مع ختام مؤتمر منتدى العائلات الثكلى الإسرائيلي الفلسطيني، الذي انعقد في بيت جالا قبل نحو شهر، سرنا مع حركات «مقاتلون للسلام» و«نقف معا»، كألف امرأة ورجل نحو مدخل قرية الولجة كي نعبر عن التضامن مع سكانها. فالقرية تعاني منذ سنين من هدم المنازل والاعتقالات والإصابات والحصار الذي تفرضه عليها إسرائيل من خلال جدار الفصل. عندما وصلنا إلى مداخل القرية، وبرغم التنسيق المسبق، انتظرتنا مجموعة من نشطاء الفلسطينيين «ضد التطبيع» ممن لم يوافقوا على دخولنا. فبدأ جدال كبير في أوساط الفلسطينيين أنفسهم، فيما وقف جنود الجيش الإسرائيلي والنشطاء الإسرائيليون جانبا وهم ينظرون بذهول. وفي نهاية المطاف تقرر أن في مثل هذا الوضع المتفجر إدارة الظهر والعودة إلى الوراء.
هذه الخاتمة غير المتوقعة للحدث أثارت عاصفة: فقد شعر بعض الإسرائيليين بالإهانة، فيما شعر آخرون بخيبة الأمل. ولكن ما حصل يجسد أكثر من أي شيء آخر كم ينقصنا، نحن في إسرائيل، الفهم والوعي للسياقات الداخلية في المجتمع الفلسطيني التي تعمل ضد الإجراء الذي يسميه الفلسطينيون «التطبيع» مع إسرائيل.
منذ مسيرة أوسلو تابع المجتمع الفلسطيني في المناطق بقدر متزايد من النفور، لقاءات التعايش والحوار المتزايدة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. فبينا بدأ ممثلو الطرفين اللقاء في المقاهي في رام الله وفي تل أبيب، يسافرون معا إلى المؤتمرات في خارج البلاد، يتعانقون ويتبادلون القبلات ويأكلون الحمص معا، في نهاية اليوم كان الفلسطينيون يعودون إلى مخيمات اللاجئين التي يعيشون فيها وإلى الاحتلال المهين، بينا كان الإسرائيليون يعودون إلى ديمقراطيتهم المريحة.
هكذا حصل في أوساط أجزاء واسعة من المجتمع الفلسطيني إذ تعمق الإحساس في أنه بينا يتعانق هؤلاء ويتبادلون القبلات وكأن مظالم الماضي قد نسيت، على الأرض نفسها، أخذ الوضع يحتدم فقط: عدد المستوطنين تضاعف، الحواجز، قيود الحركة، هدم المنازل، سلب الأراضي والقتل والاعتقال لمقاومي الاحتلال تزايدت. كل هذه خلقت حالة لا تطاق.
إن عدم الارتياح المتزايد من الواقع الذي لا يطاق وجد تعبيره في ظاهرة متزايدة من استخدام تعبير «التطبيع». ففي الثقافة السياسية الفلسطينية يعبر هذا المفهوم عمليا عن المقاومة لكل عمل فلسطيني ـ إسرائيلي مشترك يخرج عن إطار الكفاح ويعتبر نوعا من التعاون مع الاحتلال. من ناحية فلسطينيين كثيرين يُعد الحوار العلني إياه مع الإسرائيليين استعراضا للتطبيع ـ وكأن الطرفين متساويان في قوتهما، والعدل ينقسم على نحو متساو بينهما. وعليه، فإن كل تعاون وحوار بين الطرفين يشتبه بهما على الفور لدى الكثيرين كمحاولة للتطبيع ويصطدمان بمقاومة شديدة من أولئك الذين يحرصون في المجتمع الفلسطيني على منعهما ـ حتى بثمن مقاطعة نشطاء سلام إسرائيليين يسعون إلى مساعدتهم.
من الصعب على الكثير من الإسرائيليين أن يسلموا بهذه المقاومة وهم لا يفهمون لِمَ يرفض الفلسطينيون أيديهم الممدودة للسلام. وحتى لو كنا لا نستطيع أن نحاكم الخاضع للاحتلال من موقعنا الأعلى كحاكم، من المهم أن تستمر مساعي الكفاح المشترك ضد الاحتلال ومظالمه. محظور أن تثقل حادثة كالتي وضعت في بيت جالا على العمل المقدس لغرض المصالحة، أو أن تشكل ذريعة لأي منا للامتناع عن محاولة بناء الجسور المهمة جدا بين الشعبين. ومثلما نقف نحن أحيانا أمام محافل في الحياة الإسرائيلية العامة ممن ينفرون من كل اتصال مع الفلسطينيين، هكذا أيضا على شركائنا الفلسطينيين أن يقفوا حيال النقد الحاد من محافل متطرفة تسعى إلى الامتناع عن كل اتصال مع الإسرائيليين.
يجب محاولة فهم الواحد للآخر، احترام شركائنا الفلسطينيين الذين يقفون ببطولة في جبهة الكفاح حيال مجتمعهم، ومواصلة تعميق النشاط المشترك لأولئك الذين يعتقدون أنه يمكن التعاون بالوسائل السلمية ضد الاحتلال.
يديعوت 5/11/2017
رامي الحنان