنياهو في 2009: إحالة البديلين الأساسيين للنزاع ـ دولتين أم دولة واحدة – إلى حسم الجمهور من جديد: لا يمكن للجمهور في إسرائيل أن يعرف بيقين كيف سيبدو الواقع إذا ما وعندما يتحقق حل الدولتين، ولكن في صورة المستقبل لـ «الدولة الواحدة» يمكنه أن يتوقعها منذ اليوم في «القدس الموحدة»: من مدينة متطورة ذات أغلبية يهودية حاسمة ومعترف بها بحكم الأمر الواقع من الأسرة الدولية، أصبحت مدينة تعاني الصدوع والعنف، فقيرة بشكل مخيف، تميز بين سكانها، تفقد الاغلبية اليهودية وينقصها الاعتراف الدولي الذي تتعطش له.
لم يتعاون عرب شرقي القدس مع توقع يغئال يدين، الذي وعد عشية الحرب في 1967 بأنه «مع دخول إسرائيل، سيغادر كل العرب». فقد تبين لإسرائيل أنها لن تتمكن من ضم الأرض دون أن تضم سكانها الفلسطينيين. والشهية الاقليمية عديمة المسؤولية من رحبعام زئيفي، الذي سعى إلى ضم 200 كيلو متر مربع من اراضي الضفة إلى القدس، بدلا من 6 كيلو متر مربع فقط (مساحة شرقي القدس)، صدت جزئيا من قبل وزير الدفاع موشيه دايان الذي قال: «انا اعرف شهية اليهود… هذا ليس ضما للشطر الثاني من القدس، هذا تقسيم للضفة الغربية إلى قسمين، وانا ضد هذا». اما حكومة إسرائيل فـ «اكتفت» باحلال القانون الإسرائيلي على 70 كيلو متر مربع، كان يعيش فيها في حينه 69 الف فلسطيني، لم يشكلوا سوى 26 في المئة من سكان المدينة. غير أنه في 2015 بات الحديث يدور عن 320 الف نسمة، هم 40 في المئة تقريبا من سكان القدس. تظهر الحقائق أنه في أوساط المجموعة السكانية لابناء اقل من 18 في القدس، توجد للعرب اغلبية 60 في المئة. ولاضافة المعطى عن الهجرة اليهودية السلبية المتواصلة، واضح أنه في غضون اقل من عقدين، ستكون عاصمة إسرائيل مدينة تعيش فيها اقلية يهودية. إذا غير الفلسطينيون سياستهم بالنسبة للانتخابات، فإن رئيس البلدية والاغلبية في المجلس سيكونوا فلسطينيين، مما سيجر بالتأكيد ردود فعل عنيفة من منظمات مثل «لا فاميليا» ستشعل النار في المدينة. مسيرة مشابهة ستحصل أيضا في «إسرائيل الموحدة» إذا ما اغرينا لاشباع شهية الضم لدى بينيت وسموتريتش. معدل اليهود سيكون في زمن الضم 60 في المئة ولكنه سيهبط في غضون 15 سنة لصالح أغلبية عربية؛ سنستيقظ إلى الواقع الذي حذر منه بن غوريون منذ 1947 حين قال: «لا دولة يهودية مستقرة وقائمة طالما توجد فيها اغلبية يهودية من 60 في المئة فقط… في هذه التركيبة لا توجد حتى ثقة مطلقة في أن يبقى الحكم في يد الاغلبية اليهودية».
يفيد تقرير الجدول الاجتماعي ـ الاقتصادي الاخير لمكتب الاحصاء المركزي أنه من اصل 255 سلطة، تأتي القدس في المرتبة الـ 195 ـ بعد هبوط عشرات المراتب منذ استطلاع 2008. وفي تقرير الفقر الاخير تبين أن نحو 50 في المئة من سكان القدس ـ وأكثر من 60 في المئة من الأطفال ـ يوجد تحت خط الفقر. وينبع اساس التغيير من الارتفاع في عدد الفقراء في أوساط عرب المدينة: حتى 80 في المئة وفي اوساط الاطفال اكثر من 85 في المئة. مرة اخرى، في ضوء التوقعات الديمغرافية فإن «إسرائيل الموحدة» هي أيضا ستتدهور في الجداول الاجتماعية ـ الاقتصادية، ومع معدل 45 في المئة من السكان تحت خط الفقر ستفلت في غضون وقت قصير من دول الـ OECD.
مستوى العمليات يرتفع وينخفض في السنوات الاخيرة، ولكن مكان القدس في رأس قائمة البلدات المصابة بالإرهاب بقي مستقرا. فالاحتكاك اليومي على طول خط التماس، وحرية الحركة للفلسطينيين في القدس، يخلقان فرصا للعمليات تعبر عن حقيقة أن الفلسطينيين سكان القدس شركاء في الكفاح في سبيل دولة عاصمتها شرقي القدس. اما ضم احادي الجانب للضفة فلن يقنع الفلسطينيين للتخلي عن حلمهم الوطني، وفي ظل غياب الفصل والجدار الأمني، سيسهل عليهم فقط تطبيق المقاومة العنيفة لخطوة مفروضة في أرجاء «إسرائيل الموحدة».
خلافا للقيادة الإسرائيلية، تعارض القيادة الفلسطينية الدولة الواحدة وتعترف بانه رغم 49 سنة من «توحيد» القدس، يعاني سكانها الفلسطينيون من التمييز والظلم المتواصلين، مثلما شرح رئيس البلدية ورئيس الوزراء السابق ايهود اولمرت: «لم تقم أي حكومة إسرائيلية منذ 1967 حتى ولا بصفر بما هو مطلوب من اجل توحيد المدينة بشكل عملي… استثمرنا في القدس، ولكن عن وعي استثمرنا في الاساس في غربي المدينة وفي الاحياء الجديدة مثل هار حوما، بسغات زئيف».
يتمتع السكان الفلسطينيين في القدس بـ 10 في المئة فقط من الميزانية الجارية، رغم أنهم 40 في المئة من السكان. هناك نقص خطير في صفوف التعليم، في فروع البريد، في مكاتب الرفاه. في العيادات، في مراكز الامومة والطفولة. في مراكز الجيل الثالث، ولا توجد حتى ولا بركة سباحة واحدة. ليس لـ 50 في بالمئة من اراضي شرقي القدس مخططات هيكلية مقرة.
منذ 1967 لم يبنَ إلا 8 الاف وحدة سكن في الاحياء العربية بترخيص، و 20 الف اخرى بلا ترخيص. ينبغي أن تطرح اسئلة أليمة اخرى على واضعي خطط الضم على انواعها، بدء بـ «دولتان وطن واحد» وحتى البيت اليهودي والليكود ممن لا يكتفون بالاطلالة المهددة على مستقبل «إسرائيل الموحدة». الاول، ماذا سيكون مستقبل غزة؟ هل يمكننا ان نتجاهلها، بمليونين من سكانها، والادعاء، مثل بينيت، بأنها دولة يمكنها أن تعيش بقواها الذاتية؟ واذا كان نعم، ما هي فرصها للبقاء في ضوء تقرير الأمم المتحدة الذي يتنبأ لها بانهيار اقتصادي ـ اجتماعي حتى 2020؟
السؤال الثاني، ماذا سيكون مستقبل اللاجئين الفلسطينيين؟ هل إسراطين كدولة تعيش فيها امتان معا، يمكنها أن تمنع عودة بعضهم إلى نطاقها؟ ماذا سيكون المستقبل الاقتصادي للدولة التي تضطر إلى البدء باستيعابهم؟ السؤال الثالث هو اي جيش سيكون لمثل هذه الدولة؟ من سيخدم فيه؟ هل سيبقى على حاله قانون التجنيد الالزامي المنتهج في إسرائيل، والذي لا ينطبق على العرب؟ وهل يمكن للعرب ان يتطوعوا للجيش الإسرائيلي؟ في أي وحدات؟ وماذا عن الخدمة الوطنية؟ التجنيد للشاباك والموساد؟ هل سنوافق على «اعطائهم بنادق»؟ سؤال رابع، من سيمول منظومات الرفاه في الدولة ثنائية القومية؟ من سيعالج أمر الملايين الذين سينضمون إلى دائرة الفقر؟ من سيطور الاقتصاد في الوسط الفلسطيني؟ سؤال خامس: هل الجيل الشاب سيوافق على حمل العبء ـ الخدمة في الجيش، في الاحتياط، تمويل رفاه العرب والعيش في خوف دائم من العمليات؟
هل سيفضل الهجرة إلى الولايات المتحدة، بالضبط مثلما يحصل في القدس اليوم؟
هذه الاسئلة تكاد تكون بيانية، لأن الوضع الذي تصوره في «إسرائيل الموحدة» مدحوض من اساسه ومعناه حرب اهلية مستمرة، نظام أبرتهايد وانهيار اجتماعي واقتصادي. هذه هي الاسئلة التي يحاول نتنياهو تكنيسها من تحت طاولة حكومته المسيحانية ـ القومية المتطرفة. العمى السياسي، انغلاق الحس والانقطاع عن الواقع الذي تعمل منه هذه الحكومة لن يسمح لها بأن تفعل كما قال يشعياهو ليفوفيتش، الذي كتب فور حرب الايام الستة يقول ان ضم المناطق معناه «تصفية دولة إسرائيل كدولة الشعب اليهودي، خراب الشعب اليهودي، انهيار المبنى المجتمعي الذي اقمناه في الدولة وافساد الانسان ـ اليهودي والعرب على حد سواء. كل هذا سيحصل حتى لو لم يصبح العرب اغلبية في الدولة».
الأجوبة على هذه الاسئلة ينبغي أن نطالبها من الجهات المسيحانية والقومية المتطرفة في الحكومة، والتي لا تكف عن نثر الرمال في عيوننا بالنسبة لاثار الضم. ولكن ينبغي أيضا مطالبتها من الجانب الذي يتطلع إلى التسوية الدائمة، واقدامه على الارض، ذاك الذي بيأسه من امكانية تحقيق حل الدولتين يتوجه إلى حلول متعذرة، او يخشى من خطوات ذاتية حيوية للانفصال، ولو جزئيا، في الضفة وفي شرقي القدس.
شاؤول أرئيلي
هآرتس 20/1/2017
صحف عبرية