الباحث الفلسطيني «الشاهد المشهود» لوليد سيف: سيرة في الأدب

«حسبي الآن من العوالم المحتملة هذا العالم الذي أشهده ويشهدني والذي انتظمت سيرتي في سيرته! وتلك شهادتي عليه وشهادتي عليّ».
في هذا المنجز الفكري الأدبي الصادر حديثاً عن الأهلية للنشر يقدم لنا الباحث والكاتب الفلسطيني وليد سيف شهادة استثنائية يستعيد فيها جملة مواقف من خبراته وأفعاله وتفاعلاته وأحاسيسه، عرض سخي وثري لمساراته التعليمية والثقافية والمهنية، بما يترتب عنها من تتبع لأطوار حياته منذ النشأة بكل ما يعتريها من مؤثرات اعترضت طريقه قبل أن يكون هو ذاته في لحظة كتابة هذه السيرة. والشهادة تمتد عبر محورين؛ أفقي يرصد محطات الكاتب الكبرى في رحلته الحياتية، بما يقتضي تتابعاً زمنياً، وآخر رأسي يخصصه الكاتب لجملة من قضايا فكرية يطوف أثناء عرضها في الزمان والمكان بعيداً عن قيد يفرضه تسلسل زمني ظلّ حاضراً في المحور الأول. علماً بأن تجاذباً ما بين المحورين كان له أثره الأسلوبي المتراوح ما بين سردية قصصية وشعرية تصويرية، وأخرى تحليلية غايتها البرهنة على طروحات فكرية تجابه أو تحاور آراء متعددة. أبرز ما يمكن أن يُقال في هذه الشهادة إنها سعت إلى تذكر أشياء معينة لا لأنها حقيقة الماضي وحسب، بل لأنها تحمل معنى في الحاضر، فميزة اكتشاف الماضي تتأتى من ميزة توظيفه للتأثير على الحاضر. وهنا لا يفوت القارئ ملاحظة ثيمة كبرى يحفرها صاحب السيرة بلغة متفردة غايتها تفكيك كل بناء اجتماعي مرتكز على تراتبات تتخفى وراءها سلطة ما ترسخ حضورها.
وهو ما تفصح عنه كلمة حرة شجاعة وعدنا صاحبها منذ المقدمة في الحفاظ على مواطن عديدة لها، وهي شجاعة أعطاها من الاشتراطات ما يمكن هنا اختزاله بقوله: «أن تكون ذاتك وتشيد روايتك الخاصة بعيداً عن الإملاءات الخارجية».
في إمكان القارئ أن يتلمس ما سبق أن أشرنا إليه من خلال أمثلة عديدة في السيرة. منها على سبيل المثال مشهد بسيط يستحضره الكاتب من ثنايا ماض بعيد في الطفولة كي يدين سلطة غاشمة استغلها مدير المدرسة كي يلهب يدي أحد تلاميذه بالعصا، وهو يحسب أنه يؤدبه فتجده بعد أن يستحضر البيت القائل: وقسا ليزدجروا ومن يك حازما فليقس أحيانا على من يرحم. يعقب بكثير من رفض وإنكار لذلك المعنى المزعوم الذي ما كان له إلا أن يحبط زملاء له كانوا معاً «يطاردون فراشات الربيع ويستمتعون بكل ما تمنحه لهم الحياة مجاناً». والنتيجة أن إذلالاً مثل هذا الذي رآه ما كان له سوى أن يكسر الأحلام والآمال معاً، وهنا يتعالق ما ظاهره خاص عرضي بعام مصيري حين يعقب الشاهد بالقول: « فالطغاة الكبار الذين يبطشون بشعوبهم، هم من الطغاة الصغار الذين يوطّئون لهم ويعدون لهم أجيالاً نشأت على الخوف والخنوع والخضوع. وكلهم، كبيرهم وصغيرهم، على مذهب واحد من الذرائع: إنما نرعاكم بسلطان الأبوة، ونقسو قسوة الحازم على من يرحم، ونحن أدرى بمصالحكم، ونعلم ما لا تعلمون».
أما نصيب العام من الخاص فيبقى سمة مستديمة في النص؛ ففي موقع متقدم من السيرة يأخذنا الكاتب إلى ماض بعيد يستعيد معه ساعات أخيرة لرجل تمّ إعدامه بسبب الخيانة. يذكر لنا من المشهد قسوته عليه، ليعود ويتدارك وينبه إلى ضرورة عدم الاكتفاء بالنهايات بعيداً عن البدايات، وإلا وقعنا في خطيئة ما نراه من إدانة عالمية لمقاومة يُستحضر عنفها بعيداً عما أودى إليها من اغتصاب وتشريد للشعب الفلسطيني. وما كان لتجربة حب خاصة يعيشها الكاتب أن تمر من دون أن يشفعها بتحليل معمق لعاطفة يقول عنها إنها «قسمة بين الطبيعة والثقافة؛ بين الجسد والروح، أصله في الغرائز الأولية البدائية، وفرعه في سماء الشعر والأدب والفنون والفلسفة». وبالمثل نجده في غمرة الحديث عن صناعة درامية انخرط بها يرتحل بالقارئ باتجاه تأملات حياتية موضوعها التكامل في التقاسم الوظيفي، ومن ثم الانتقال إلى مفهومي التدافع والحراك بما يمكن أن يعرض عليهما من لوثة طغيان مصدرها الفرد أو الجماعة. ليصدق في هذا قوله: «إن الغيث العميم من مقدمات الرذاذ!».
عوداً إلى ما تقدم من حديث عن ثيمة أساسية يتواتر حضورها في السيرة، فإني أرى أن شجاعة حتّمت على الكاتب أن يكون ذاته قادت السيرة باتجاه تحدي صنوف الخطابات السلطوية الفجة التي عرضت عليه في حياته برمتها؛ فكثير من حكايات هذه السيرة تظهر انحيازاً للمغلوبين، وعلى رأسهم المرأة. وهنا يدخلنا الكاتب في حوار جدلي ينقل فيه ما يتواتر بين الناس من أن «قوة الرجل رجولة، وقوة المرأة تسلّط. وتسلط المرأة استرجال». يتبعه بعدها بحكايات عايشها في مجتمع ينكر على المرأة قوتها، ويجعل من بقائها في البيت عالة على زوجها أصلاً يجب أن يُحتذى. يخرج من بعدها بعبارة «ألا عزاء للنساء في مجتمع ذكوري يريد فيه الرجل من الأنثى أن تبقى موضوعاً يغنيه أو لوحة يرسمها متناسياً أنها ربما تختار أن تغني الرجل كما غناها، أو حتى ترسمه كما رسمها». ويبدو بالمثل أن لا عزاء «للمنفيين حتى وهم منفيون في أوطانهم». وهو ما يندرج على سكان مخيم كان يجاور البيت في طولكرم، ما كان لوليد سيف أن يغض الطرف عن فوقية في التعامل مع سكانه، إذ ما كان له أن يشهد مسافات ثابتة بين أهل المخيم وأهل المدينة، من دون محاولة إنصاف مخيم يقول فيه: إنه كان «شاهداً وشهيداً، وبطلاً جمعياً كما ينبغي له»، بل ويذكر أن التغريبة الفلسطينية كانت فرصته كي «يرفع إلى المخيم ما يستحقه من التقدير في الوجدان الفلسطيني، موصولاً بالاعتذار نيابة عمن ظلموه بتلك الصورة النمطية الآثمة». علماً بأن المخيم «ليس وطن الملائكة، ولا وطن الشياطين، شأنه في ذلك شأن سائر الأمكنة والبيئات».
وإذ تمضي السيرة في سمتها من حيث الانتقال مما هو خاص إلى عام يسرح ويطارح رؤى فكرية وجدانية إنسانية مختلفة، فإن حديثاً عن «محمود إبراهيم» الذي ذهب إلى لندن، قادها إلى الحديث عن صيغة متوازنة لا تقيم اعتباراً لثقافة على حساب أخرى لمجرد أنها مختلفة، وهو ما رآه متحققاً في عمه الذي اجتمعت لديه الثقافتان العربية الإسلامية والغربية، من دون الإصابة بأعراض التغريب والاستلاب الثقافي والاجتماعي. «فها هو المتنبي ظلّ في وعيه وذائقته مع شكسبير، ووليم وردزورث مع الشابي، والكوميديا الإلهية مع رسالة الغفران، من دون كدّ ولا تكلف. فالحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها». وفي ذلك إقرار عفوي بسنة الاختلاف والتعددية باعتبارهما جزءاً من الشرط الإنساني. ليظل أن الأدب الإنساني الذي درسه العم في لندن أحرى به أن يلهم المقهورين والمغلوبين إذا أحسنوا قراءته وتأويله.
جدير بالذكر هنا أن انتصاراً للإنسان عموماً يشترط رفضاً تاماً لكل أشكال تنميط الهويات الحضارية وإعطاءها سمات متجانسة لا تاريخية. وهو ما تتفطن إليه السيرة حين تحيل إلى خطاب استشراقي اصطنع به الغرب صورة الشرق في سياق علاقات القوة والغلبة. والقول في هذه السيرة كما هو في كتابات إدوارد سعيد التي ترفض أن يكون الشرق واحداً ثابتاً، أو أن يكون الغرب واحداً ثابتاً بالمثل. وتذكرنا السيرة بأن بعض أهم الأعمال الفكرية التي فككت الخطاب الغربي الاستعماري ومفهوم المركزية الغربية هو من إنتاج الغرب نفسه. وإن كانت صور التنميط هذه تأتي بقصدية صنع صورة سلبية للآخر، فإن شيئاً من هذا يراه صاحب السيرة في علاقة المدني بالقروي في فلسطين نفسها حين يختص الفلاح نفسه بصور الشجاعة والكرم وينفيها عن المدني، بينما يختص ابن المدينة نفسه بالتحضر والنظافة رامياً الفلاح بالسذاجة والتخلف.
عموماً، الكاتب لم يكن ليترك موقفاً حياتياً رأى فيه انحيازاً من طرف على حساب آخر، من دون أن يعرضه بالشرح والتحليل والنقد. وهو ما يسري على طلاب الجامعة الأردنية بين زمنين رأى في الأول ما يبشر بقيادات جديدة في المجالات المختلفة، يشجع على ذلك حرم جامعي كان متمتعاً باستقلاله، وبما كان يمنح لطلبته من حقوق في الحراك السياسي والفكري في إطار الأنظمة والقوانين، ومن حقوق في المشاركة في شؤون الجامعة التي تخصهم من خلال مجلس منتخب بأسلوب ديمقراطي، ولكن لم يكن بعد التمام إلا النقصان! ليغدو الحديث عن حاضر مختلف لا يبشر بالكثير.
انسجاماً مع ما تقدم من رفض لثنائيات قهرية متبادلة دأبها إقصاء المختلف إيديولوجياً، فإن السيرة تدعونا إلى التنبه إلى خطورة ما توقعه نخب التغريب الإقصائية حين تصر على اختزال الآخر في ظاهرة واحدة متجانسة متجاهلة أنه لا الفكر العلماني ظاهرة واحدة متجانسة، ولا الفكر الإسلامي كذلك، والنتيجة أن أي خطاب عقلاني معتدل مستنير من الجانبين يحاصر لصالح اتجاهات إقصائية متطرفة هنا وهناك. والضحية وطن يتناهبه الطغاة والغزاة معاً. وما أسرع أن يترجم هذا الإقصاء إلى « معجم متضخم من وصمات التبخيس والاتهام والتشكيك والتصغير: فهذا فكر غيبي ظلامي، وهذا رجعي، وهذا يميني يخدم البرنامج الإمبريالي، وهذا فاشي، وهذا فكر بورجوازي مضاد للثورة، وهذا يسار طفولي، وهلم جرا. ولا يتوقف الأمر عند هذا، حتى يصل في أحيان كثيرة إلى تهم التخوين والعمالة».
يحضر الفكر الإقصائي أيضاً على مستوى التخصصات الجامعية إذ يجد خريجو الدراسات الإنسانية أنفسهم في درجة أدنى من غيرهم مع أن أسئلة التغيير والتقدم على الصعد الاجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية تتصل بالدراسات الإنسانية في المقام الأول. ولا يغني عن ذلك أصحاب الاختصاصات العلمية المهنية الذين يفتخر الكثيرون منهم بانقطاعهم عن الشأن الثقافي والفكري ويقنعون بالنجاح المهني والمادي. والحق أن السيرة ما فتئت تعالج مواطن الإقصاء في كل ركن فيها، مع محاولة طرح بدائل قادرة على استيعاب البشر بكل مستوياتهم الاجتماعية والفكرية، ويبقى هذا قائماً حتى حين يطرح ميزة دراما وجهتها جمهور عريض يستقبل بكل ترحاب كتابة تدمج بين المستوى الأدبي والتقنيات البصرية التلفزيونية لو توفرت لها مادة حكائية جذابة. وإذ تعرض السيرة للأدب والشعر، فإنها تبقى منحازة لأدب وشعر لا يستغلق على الفهم. وهو ما يشفعه بترحيب بنصوص سردية تجذب مستويات متفاوتة من المتلقين، باعتبار مادتها الحكائية الشائقة، ولا ضير بعدها لو تفاوتوا في مستويات التذوق والتأويل والتحليل؛ فهناك القارئ العادي، وهناك الناقد المتعمق، إلى الباحث المتخصص. ولا يجوز إهمال قارئ على حساب آخر. وإن كان هناك من انحياز فيما يكتبه وليد سيف من مادة درامية تاريخية فللغائب الذي سكتت عنه كتابات تاريخية رسمية غير بريئة. أما عن الأجناس الأدبية، فلا إقصاء لجنس عند وليد سيف على حساب آخر، ولا تفاضل بين الأشكال الإبداعية بمطلقها، وإن كان هذا بالضرورة لا يمنع تفاضلاً بين النصوص والمواهب.
بل إن تراجعاً للشعر يمكن رده إلى الشعراء أنفسهم حين وضعوا فواصل بين جمهور النخبة والجمهور العريض، فلم يعد الشعر كما الفنون السردية قادراً على «إمتاع الجمــيع ومخاطبتهم، فالشاعر ما إن توخّى التميّز الفني بالإسراف في المفارقة والمغايرة، خسر قراء لا وجود لنصوصه من غيرهم، وإذا طلب الجمهور العريض وقع في المباشرة فخسر من قيمته الفنية».
أنهي بالتأكيد على أن كتاب «الشاهد المشهود» كان صوتاً مناهضاً للعنف والظلم، حين وضع صاحبه على عاتقه مهمة تمثيل الناس الذين يعيش بينهم، ومن شأن هذه السيرة أن يقال فيها: إنها استطاعت وبامتياز تحريك مبادئ إنسانية شمولية، بعيدة عن كل عنصرية أو فئوية متعصبة تتنفس العنف وتقتات عليه. فكانت نصيراً قوياً في كل محطاتها لمبادئ العدل والحق، يحركها في ذلك إيمان صاحبها المطلق بالذي يكتبه، ورغبة ملحة في الانتماء لحق الإنسانية والبشر عموماً. أمر يدلل عليه كسر مستمر لكل صورة نمطية تضع البشر في قوالب تحول بينهم وبين التواصل الإنساني.

٭ كاتبة أردنية

الباحث الفلسطيني «الشاهد المشهود» لوليد سيف: سيرة في الأدب

رزان إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية